الاتحاد

تقارير

حصاد عام حزين

كانت الفكرة التي اعتمدتها لهذا المقال الذي أكتبه عن عام 2008 المنصرم، أن أخصصه لتسجيل أهم المحطات التاريخية التي حفل بها العام الثامن من القرن الحادي والعشرين· وهي أحداث ستفتح صفحة جديدة في مسار السياسة العالمية، وأعني انتخاب أول أميركي من أصول أفريقية، فانتخاب أوباما رئيساً للولايات المتحدة الأميركية، ليس حدثاً عادياً، بل إنه بالنسبة لكثير من المواطنين الأميركيين وغيرهم من البشر في دول العالم، أصبح الحلم الذي بدا في زمن آخر أمراً مستحيلاً·
ما كنت أفكر في تسطيره ضمن هذا المقال هو حديث الإنهيار المالي العالمي، الذي ماتزال تداعياته مستمرة وستكون معالجته أولى مهام الرئيس الأميركي الجديد·
وما بين الأحداث العالمية وتطوراتها المذهلة والأحداث القومية والوطنية والقارية وآخرها القرار الشجاع الذي اتخذه الاتحاد الأفريقي بتعليق عضوية غينيا ورفض الاعتراف بانقلاب عسكري على حكومة ديمقراطية منتخبة ''مهما قيل عن شكل الديمقراطية التي جعلت الرئيس الغيني الراحل الجنرال كونتي يحكم البلاد لأكثر من عشرين عاماً''!
وكانت هنالك أفكار ومحطات وأحداث جديرة بالتسجيل في مقال يخصص لحصاد ·2008
لكن هجوم الطيران الإسرائيلي الوحشي على غزة الفلسطينية - العربية طغى على كل الأفكار التي كنت أرتب للكتابة عنها، وهذا الهجوم أشعرني بأن كل حديث عن إنجازات العام المنصرم بحلوها ومرها خلف في العقل والقلب مرارة وأفسد عليّ الإحساس الطبيعي، الذي يشعر به الناس عادة وهم يودعون عاماً مضى ويستقبلون عاماً جديداً بالأمل والتفاؤل· إذاً كيف يستطيع المرء استقبال عام جديد، وهو يرى أمامه، وما أبشع ما يرى، من صور المآسي والدموع والدماء، وصرخات الأطفال والنساء ودماء الرجال العرب التي تملأ شوارع غزة ومبانيها المدمرة، الطيران الإسرائيلي وهو يدمر المباني والمساجد والمدارس؟
وليس هذا هو العدوان بالطيران والصواريخ الإسرائيلية على غزة وغيرها من مدن فلسطين وعلى المدنيين الفلسطينيين وما أحسبها ستكون الأخيرة·· إن المذابح الوحشية التي يقودها وزير الدفاع الإسرائيلي بنفسه هي ليست-على حد قوله- النهاية بل البداية، وأنه لن يكرر أخطاء حرب الصيف·
وبينما يعربد سلاح الطيران الإسرائيلي في أجواء فلسطين ويرسل صواريخ الموت والدمار، فإن العالم المتحضر الذي اعتاد على إدانة الفلسطينيين وتحميلهم جرائم العدوان على المدنيين الإسرائيليين لم يتحرك، إلا بعدما وصل عدد القتلى من الأطفال والنساء والرجال الفلسطينيين لأكثر من ثلاثمائة· وعندما تحرك وزير الخارجية البريطانية، فإن دعوته للطرفين ''حماس'' وإسرائيل لايقاف القتال فوراً (خاصة·· كما قال)، فإن عدد القتلى يتصاعد وخاصة بين الأطفال·· والولايات المتحدة دعت ''حماس'' أولاً لإيقاف رمي إسرائيل بصواريخها وأن تلتزم التزاماً تاماً بإيقاف ''العدوان'' على المدن الإسرائيلية بالصواريخ·
إن موقف العالم المتخاذل كما وصفه الفلسطينيون هو موقف ليس أيضاً جديداً علينا، لكن الذي يدعو للاحترام والأمل أن الشعوب العربية المغلوبة على أمرها تحركت حيثما توفر لها ذلك للتضامن مع أشقائهم في غزة، فالذين تظاهروا في مونتريال وتورونتو (ناهيك عن عواصم عربية أخرى) تضامناً مع الفلسطينيين وأدانوا العدوان الإسرائيلي الوحشي، هم ضمائر هذه الأمة، التي لن تركع للعدوان والوحشية الإسرائيلية ولن تحقق لإسرائيل حلمها الأبدي·

عبدالله عبيد حسن

اقرأ أيضا