الاتحاد

الاقتصادي

توقعات باستمرار أسعار النفط المرتفعة

ما زالت أسعار النفط تراوح حول مستوياتها القياسية رغم تراجع الطلب في كبريات الدول الصناعية في العالم في تزامن لم يحدث على الإطلاق من قبل· فلعقود طويلة ظل تراجع حدة العطش على النفط في أميركا الشمالية وأوروبا واليابان يدفع بأسعار النفط الى الانخفاض نظرا لأن هذه المناطق استمرت تسهم بمعظم النمو في استهلاك الخام، على أن حالة الافتراق الحالية ما بين الأسعار والطلب من الدول الغنية إنما تسلط الضوء على المدى الذي أصبح فيه سوق النفط العالمي ''منفلتاً''، إلا أنه لم يتحرر بعد من بعض العوامل التي ظلت تسيره طوال الفترة الماضية·
ومن المقرر أن تفرج وكالة الطاقة الدولية - الجهة المراقبة للسوق بالإنابة عن الدول الغنية - عن البيانات في الأسبوع المقبل والتي من المرجح أن تكشف عن انخفاض متواضع في استخدامات النفط في الثلاثين دولة الأعضاء في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في عام 2007 بسبب تعديل المستهلكين لأنماط استهلاكهم في مواجهة أسعار النفط الخام المرتفعة·
وقبل عام من الآن عندما كانت هذه الوكالة التي تتخذ من باريس مقراً لها قد أعلنت عن انخفاض مماثل لعام 2006 - أي أول تراجع من نوعه منذ أوائل حقبة الثمانينات - اعتقد المحللون أن أسعار النفط في طريقها الى الانخفاض وان مسيرة الصعود الكبرى التي حدثت لاحقاً في السنوات القليلة الماضية لن ترى النور في المستقبل· ولكن وعوضاً عن ذلك فقد استمرت الأسعار تقتحم جميع الأسقف والحواجز فيما تبقى من عام ·2007
وبعد أن اجتازت عتبة المائة دولار لأول مرة في أوائل الشهر المنصرم ارتفع سعر الخام في نيويورك في الأسبوع الماضي الى مستوى 94,20 دولار للبرميل وسط مخاوف بشأن الخلاف بين ايران والولايات المتحدة الأميركية·
وفي ظل وجود العديد من العوامل الأخرى التي تمسك حالياً بخناق المسيرة النفطية مثل الطلب الذي لا يكف عن النمو في الصين وارتفاع تكاليف استكشافات النفط الى عنان السماء وحالة الغموض السياسي التي تلتف حول بعض مناطق إنتاج النفط مثل فنزويلا فإن وتيرة استخدام النفط في الدول الغنية كمقياس أساسي للأحوال في سوق النفط باتت تأتي في مرتبة ثانوية·
ويأتي تناقص استهلاك النفط في العالم الصناعي من عوامل مشتركة ومتزامنة بمرور الوقت أهمها التحول من التصنيع الى قطاع الخدمات والاتجاه الى إنتاج سيارات أكثر ترشيداً للطاقة والاندفاع في إنتاج الوقود البديل مثل الايثانول بالإضافة الى ارتفاع أسعار الطاقة نفسها والذي شجع بدوره على المزيد من ترشيد الاستخدام·
وتشير وزارة الطاقة الأميركية الى أن استهلاك البترول في العام الماضي في أميركا - التي تستخدم حوالي واحد من كل أربعة براميل في العالم - شهد نمواً بمعدل 0,2 في المائة الى مستوى 20,7 مليون برميل يومياً·
أما الطلب في جميع أنحاء الدول الأعضاء في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بما فيها الولايات المتحدة الأميركية فتراجع بنسبة 0,2 في المائة في عام ·2007 وفي آخر مرة ارتفعت فيها أسعار النفط الى مستويات قياسية في حقبة الثمانينات أثناء أزمة الرهائن في إيران جاء رد فعل الدول الصناعية بتخفيض دراماتيكي في استخدامها للنفط قبل أن تتجه الأسعار الى الانخفاض تبعاً لذلك· أما في هذه المرة فقد تراجع الطلب في الدول الصناعية الغنية بصورة هامشية بالمقارنة لسبب جزئي يعود الى أن تكاليف الطاقة لم تلق بضغوط قوية على الاقتصاد· وأصدق دليل على ذلك أن الولايات المتحدة في عام 1984 أنفقت 13,7 في المائة من إجمالي الناتج المحلي على الطاقة مقارنة بنسبة 9 في المائة فقط في العام الماضي وفقاً لأرقام وزارة الاقتصاد الأميركية· وعلى امتداد الدول الأوروبية الغنية فقد شهدت المنطقة مكاسب مماثلة من الترشيد حيث استمرت جموع المستهلكين في ابتداع جميع السبل المناسبة لتخفيض فواتير الطاقة· ففي الوقت الذي نما فيه النشاط الاقتصادي بنسبة تقترب من 60 في المائة في الفترة ما بين 1986 و 2006 فإن الطلب على النفط في نفس الفترة لم يرتفع إلا بحوالي 18 في المائة فقط وفقاً لأرقام وكالة الطاقة الدولية·
ويتوقع المحللون في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن يرتفــع الطلــب علــى النفــط بحوالي 1 في المائة في هذا العام بين مستواه في عام 2007 على الرغم من أن ركود اقتصادي حاد في الولايات المتحدة الأميركية سوف يؤدي الى تقليل استهلاك النفط ومن المرجح أن يفضي بتأثيرات سالبة على عافية الاقتصاد في بقية أنحاء العالم·
بيد أنه وبصرف النظر عن هذا الاحتمال فقد لاحظ المحللون مجموعة من الأسباب التي ستجعل أسعار النفط باقية على حالها في هذا العام· وكشفت دراسة أجرتها نشرة ''داو جونز'' في ديسمبر المنصرم قبل أن يجتاز النفط حاجز المائة دولار للبرميل أن 32 مصرفاً ومؤسسة مالية أخرى عمدت الى رفع سقف توقعاتها لأسعار النفط في عام 2008 في المتوسط بنسبة 5 في المائة الى ما يقارب 80 دولاراً للبرميل الخام الأميركي الخفيف في الوقت الذي تناضل فيه إمدادات الأوبك لتلبية الطلب وهي تحكم إغلاق مصادرها الإنتاجية· ويبقى أن السبب الآخر الأكثر أهمية في دفع الأسعار الى الصعود ذلك الطلب المتنامي على النفط من الدول الآسيوية ومن منطقة الشرق الأوسط نفسها على وجه الخصوص· ففي الوقت الذي ظلت فيه الدول الصناعية تستنزف برميلين من كل ثلاثة براميل من النفط المستخدم عالمياً في كل يوم فإن الدول المتسارعة النمو مثل الصين والهند والمملكة العربية السعودية تقف الآن خلف معظم النمو في الطلب على الخام· وتتنبأ وكالة الطاقة الدولية أن هذه الدول أضحى بمقدورها أن تستحوذ على سبعة من كل عشرة براميل في السوق ومن النفط المستهلك يومياً من الآن حتى عام ·2030
نقلاً عن ''وول ستريت جورنال''

اقرأ أيضا

تطبيقات «أبوية» لحماية الصغار من الإنترنت في الإمارات