الاتحاد

عربي ودولي

حزب أردوغان يحرك مجلس التأديب لعزل المعارضين

رجب طيب أردوغان

رجب طيب أردوغان

لندن، أنقرة (الاتحاد، وكالات)

تحرك حزب «العدالة والتنمية» الحاكم في تركيا باتجاه فصل المعارضين لسياساته الإدارية والحكومية وفي مقدمهم رئيس الوزراء السابق أحمد داود أوغلو وثلاثة مشرّعين آخرين وسط توقع مصادقة ما يعرف باسم مجلس التأديب على هذا الإجراء خلال الأيام القليلة المقبلة، إضافة إلى إحالة الرئيسين السابقين لفرعي الحزب في أنقرة وإسطنبول إلى اللجنة التأديبية مع طلب الفصل النهائي.
وكان أوغلو قد اختلف مع الرئيس رجب طيب أردوغان في عام 2016، وحل محله فيما بعد بن علي يلدريم رئيساً للوزراء. وانتقد أوغلو سياسات حزب «العدالة والتنمية» وإدارة الحكومة للاقتصاد كما انتقد أردوغان نفسه. وقال مسؤول طلب عدم الكشف عن اسمه «إن اللجنة التنفيذية المركزية للحزب طلبت بالإجماع في اجتماع الاثنين استمر نحو 5 ساعات فصل أربعة من الحزب بينهم أوغلو، وسلجوق أوزداغ وأيهان سفر أوستون وعبدالله باشجي»، وسط توقع أن يصدق مجلس التأديب بالحزب على ذلك خلال أيام.
وجاءت الخطوة وسط تقارير متزايدة بأن منشقين عن حزب «العدالة والتنمية» يسعون لتشكيل حزب منافس في أعقاب هزيمة قاسية تعرض لها الحزب في الانتخابات المحلية في إسطنبول في يونيو الماضي. وانتقد أوغلو بشدّة القرار الذي صدر في 19 أغسطس وقضى بإقالة رؤساء بلديات ثلاث مدن في شرق البلاد هي ديار بكر وماردين ووان وجميعهم أعضاء في حزب الشعب الديموقراطي المؤيّد للأكراد وذلك بتهمة ارتباطهم بناشطين أكراد. واستقال علي باباجان نائب رئيس الوزراء السابق من الحزب الحاكم في يوليو بسبب خلافات عميقة ولمح إلى تشكيل حزب جديد قالت مصادر إنه والرئيس السابق عبدالله جول يعتزمان تدشينه في الخريف المقبل. ومن جهته، هدد وزير الداخلية التركي سليمان صويلو أمس بـ«تدمير» رئيس بلدية إسطنبول إكرام إمام أوغلو بسبب دعمه لرؤساء البلديات الثلاث المقالين بدعوى مزاعم عن صلاتهم بمتمردي حزب العمال الكردستاني. وزعم متحدثاً في إقليم بورصة شمال شرق البلاد أن عزل رؤساء البلديات الثلاثة الذين انتخبوا في أواخر مارس تم في إطار القانون. وقال عن إمام أوغلو «جاهل. اعرف مكانك واعرف حدودك»، وأضاف «هذا البلد يتعامل مع ذلك التنظيم الإرهابي منذ 40 عاماً... إذا تدخلت في شؤون خارج اختصاصات عملك سندمرك».
إلى ذلك، أكد معهد «جيتستون» الأميركي للأبحاث والدراسات أن نظام أردوغان انتقل الآن إلى مرحلة أكثر ديكتاتورية، بات يستخف فيها علناً بالقواعد الديمقراطية التي كان يحرص في السابق على مراعاتها ولو من الوجهة الشكلية، وذلك بعد أن عصف برؤساء البلديات المنتخبين الثلاثة. وقال إنه «على الرغم من أنه لا أحد في العالم زعم قط بأن أردوغان سياسي ليبرالي ديمقراطي لم يحاول في السابق التلاعب في نتائج الانتخابات، فإنه كان في الماضي يحترم على الأقل صناديق الاقتراع وما تخلص إليه من نتائج». لكن الأمر الآن اختلف إذ صار أردوغان يهزأ بالقليل المتبقي من الثقافة الديمقراطية، التي ظلت قائمة في تركيا منذ تأسيسها كجمهورية في عشرينيات القرن الماضي، منذ توليه رئاسة الوزراء ثم رئاسة الجمهورية.
وشدد التقرير على أن أردوغان لم يعد يعبأ كثيراً على ما يبدو بالتقيد بالقواعد طالما يستطيع تحقيق أهدافه المتمثلة في البقاء في السلطة. وأشار إلى أنه دفع وزارة الداخلية عام 2016 إلى اختيار رؤساء بلديات آخرين لكي يحلوا محل 28 عُمدة منتخباً، كان الكثير منهم يشغلون مناصبهم في المحافظات ذات الغالبية الكردية شرقي وجنوب شرقي البلاد. وكانت الذريعة في ذلك الوقت، أن رؤساء البلديات المعزولين قدموا الدعم لـ«العمال الكردستاني» المصنف كمنظمة إرهابية.

وأشار التقرير إلى أن أردوغان لم يتورع كذلك خلال الحملات الدعائية السابقة للانتخابات البلدية الأخيرة، عن تهديد الناخبين الأكراد بالقول إنه إذا فاز المتورطون في الإرهاب في صناديق الاقتراع، فسنختار أشخاصاً مؤتمنين من جانبنا من دون إبطاء لكي يحلوا محلهم. وأوضح أن هذا التهديد جاء في وقت كانت فيه الحكومة المركزية في أنقرة، تبسط سيطرتها بالفعل على 94 بلدية من أصل 102 في المدن والبلدات ذات الغالبية الكردية، وذلك بعدما عزلت واعتقلت وسجنت رؤساء هذه البلديات، ممن انتخبوا لمناصبهم في انتخابات عام 2014. وقد حاول نظام أردوغان تكرار ذلك بشكل ما في ربيع العام الجاري، عندما مارس ضغوطاً مكثفة لإعادة الانتخابات البلدية في إسطنبول، بعد أن فاز إكرام أوغلو، على حساب مرشح «العدالة والتنمية» يلدريم. غير أن إعادة الانتخابات في يونيو لم تفض سوى لتأكيد انتصار أوغلو على منافسه، بفارق هائل فاق 800 ألف صوت، بعدما كان الفارق لا يتجاوز 13 ألف صوت في الاقتراع الأصلي.
وأشار إلى أن ادعاء الرئيس التركي بأن انتخابات إسطنبول التي خسرها حزبه كانت مشوبة بالمخالفات، لم يبد مقنعاً لأحد في العالم، وهو ما أكدته الصفعة الموجعة التي تمثلت في نتائج الاقتراع المُعاد، رغم كل محاولات الحشد التي قام بها أردوغان.
وقال التقرير إن الانتصار الساحق الذي حققته المعارضة في اقتراع يونيو، جعل من العسير تكرار الادعاء بأن النتائج مزورة أو تم التلاعب بها، مشيراً إلى أن أردوغان اكتفى بالشعور بالراحة بأنه لن يضطر لمواجهة أي اقتراع آخر حتى عام 2023، عندما تشهد البلاد انتخابات رئاسية وبرلمانية، وقرر في الوقت نفسه الإقدام على إقصاء رؤساء بلديات المدن الثلاث بدعوى وجود صلة لهم بإرهابيين. ولكن التقرير أكد أنه يجدر بالرئيس التركي أن يتأمل لبرهة الوضع الراهن ويوجه لنفسه بعض الأسئلة الشائكة من قبيل: إذا كان لدى العُمد الأكراد تلك الصلات، فلِمَ وافقت الهيئة المسؤولة عن الانتخابات على ترشحهم من الأصل؟ ألا يشير عدم وجود أي أدلة تدينهم بأي جرائم متصلة بالإرهاب إلى أن عزلهم مثْلَّ اختطافاً لأصوات ملايين الأكراد؟
وتوقع التقرير أن تتكرر هذه الدراما مراراً؛ أي أن ينتخب الأكراد قادتهم، وأن يعزلهم أردوغان، ثم ينتخبهم الأكراد من جديد، ليقصيهم الرئيس التركي، وهكذا دواليك، قائلاً إن ذلك لابد أن يدعو الرئيس التركي إلى أن يعيد النظر في سياساته الحالية إزاء الأقلية الكردية. وشدد على أن الغضب العارم الذي يبديه أردوغان وحزبه الحاكم حيال الأكراد الذين يزيد عددهم على 20 مليون نسمة، لا يعكس سوى خوف متجذر بداخله إزاء تلك الأقلية، التي قوضت الحكومة في أنقرة قبل سنوات، عملية المصالحة التي كانت جارية معها. وقال إن استخدام أردوغان لصلاحياته الإدارية لإقصاء رؤساء البلديات المنتخبين في المناطق الكردية، لا يعني سوى إلغائه لملايين من أصوات الناخبين هناك، مُشدداً على أن ذلك لن يحول من دون أن يُعيد الأكراد الكرّة في الانتخابات المقبلة، والتصويت لصالح المرشحين أنفسهم، أو لمن يسيرون على دربهم. ونقل عن دبلوماسي أوروبي رفض الكشف عن اسمه اتهامه لأردوغان بـ«سرقة الديمقراطية التركية» وتوجيهها لصالحه، وذلك عبر قوله متهكماً: «بوسع المرء في بعض الأحيان أن يجد أفضل المحققين بين صفوف أكثر اللصوص مهارة».

اقرأ أيضا

قتلى وجرحى في تحطم حافلة سياحية في أميركا