الاتحاد

الرئيسية

تذكرة.. وحقيبة سفر (1)

ناصر الظاهري

ناصر الظاهري

المتعبون في السفر والترحال كثر، ويتصرفون دائماً، وكأنهم في بلدانهم، لذا هناك إشارات لبعض الأشياء تبدو مطمئنة للنفس القلقة حينما تراها قدامك أو تتمثل لك من بعيد، خصوصاً عندما تدخل مدناً لا تجيد لغتها، ولا يستساغ أكلها، فإشارة حرف «M» باللون الأحمر والأصفر لبيع المأكولات السريعة يجعلك تهدأ قليلاً، وتتوقف اضطرابات البطن، وحركة الأمعاء الغليظة، تطمع وتتمنى لو تجد بالقرب منه مقهى يقدم القهوة الأميركية بشعار البنت الفاردة شعرها، ومزينة بالتاج، بهكذا تستريح، وتضمن عدم التشتت والحيرة وسؤال الناس، والمخاطرة بأكلة دانماركية أو ألمانية لا تعرفها من خيل أو ثور، منظر «سيخ الشاورما» كجذع نخلة خاوية، يجعلك تركن وتركد في السفر، وتزيد من يقينك تلك اللافتة المؤمنة «لحم حلال»، وعرّابها ذلك البائع العربي أو التركي، وأيام التمسك والتشدد والنفس اللوامة، كانت أمنيتنا في المدن البعيدة أن نجد مطعماً إيرانياً، فنضمن عدم الرجس، واقتراف الذنب أو نصادف مطعماً لبنانياً، فنقول: طاب المأكل والمشرب والمنزل، أو نعثر على مطعم هندي، فنربّخ أطرافنا ونسترخي، فقط لأننا نطمئن إلى ما عرفنا وجرّبنا، فالإنسان عبد ما ألف، وأسير العادة، خاصة الذين لا يحبون المغامرة والتجريب في الأكل، فيصابون بتلبك معوي إن قربوا من أكل لا يعرفونه، يحركهم الوسواس الخناس.
اليوم من بذخ السفر عند المحترفين أن يسافروا من أجل التمتع بأكلات الشعوب، والتعرف عليها، وتذوقها مع مشروباتهم، وقضاء أوقات ممتعة وربما رومانسية في المطاعم المشهورة، والتي يحتاج بعضها للحجز المسبق قبل أشهر، خاصة في رحلات الشتاء والصيف، نظراً لأسعارها الغالية جداً، وزبائنها رفيعي المنزلة من نخبة المجتمعات والمشاهير، ولا تريد هذه المطاعم أم الشوكة الذهبية أن يحوط حولها الذين يسألون عن سعر كل شيء، ولا يعجبهم الكثير، ويحدثون قرقعة، وأصواتاً أثناء الأكل، ولا يحبون أن يدفعوا إكرامية تفرح القلب، كأمثالنا من غالبية السياح تفرحنا علامات المطاعم التي نعرفها وجربناها، من حيث نوعية الأكل وأسعارها، اليوم ليس مثل زمان، لقد حلت المسائل، وأصبح كل شيء متاحاً، وتسيدت عولمة المطاعم والمقاهي وسلاسلها الموجودة حتى في محطات الوقود، ولم يعد للمتوجسين من عذر للقلق غير المبرر، بقيت نسبة قليلة ولكنها صعبة المراس، مملة في السفر، وتغصص عليك في كل حين، منهم النباتيون الذين يأكلون الحشيش والطالحب والشَبوّ، ويعفّون عن أكل اللحم، ومنهم الذين «يجزون» ويشككون في كل شيء، بدءا من غسل الأكل قبل طهيه، ونقاوة الزيت، ونظافة أظافر «الشيف»، والشك بأن النادل يعاني من أمراض معدية، ولا تظهر عليه أعراضها أو أن الطباخ من الناقمين ويمكن أن يتفل في طبقه، هؤلاء إن رافقتهم أسبوعاً فستعود بحجم راهب بوذي متبتل في جبل، منقطع عن الطعام، متفرغ للصلاة.. وغداً نكمل

اقرأ أيضا

إثيوبيا ترفض مناقشة اقتراح قدمته مصر حول سد النهضة