الاتحاد

الإمارات

«داعش» مجرد ظاهرة و«الإخوان» في أضعف حالاتهم و«عاصفة الحزم» وضعت حداً للأطماع

الدكتور جمال السويدي خلال الحوار الاتحاد مع الزميل حمد الكعبي

الدكتور جمال السويدي خلال الحوار الاتحاد مع الزميل حمد الكعبي

فتح الحوار مع المفكر والخبير الاستراتيجي الدكتور جمال سند السويدي، مدير عام مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، الكثير من محاور النقاش، وإن شئت قل الكثير من القضايا الموجعة، وفي مقدمتها الفكر العربي الذي يحتاج إلى عواصف وليس عاصفة لتنقيته وإعادته إلى عيونه الثرية، وعلى الرغم من التحرك السريع الذي جاء بعاصفة الحزم، فإننا ما زلنا نعاني قصوراً فكرياً يواكب هذه العاصفة التي حققت في أيام انتصارات عسكرية، وأثبتت أن الفعل العربي مازال حياً وقوياً ويمكن الاستناد إليه والاعتماد عليه وتطويره ودفعه خطوات إلى الأمام. ولابد لنا، إن أردنا أن نضع قدمنا على طريق التقدم، وأن نعيد للعلم والعلماء دورهم، فهم الأساس الذي يرسي قواعد التقدم والرقي، ولابد من أن تكون هناك علاقة وثيقة بين العلماء ورجال السياسة، فهما جناحا التقدم والرقي والعزة، بما يسمى اليوم «الدبلوماسية الثقافية»، مع ضرورة إيجاد الميزانيات اللازمة لوضع البحث العلمي في موضعه الصحيح ومجابهة التيارات الظلامية التي تريد العودة بنا إلى العصور الوسطى، تحت رايات ليس لها علاقة بالدين، وتريد أن تفسر الدين على هواها وفكرها المنحرف، وتريد أن تلوث الفكر السياسي الإسلامي وتحارب الدين. أمام هذه التيارات الظلامية المنحرفة لابد أن نعزز الثقافة الدينية لدى الشباب والنشء، ولابد من إنتاج قيادات فكرية مختلفة تقدم الدين الإسلامي السمح على حقيقته بعيداً عن الفكر المتطرف وسياسة قطع الرؤوس والحرق والاغتصاب، والإقصاء، ومحاربة الفكر المتطرف والمنحرف يجب أن تكون أولا بالفكر والمنطق والقيم العليا وتعزيز مبادئ الوسطية الإسلامية. لا شك في أن عاصفة الحزم وجهت رسائل مهمة جداً إلى من يهمهم الأمر وإلى الواهمين، مفادها: أن الدول العربية والإسلامية قادرة على الفعل إن أرادت، وتملك الأدوات اللازمة والعقيدة أيضاً. وإلى نص الحوار..


* أعلنتم عن تحالف للمراكز البحثية تحت عنوان «عاصفة الفكر» فكيف ترون أن التعاون بين المراكز البحثية يمكن أن يخدم القرار الاستراتيجي العربي؟

** حينما أطلق مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية مبادرة «تحالف عاصفة الفكر» فإنه كان يدرك خطورة التطورات التي تشهدها المنطقة، وضرورة التعامل معها بشكل بحثي وعلمي وإعلامي يخدم صانعي القرار على المستويات كافة: المحلي والخليجي والعربي والعالمي، وبناء استراتيجية بحثية موحدة، نابعة من فكر استشرافي واعٍ، تسهم فيه مراكز البحوث والدراسات العربية بما لديها من خبرات تراكمت عبر السنوات، ورؤية واعية استقرت عبر دراسات معمقة، تسهم في تحقيق الأمن والاستقرار للدول العربية كافة، وتعزيز قدرتها على حفظ أمنها واستقرارها وحماية منجزاتها ومصالحها، بما يحقق رفاهية مواطنيها، في إطار عربي جامع يضمن الأمن والاستقرار والازدهار المشترك، وأود أن أشير هنا إلى أن فعاليات مبادرة تحالف «عاصفة الفكر» ستنطلق في شهر سبتمبر المقبل 2015، ونأمل أن تدشن انطلاقة جديدة من التعاون البحثي والعلمي، تسهم في توعية الرأي العام العربي بالمخاطر التي تهدد أمن المنطقة واستقرارها، وتعمل على تهيئته لدعم القيادة السياسية في كل خطواتها التي تقوم بها لدرء هذه الأخطار والتصدي لها، من خلال تحليل الأوضاع كافة، السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعسكرية والأمنية، وتقديم البدائل والخيارات المحددة إلى متخذي القرار، لمساعدتهم في كيفية التعامل الإيجابي مع هذه التطورات والمستجدات.

* لا يزال المجتمع العربي يعاني قصوراً كبيراً في ثقافة البحث العلمي.. والمشكلات أصبحت معروفة.. وأريد أن أسأل عن الحلول من وجهة نظركم؟

** أعتقد أن تراجع ثقافة البحث العلمي تمثل أحد التحديات التي تواجه العديد من الدول العربية والإسلامية، في وقت هي أحوج ما تكون فيه إلى الاهتمام بالبحث العلمي وتشجيعه، إذا أرادت مواكبة الحداثة والتقدم والتطور، لأن الدرس الذي تقدمه لنا كثير من تجارب وخبرات الدول المتقدمة، هو أن الاستثمار في البحث العلمي استثمار في المستقبل لمصلحة التقدم والنهضة، ولهذا إذا أردنا، كدول عربية وإسلامية، أن ننخرط في الحضارة الإنسانية، فإن علينا أن نعمل على إعادة الاعتبار إلى ثقافة البحث العلمي، وتشجيع أبنائنا على المثابرة والاجتهاد في هذا المجال.

* لقي كتابكم «السراب» كثيراً من الاهتمام في الأوساط الفكرية والسياسية العربية فهل تنوون مواصلة البحث في ظاهرة الإسلام السياسي أم لديكم مشروعات بحثية أخرى؟

** أعتقد أن الأثر الإيجابي الذي أحدثه كتاب «السراب» هو أنه فتح المجال أمام المفكرين والباحثين للكتابة في هذا الموضوع، برؤية مغايرة ومنهج علمي مختلف يجمع بين النظرية والتطبيق، ولهذا آمل أن يكون كتابي هذا قد أطلق شرارة «الحرب الفكرية» ضد القوى الدينية الظلامية التي تدعي الحديث باسم الإسلام، وهو منها بريء، وتخلط الدين بالسياسة والسياسة بالدين فتضر بالاثنين معاً، وتشيع أجواء الاحتقان الديني والطائفي بين شعوب منطقتنا، وتتغذى على خداع البسطاء عبر شعارات زائفة لم تقدم لهم سوى الوهم والدمار والدم.

أما فيما يتعلق بالاستمرار في بحث ظاهرة الإسلام السياسي، فإن أي باحث أو كاتب موضوعي لا يمكن أن يرى ظاهرة تثير أمامه العديد من التحديات والإشكاليات ويتجاهلها، وأتصور أن موضوع الجماعات الدينية السياسية مازال في حاجة إلى الكثير من الدراسات لتناوله من أبعاده المختلفة وتقديم إجابات شافية للعديد من الأسئلة التي ما تزال مرتبطة بهذه الظاهرة، مثل: لماذا فشل العالم العربي والإسلامي في مواكبة الحضارة الإنسانية؟ ولماذا ظلت بعض مجتمعاتنا أسيرة لفكر هذه الجماعات المنغلق، وغيرها العديد من الأسئلة التي يتعين علينا كباحثين تقديم إجابات وافية بشأنها.

* بعد «القاعدة» و«داعش» هل يمكن أن تظهر نسخ أخرى للإسلام السياسي أكثر تطرفاً؟

** لا شك في أن المشهد الراهن الذي خلفته الجماعات الدينية السياسية، قد أسهم في غرس ثقافة التطرف في العديد من المجتمعات العربية والإسلامية، ووضع بذور العنف، وربما يفسر هذا تصاعد خطر التطرف والإرهاب في المنطقة في الآونة الأخيرة، فهذا الأمر لا يمكن فصله عن ممارسات هذه الجماعات التي تدعي أنها تمثل الإسلام وتتحدث باسمه وتجعل من نفسها حكماً ورقيباً على أي فكر آخر يختلف معها، وأتصور أن ممارسات هذه الجماعات الدينية السياسية أدت إلى ظهور جماعات أكثر تطرفاً وراديكالية، كتنظيم «داعش» والسلفية الجهادية التي تحاول فرض رؤيتها للدين، ومعاقبة من يخالف هذه الرؤية بالإعدام والقتل والحرق، مشوهة بذلك الصورة النقية للدين الإسلامي الذي يحض على حماية الأنفس والأعراض ويدعو إلى البناء والتعمير وليس القتل والهدم والتخريب، ولهذا لا أستبعد أن تظهر نسخ أخرى أكثر تطرفاً للإسلام السياسي ما دامت هذه الجماعات تصر على احتكار الحديث باسم الدين الإسلامي، وتسعى إلى فرض مفهوم خاطئ له، وبثه في النشء والشباب.

ولهذا فإن ثقافتنا العربية الإسلامية ينبغي أن تتعامل مع تلك الظواهر، ليس فقط في المدى القريب أو المتوسط وإنما على المدى البعيد، وأن تكون هناك خطط طويلة المدى تصل إلى عام 2030 أو أكثر للقضاء على تلك الظواهر، كما ينبغي العمل على تغيير المناهج وتطوير منظومة التعليم في إطار المواجهة الفكرية لهذه الجماعات الدينية السياسية والتنظيمات الجهادية المتطرفة.

* إذاً برأيك هل ستستمر المعركة ضد الإرهاب لفترة طويلة أم أن القضاء عليه أمر ممكن؟

** لا شك في أن الإرهاب قد أصبح خطراً كبيراً على الأمن والاستقرار في المنطقة والعالم كله، خاصة مع ما تشهده مناطق عدة في الشرق الأوسط والعالم من تمدد لجماعات العنف والتشدد والإرهاب وتصاعد ممارساتها التي أصبحت تهدد قيم التعايش والوسطية والحرية، ولهذا لا يمكننا القول إن الحرب الحالية ضد الإرهاب، سواء في أبعادها الإقليمية أو الدولية، قادرة على القضاء على هذا الخطر في المدى القريب، وإنما الأمر بحاجة إلى استراتيجية بعيدة المدى، تأخذ في الاعتبار جميع الأبعاد والأسباب التي تقف وراء هذه الظاهرة، وتحاول تقديم حلول واقعية بشأنها.

صحيح أن هناك جهوداً إقليمية ودولية مهمة لمحاصرة هذه الظاهرة الخطيرة أمنياً ومالياً وفكرياً وعسكرياً، كما أن هناك وعياً شعبياً واسعاً بما تمثله الجماعات الدينية السياسية من تهديد جدي لاستقرار وتماسك الدول والمجتمعات، لكن ضخامة التحدي تحتاج إلى تحرك دولي كبير وسريع وفاعل وخاصة مع التصاعد المستمر لخطر هذه التيارات، حيث تشير تجربة المواجهة مع الإرهاب على مدى السنوات الماضية إلى أن التأخر في التصدي للجماعات الإرهابية يُكسبها المزيد من القوة، ولا سيما أن هذه الجماعات لديها قدرة كبيرة على التلون وتغيير التكتيكات والأساليب، فضلاً عن القدرة على الحركة السريعة في مناطق مختلفة، لهذا فإن المرحلة الراهنة تقتضي وقفة دولية جادة وقوية وفاعلة في مواجهة الخطر الإرهابي الداهم الذي تعيشه منطقة الشرق الأوسط، لأن الإرهاب لا يقف عند حدود، وإنما يعمل دائماً على التمدد في العالم كله، وقد أثبتت السنوات الماضية هذه الحقيقة بشكل واضح.

* هل ترون أن خطر جماعة «الإخوان المسلمين» أصبح أقل بعد ما منيت به من انتكاسات.. وبعد فشل تجربتها في كثير من الدول العربية؟

** بداية أود أن أشير إلى أن جماعة الإخوان المسلمين منذ تأسيسها عام 1928 تمثل خطراً عابراً للحدود، لأنها تتبنى أيديولوجية لا تعترف بالهوية الوطنية للدول، فمؤسس الجماعة ومرشدها الأول حسن البنا لا يعترف بالحدود الجغرافية ويرى العالم الإسلامي أمة واحدة مهما تباعدت أقطاره وتناءت حدود دوله من دون أي اعتبار لسيادة الدول وخصوصياتها وغير ذلك من مقتضيات العلاقات الدولية في العصر الحديث، وللأسف فإن جماعة الإخوان المسلمين حينما قامت أحداث ما يسمى الربيع العربي توهمت أن بمقدورها تنفيذ هذه النظرية، وإحياء فكرة الخلافة مجدداً، ولكنها فشلت في اختبار الحكم والسياسة، وانصرفت الشعوب عنها، بعدما أدركت أن الانتهازية السياسية التي تقودها المصلحة هي التي تحرك هذه الجماعة، وأن ما تحاول ترويجه من أفكار ليس سوى أوهام، وهذا ما خلصت إليه في كتابي «السراب»، حيث كشفت تجربتها في الحكم في جمهورية مصر العربية عن تدني قدراتها وافتقارها إلى الكوادر والكفاءات، فضلاً عن ازدواجية الخطاب السياسي الذي ترفعه، ويبدو هذا واضحاً في التضارب الواسع بين المبادئ والتطبيق وبين المثالية الخطابية والانتهازية التنفيذية أيضاً، فالجماعة لم تتوان طوال تاريخها عن استغلال الظروف ومعطيات الواقع لتحقيق مآربها والسعي وراء أهدافها من دون أي قراءة حصيفة للمتغيرات المحيطة. وفيما يتعلق بمستقبل جماعة الإخوان المسلمين، فلا شك في أنها تعاني حالياً ضعفاً شديداً، من دون أن يعني ذلك انهيارها بشكل كامل أو غيابها عن المشهد السياسي، فهي تراقب الأوضاع والتطورات، وتراهن على فشل الحكومات في الاستجابة لمطالب الشعوب في الأمن والتنمية والاستقرار والتطور الاقتصادي، ولهذا أستطيع أن أقول: إن مستقبل جماعة الإخوان المسلمين وغيرها يتوقف على البيئة المحيطة، ومدى قدرة الحكومات على توفير ظروف أفضل للشعوب، وقطع الطريق على جماعة الإخوان المسلمين وغيرها التي تدخل من هذا الباب، كما فعلت في مصر من قبل.

* برأيك ما هو السبب الرئيسي لفشلهم؟

** أتصور أن تجربة الإخوان المسلمين في الحكم في بعض دول ما يسمى الربيع العربي (مصر وتونس) بالتحديد فشلت في تقديم نموذج واضح للتنمية يمكن من خلاله تحقيق النهضة، وتأكد للجميع أنها لا تمتلك أي رؤية أو مشروع في مختلف جوانب الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية، ولذا كان من الطبيعي أن تفشل تجربتهم في الحكم، بعدما تبين الوهم الذي نسجته حول نفسها بشأن قدرتها على معالجة المشكلات التنموية التي تعانيها هذه المجتمعات، كما أكدت هذه التجربة بصورة لا تدعو إلى أي لبس، أن هذه الحركات أبعد ما تكون عن الديمقراطية، حيث عملت على تهميش معارضيها وإقصائهم من الحياة السياسية، كما ضربت عرض الحائط بمفاهيم أساسية مثل المواطنة والمساواة والمشاركة في إدارة شؤون الدولة وتحمل مسؤولياتها، وبات واضحاً كيف تخلت هذه الحركات عن الشعارات التي كانت ترفعها قبل الوصول إلى السلطة من قبيل (مشاركة لا مغالبة - الإيمان بحقوق المرأة، بل تحولت هذه الشعارات إلى وهم، ما يعني معه انحسار التأييد لهذه الحركات فكرياً وأيديولوجياً وتنظيمياً.

ولهذا أتوقع بأنه لا مستقبل للجماعات الدينية السياسية في المنطقة والعالم، وهذا ما أكده مقياس ما يعرف بـ «الباروميتر العربي» الذي أشار إلى تراجع شعبية جماعة الإخوان المسلمين في 11 دولة عربية، من 80% إلى 20% خلال الأعوام الثلاثة الماضية، ما يعني في دلالته أن هذه الجماعات في انحسار وأفول، حتى إن كانت تسعى إلى إثبات أنها لا تزال موجودة وقادرة على العودة مرة أخرى كطرف فاعل ومؤثر في المشهد السياسي في المنطقة، طبعاً هذا التنبؤ لا يتجاوز 2040 - 2050.

* ما التحولات الاستراتيجية التي ترون إنها ترتبط بـ «عاصفة الحزم»؟ وكيف تتوقعون أن يكون تأثيرها في مستقبل المنطقة؟

** لا شك في أن عملية «عاصفة الحزم» جاءت في توقيت دقيق وبالغ الأهمية تشهد فيه المنطقة والعالم تحولات استراتيجية مهمة، تلقي بظلالها على دول المنطقة، وفي القلب منها دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، كانت تتطلب المبادرة والفعل والحسم، ولهذا أعتقد أن عاصفة الحزم التي يقودها التحالف العربي الذي تشارك فيه دول خليجية وعربية في اليمن، جاءت في موعدها تماماً، لأن ترك اليمن في أيدي الحوثيين وإيران، كان سيضع المنطقة أمام تحديات ومهددات خطيرة ستعانيها لسنوات. الأمر المهم الآخر أن عاصفة الحزم خلقت واقعاً استراتيجياً جديداً في المنطقة، وأكدت قوة مجلس التعاون لدول الخليج العربية، كمنظمة إقليمية قادرة على الفعل والمبادرة والتحرك الجاد والاستباقي، متى أدركت أن هناك ما يهدد أمن دولها وشعوبها، وهذا هو الدرس المهم الذي ينبغي أن نعيه جميعاً، فالتعاون بين الدول الخليجية والعربية هو صمام الأمان لها جميعاً في ظل البيئة الإقليمية والدولية التي تحمل في طياتها تهديدات وأخطار تستهدف الجميع.

* ما توقعاتكم بشأن التأثيرات المحتملة لإنجاز اتفاق بين إيران والقوى الدولية حول برنامج إيران النووي؟

** الحديث عن تأثيرات محتملة للاتفاق النووي بين إيراني ومجموعة (5+1) أمر لا يمكن تجاهله، وخاصة أن ممارسات إيران السابقة تتسم بالمناورة والخداع، وكثيراً ما تتنصل من التزاماتها الدولية، لهذا من المهم والضروري أن يشتمل أي اتفاق مستقبلي على الضمانات الكافية التي تمنع إيران من تطوير برنامجها النووي، بصورة تهدد معها أمن دول المنطقة واستقرارها، لأن التساهل في أي اتفاق نووي قد تترتب عليه تداعيات خطيرة ليس فقط على الأمن والاستقرار الإقليمي، وإنما أيضاً على السلم الدولي.

الأمر الآخر الذي أود الإشارة إليه، أننا نشهد تطورات دولية دقيقة، تنطلق من المصالح والمواءمات، فالولايات المتحدة الأميركية والقوى الكبرى تبحث عن مصالحها الاستراتيجية، حتى لو كانت مع إيران وعلى حساب المصالح الخليجية والعربية، ولهذا أعتقد أنه سيكون من الخطأ الرهان على الولايات المتحدة الأميركية بشكل أساسي في المديين المتوسط والبعيد في ضمان أمن المنطقة واستقرارها، وأتصور أنه من مصلحة دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية في هذه المرحلة البحث عن شراكات جديدة مع القوى الكبرى الصاعدة كالصين وروسيا واليابان، لتحقيق نوع من التوازن الاستراتيجي في العلاقة مع الولايات المتحدة الأميركية.
ولعل الأثر الإيجابي الذي أحدثته عاصفة الحزم في تأكيد قوة دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، هي الرسالة الواضحة التي بعثت بها، سواء للقوى الدولية أو إيران بأن مصالح القوى الدولية في الخليج العربي كبيرة ووضع مصلحة إيران فوق تلك المصالح خطأ استراتيجي فادح.

* على ضوء ذلك، هل يمكن القول: إن طبيعة العلاقات بين الولايات المتحدة الأميركية والخليج ستشهد تغيراً ملموساً أم أن ما هو واضح من الخلافات بين الجانبين أمر طارئ سوف ينتهي قريباً؟

** لا أتفق مع وجهات نظر كثيرين بأن العلاقات الأميركية- الخليجية ستتراجع في الفترة المقبلة، بالنظر إلى تراجع قائمة الأولويات الأميركية في المنطقة، لحساب مناطق أخرى في آسيا والعالم، فدول الخليج العربي ستظل تحظى بأهمية كبيرة في الاستراتيجية الأميركية لسنوات قادمة، وليس أدل على ذلك من أن الدعوة إلى القمة الخليجية - الأميركية في كامب ديفيد التي عقدت في الرابع عشر من شهر مايو الجاري جاءت من الرئيس باراك أوباما. وهذا يؤكد أن منطقة الخليج ستظل تحافظ على أهميتها الاستراتيجية والاقتصادية بالنسبة إلى الولايات المتحدة تدرك مدى فاعلية مجلس التعاون لدول الخليج العربية، باعتباره أهم المنظمات الإقليمية الفاعلة في منطقة الشرق الأوسط، بالنظر لما يقوم به من أدوار بناءة إزاء كثير من قضايا المنطقة، ولما يتخذه من مواقف ومبادرات تعزز الأمن والسلم الإقليمي والدولي، ولذا تحرص الولايات المتحدة الأميركية باستمرار على التنسيق والتعاون معه في تعاملها مع ملفات المنطقة وقضاياها المختلفة.

* الأطماع الإقليمية في المنطقة في تزايد.. فهل ترون أن بوادر التحالف العربي وإرهاصاته القائمة حالياً يمكن أن تسهم في مواجهة هذه الأطماع وردع القوى الإقليمية التي تريد فرض مصالحها على حساب العالم العربي ودول الخليج؟ وكيف ترون مستقبل القوة العربية المشتركة؟

** بلا شك، فإن أي تكتل عربي أو تجمع خليجي منظم ومشترك، سياسياً كان أو عسكرياً أو اقتصادياً، من شأنه أن يوفر لهذا التكتل فرص تعزيز الموقف السياسي وثباته والازدهار الاقتصادي والحماية الأمنية لدوله، وهو كما لمسناه جميعاً عند انطلاق عملية «عاصفة الحزم»، بناء على طلب رسمي من الحكومة الشرعية في اليمن لمواجهة الإرهاب فيه، حفاظاً على أمنه ووحدته، بالرغم من أن اليمن ليس عضواً في دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، ولكن لكونه بلداً عربياً يتهدد شعبه من جهة، لموقعه الاستراتيجي في شبه الجزيرة العربية والممرات الدولية في خليج عدن والبحر الأحمر من جهة ثانية.. بل يمكنني القول: إن عاصفة الحزم قد أيقظت اتفاقية الدفاع العربي المشترك من سباتها، عندما شرع عدد من الدول العربية في مناقشة إمكانية إحياء اتفاقية معاهدة الدفاع العربي المشترك والتعاون الاقتصادي الموقعة عام 1950 في إطار جامعة الدول العربية، ونصّت في بندها الخامس: «يعتبر أي عدوان على أي دولة موقعة على البروتوكول عدواناً على باقي الدول وأي مساس بدولة من الدول الموقعة على البروتوكول مساساً صريحاً بباقي الدول الموقعة على البروتوكول»، واللافت للانتباه، أن توقيع اتفاقية معاهدة الدفاع العربي المشترك، جاء بعد أقل من سنة على إنشاء منظمة حلف شمال الأطلسي «الناتو» الذي تشكل في أبريل 1949، فأنظر إلى الدور الذي لعبه الأخير، ولا يزال، في التوازنات والمعادلات الإقليمية والدولية، مقارنة بالواقع العربي والإقليمي الناشئ عن السبات والفراغ الناجمين عن عدم تفعيل اتفاقية الدفاع العربي المشترك. ولكني متفائل بأن عملية «عاصفة الحزم»، وما تبعها من تحركات ومواقف خليجية عربية قادرة على تحقيق نوع من التوازن الاستراتيجي وإعادة الاعتبار إلى فاعلية الدور العربي في قضايا المنطقة.

* سبق لكم في حديث مضى، منذ سنوات، أن حذرتم من سقوط بعض الأنظمة.. هل ترون أن ثمة أخطاراً تهدد دولاً بعينها الآن؟

** الأخطار لا تزال موجودة، وهي داخلية وخارجية، كما أن هناك قوى إقليمية متربصة بدول عربية وتحارب العمل العربي المشترك، وبالتالي يجب أن يكون التحرك أو الفعل العربي يناسب طبيعة وحجم هذه الأخطار، وأعتقد بعض الدول العربية ستشهد تغيرات كبيرة، كما لاحظنا هذا الأمر جلياً في مناطق عدة، ففي العراق تخوض الحكومة العراقية حرباً شرسة مع تنظيم «داعش»، الذي نجح مؤخراً في إعادة تنظيم صفوفه، والسيطرة على بعض المناطق الاستراتيجية. فضلاً عن استمرار الأزمات المتفجرة والمشتعلة في أكثر من دولة عربية في سوريا واليمن وليبيا، وهي أزمات لا شك تطال تداعياتها دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، بل وتجعل منطقة الشرق الأوسط بوجه عام في حالة دائمة من الاضطراب وعدم الاستقرار مقارنة بغيرها من مناطق العالم الأخرى. ولعلّ التحدي الأكثر خطورة إضافة إلى ما سبق، يتمثل في البيئات الخصبة التي أنشأتها الجماعات الدينية السياسية لإيواء خلايا الإرهاب والتطرف والعنف وتكاثرها وتمددها فيما بعد لتصبح عابرة للحدود، كما يحدث في الصومال و«بوكو حرام» في نيجيريا ومالي وتشاد، وأعتقد أن هذه ليست بحاجة إلى أدلة وشواهد، فالعمليات الإرهابية اليوم، باتت تأخذ الحصة الأكبر والمساحة الأوفر عند تغطيتها الإخبارية في القنوات الفضائية ووسائل الإعلام الأخرى في جميع أنحاء العالم.

* هل هناك تأثيرات طويلة المدى انخفاض أسعار النفط في الوقت الحالي على دول الخليج؟

** طبعاً، أعتقد أن انخفاض أسعار النفط يؤثر تأثيراً مباشراً في المشاريع التنموية في دول الخليج، فالنفط يلعب دوراً كبيراً في ميزانيات دول الخليج، وذلك يؤثر أيضاً في كثير من المشاريع التنموية، وبالتالي يجب الانتباه إلى أن سعر النفط اليوم انخفض تقريباً إلى النصف، وفي السابق كان ينخفض إلى مستوى بين 20% أو 30%، أما اليوم فانخفاض الأسعار وصل إلى النصف، وهذا أمر ستكون له تداعياته السلبية على العديد من الاقتصادات الخليجية والعربية؛ لأن الكثير من الميزانيات تعتمد بشكل مباشر على النفط، فإذا كانت ميزانية الدولة «أي دولة» تعتمد على 90% من النفط، فإن ذلك يعني رقماً كبيراً جداً، فالنفط سلعة، والسلعة يمكن أن تنخفض و ترتفع وفقاً لمبادئ العرض والطلب، وعليه يجب أن تأخذ كل دولة هذه الأمور بعين الاعتبار، وأن تتبنى سياساتها الاقتصادية بناء على التغيرات المحتملة في أسواق النفط العالمية.

الإعلام المحلي
* سبق وأن وجهتم سهام النقد إلى الإعلام المحلي، ورأيتم أنه لا يعالج القضايا المحلية بالدرجة المأمولة .. هل لا تزالون عند هذه الرؤية؟
** بداية لا بد من الإقرار بأن الواقع الاتصالي والإعلامي في الدولة، يعد من أفضل البيئات الاتصالية في المنطقة، فضلا عن المشاركة الفاعلة في المراقبة والمتابعة والنقد البناء في عمليات التنمية المستدامة وإذا كان لي من نقد بسيط لوسائل الإعلام، فإني أقول إنها ما زالت لم تحقق الطموح في التعبئة لدحض الأفكار المتطرفة وتفنيدها بالوسائل العلمية والفكرية الموضوعية، كما أن بعضها لا تسلط الضوء على بعض القضايا المهمة في أحيان كثيرة، وما أقصده هنا، أن الإعلام المحلي ينبغي أن يكون على تماس مباشر مع حاجات المجتمع وأولوياته والتعبير عنها بشكل سليم.

مسيرة التوطين
* كيف تقيّمون مسيرة التوطين في دولة الإمارات العربية المتحدة؟ وهل لديكم تصور عن آلية للنهوض به كماً ونوعاً بحيث يشمل قطاعات خدمية ومهنية لا يزال المواطنون يعزفون عنها؟
** أرى اليوم أننا ما زلنا في طور إنضاج الإجراءات التنظيمية للتوطين، ومع هذا، فأنا أرى منحنيات التوطين في تقدم وتصاعد، ونحن متفائلون بالخطط التي وضعتها الجهات المعنية بالتوطين وهناك مشكلة واحدة يجب أن نتنبه لها من قبل الأجهزة المختلفة، وهي أن مواطني الدولة عددهم ليس كبيراً، وبالتالي فإن قضية التوطين محدودة، وبحسب الإحصائيات الأخيرة أشارت إلى أن عدد المواطنين تقريباً 10% من إجمالي السكان، والمواطن اليوم مطلوب منه أن يكون في القوات المسلحة، كما ينبغي وجوده في الشرطة والبلدية والقطاع العام والقطاع الخاص وجميع القطاعات الحيوية. والحقيقة لا يوجد هذا العدد لملء هذه القطاعات المختلفة، وذلك يرجعنا للقضية الأساسية وهي قضية التركيبة السكانية التي يجب أن تدرس وتكون محل بحث للخروج بنتائج تساعد المجتمع.

المرأة الإماراتية
* وصلت المرأة الإماراتية اليوم إلى مرحلة المشاركة في الحرب ضد الإرهاب ضمن التحالف الدولي.. كيف تنظر إلى المكانة التي وصلت إليها المرأة الإماراتية؟ وما الدور المأمول منها في الفترة المقبلة؟

** المرأة الإماراتية وصلت لمكانة رفيعة المستوى ليس فقط في الإمارات وإنما على مستوى العالم، وكل ذلك بفضل الجهود الحثيثة لسمو الشيخة فاطمة بنت مبارك رئيسة الاتحاد النسائي العام الرئيس الأعلى لمؤسسة التنمية الأسرية رئيسة المجلس الأعلى للأمومة والطفولة، «أم الإمارات»، التي دفعت بالمرأة الإماراتية إلى الصعد كافة. لقد تم تحرير المرأة في بريطانيا منذ أكثر من 100 عام إلا أن المرأة الإماراتية تفوقت عليها، وبالعزيمة والإرادة التي تمتلكها (أم الإمارات) مكنت المرأة من التحرر، ومهمتها كانت صعبة للغاية لأنها أنتجت هذا النموذج المشرف من المرأة الإماراتية في مجتمع قبلي لا يعتمد على مشاركة المرأة إلا في حدود ضيقة، ولكن كما تشاهدون فإن المرأة الإماراتية وصلت لكل ما وصل إليه الرجل، وقريباً ستكون الإماراتية رائدة فضاء.

مسبار الأمل
* «مسبار الأمل» الذي أطلقته الدولة لاكتشاف المريخ، يمثل حدثاً تاريخياً على المستوى العربي، كيف ترون مستقبل الدولة في ظل دخول عصر الفضاء؟ وكيف يمكن أن يخدم الوطن العربي مستقبلاً؟

** إذا كنا نتحدث عن الابتكار فسنجده في المسبار، إن ما قام به سيدي صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي «رعاه الله» هو بداية لدخول الإمارات في عصر الفضاء، واليوم نحن نضع أنفسنا في مصاف الدول المتقدمة التي رحلت إلى الفضاء لتحقيق الرفاهية للشعب وتحقيق المكاسب العلمية الجديدة للدولة، كما أن ذلك وحده كفيل لرفع راية الإمارات التي تميزت في المجالات كافة، ويجعل الإمارات في المرحلة المقبلة تخدم العالم والبشرية في التطوير والابتكار والإبداع. والخطوة التي اتخذتها القيادة الإماراتية للبحث في الفضاء تمثل إنجازاً ليس إماراتياً فقط، وإنما إنجازاً عربياً وإقليمياً للمنطقة.

الانتخابات
* أعلنت اللجنة العليا للانتخابات تطبيق نظام الصوت الواحد في انتخابات المجلس الوطني الاتحادي 2015، كيف تقيم هذه الخطوة؟ وما آثارها في تشكيلة المجلس المقبلة؟ وهل لديك أية تصورات ترتبط بتمكين المجلس وفقاً لرؤية القيادة بهذا الصدد؟

** بداية أود أن أؤكد أن تجربة المجلس الوطني الاتحادي وما شهدته من تطور خلال السنوات الماضية، تعبر عن فلسفة التطور السياسي في دولة الإمارات العربية المتحدة وهي فلسفة تنطلق من الإيمان بأن التطور عملية مستمرة لا تتوقف، لكن يجب أن تتم وفق رؤية واضحة لأهدافها وخطواتها بحيث تأتي كل خطوة في وقتها دون تقديم أو تأخير، ويقع كل تحرك في مكانه الصحيح، ومن ثم يتحقق الهدف المرجو منها وتظل دولة الإمارات واحة للاستقرار والأمن والتنمية والتوافق الوطني.

ولهذا فإن تطبيق نظام الصوت الواحد في انتخابات المجلس الوطني الاتحادي 2015، يأتي في سياق التطور الطبيعي لتجربة المجلس الوطني الاتحادي، ويجسد إيمان القيادة الرشيدة في دولة الإمارات العربية المتحدة بضرورة مشاركة أبناء الوطن جميعاً في هذه الانتخابات، وتعزيز المشاركة السياسية، وتفعيل دور المجلس الوطني الاتحادي، وتمكينه ليكون سلطة مساندة ومرشدة وداعمة للمؤسسة التنفيذية.

اقرأ أيضا

إنجازات محمد بن زايد.. مصدر إلهام المنطقة والعالم