الاتحاد

ثقافة

زمن التحوّل من السؤال عن «الشيء».. معلومات بلا ذات!

زمن التحوّل من السؤال عن «الشيء».. معلومات بلا ذات!

زمن التحوّل من السؤال عن «الشيء».. معلومات بلا ذات!

د. فتحي المسكيني

«ماذا» نعرف عندما ندّعي أنّنا نملك «معرفة» ما؟ وهل أنّ تاريخ الحقيقة المبحوث عنها يُكتَب بنفس الطريقة في عصرين مختلفين؟ كل المجتمعات كانت تدّعي أنّها تتوفّر على معرفة ما بعالمها، كانت تظنّ أنّها تدرك ما حولها، وأنّ معرفتها بنفسها كافية كي تشكّل «سلطة» معنويّة تحكم بها على «الأشياء» حكماً يبلغ إلى «الحقيقة» التي «تطابقها»، لكنّ الفلاسفة يؤكّدون أنّ المعرفة مشكل لا يُطرَح بنفس الطريقة في ثقافتين مختلفتين. إنّ ماهية المعرفة لم تستقرّ بعد.
كان اليونان يدّعون معرفة «الموجود» الذي يؤلّف جملة العالم. كان الموجود «شيئاً» يمكننا أن نعرّف «ماهيته» لأنّه هو هو في كل مرة نقْدم فيها على معرفته. «ما الشيء؟» كان سؤالاً مركزّياً يفضي إلى تحديد ماهية الموجود بوصفه شيئاً مطابقاً لنفسه، ولذلك كان الجهاز الأساسي للخطاب حول الشيء المعروف هو مبدأ «الهوية»: ما لا هويّة له لا يمكن أن نعرفه. ولأنّ الشيء لا يوجد إلاّ في المفرد ومن ثمّ يمكن أن يكون متغيّراً، فإنّ العارف لا بدّ له ألاّ يدّعي معرفة أيّ شيء إلاّ إذا كان ينطوي على ماهية ثابتة، أي على هوية لا تتبدّل من حالة إلى أخرى، بل تتّخذ «صورة» كلّية. ولذلك كان الرهان الحاسم للفلاسفة القدماء من أفلاطون إلى ابن رشد: كيف نبرهن على معرفة كلّية بماهية الموجودات؟ لم يكن «العارف» مهمّا إلاّ بقدر ما يتماهى مع ماهية الشيء المعروف بوصفه موجوداً. ولذلك كانت «الحقيقة» حسب القدماء هي «تطابق» الحكم مع الشيء على نحو ينتج معرفة يقينية. وكانت معرفة غير مكترثة بتدوينها، لأنّها توجد في العقول وليس في الكتابة البشرية لها في لغة ما.

على الرغم من أنّ المحدثين من ديكارت إلى كانط قد غيّروا منوال التفلسف من براديغم الموجود الذي طبع الخطاب الفلسفي إلى أواخر الفلسفة العربية، وأدخلوا منوالاً جديداً هو براديغم الوعي أو الذات أو الأنا أفكّر أو أدرك، وبالتالي غيّروا من طريقة تأسيس صلاحية «المعرفة» العالمة، حيث جعلوا «الذات» وليس «الوجود» أساساً لها، - فإنّ تصوّرهم للحقيقة لم يتغيّر. لقد ظلّ كانط يعتقد أنّ «الحقيقة تعني تطابق مفهوماتنا مع موضوعها، ما دامت المفاهيم لا توفّر لنا إلاّ ظاهراً بحتاً ولكن لا مردّ له». صحيح أنّ المحدثين قد جعلوا الذات هي أساس المعرفة: أنّ البشر لا يمكنهم أن يعرفوا ماهية الموجودات، كما ادّعى القدماء، بل إنّ قصاراهم هو أن يعرفوا «الأشياء» التي نجحوا في إعادة بنائها في شكل «موضوعات» قابلة للمعرفة بوساطة مقولات العقل البشري بمجرّده. هذا يعني أنّ البشر لا يمكنهم بموجب طبيعة عقولهم أن يعرفوا إلاّ ما هو قابل للمعرفة في حدود عقولهم، وليس بالاعتماد على أيّ نوع من «الحدس» المفارق لعالمهم. وهكذا أطلق كانط على هذا النوع من الطرح اسم «المعرفة الترنسندنتالية»، أي المعرفة التي تتعالى على التجربة ولكن بوساطة مقولات العقل البشري وفي حدود هذا العقل معرَّفا هنا بوصفه «ذاتاً» قبليّة. قال كانط: «نحن لا نعرف من الأشياء بشكل قبلي إلاّ ما نضعه فيها نحن أنفسنا». وبدلاً من أن ننتظر حدساً غريباً عنّا يأتي من خارج العالم، على الفيلسوف أن يكتفي برعاية رغبة العقل في «توسيع مداه» دون أيّ وصاية عليه. وعلى الفيلسوف المستنير أن «ينشر» المعرفة بوساطة «الطباعة» الحديثة التي حقّقت نقلة مثيرة من معرفة «الخاصة» إلى معرفة «الاستعمال العمومي للعقل» من طرف «مواطنين» ينشدون مجتمع المعرفة.
لكنّ هذا الرسم الرائع لمعنى «المعرفة» المؤسَّسة على جهاز «العقل/‏‏‏الذات» المشرّع للحقيقة التي يدافع عنها، لم يصمد طويلاً بعد كانط. ذلك أنّ القرن التاسع عشر قد أساء تأويل هذا الطرح «الحديث» للمعرفة واكتفى بتحويله مع أوغست كونت إلى «نزعة وضعانيّة» عزلت «المعروف» عن «الذات» التي تؤسّسه، واختزلته في «شيء» تجريبي يمكن حسابه والبرهنة عليه من خارج معناه الفلسفي. لأوّل مرة تمّ عزل العقل المعرفي وتحويله إلى آلة وضعيّة لإنتاج «معلومات» عن «وقائع» اختبارية وبناءً على صلاحية إيبستيمولوجية مصطنعة. وهي نزعة امتدّت من الرياضيات إلى السوسيولوجيا وأفرزت حتى «وضعانية منطقية» و«وضعانيّة حقوقية». كانت الوضعانية وريثاً سيّئاً لعصر التنوير تخلّت عن ريبيّته الرفيعة وعقله النقدي وأبقت على نموذجه الميكانيكي والجهاز الإيبستيمولوجي الذي وضعه نيوتن ولابلاس، وذلك يعني أنّها أبقت على المشكل الأساسي فيه، أي مشكل «المنهج». كان ادّعاء المعرفة الحديث كلّه مؤسّساً على إشكالية «المنهج» التي لا يمكن تصوّرها إلاّ في علاقة تأسيسية مع جهاز «العقل/‏‏‏الذات»، أكان ذلك بشكل فلسفي صريح، أم بشكل إيبستيمولوجي ضمني.

المعلومة الرقمية
ما وقع في النصف الثاني من القرن العشرين وبداية القرن الواحد والعشرين قد غيّر من طبيعة المعرفة تغييراً مرعباً. إنّ ثورة المعلومات والاتصالات بمختلف أجيالها قد طرحت مسألة المعرفة على نحو غير مسبوق: إذ تحوّلنا من السؤال عن «الشيء» (كما القدماء) أو عن «الموضوع» (كما المحدثين) إلى الفحص عن «المعلومة الرقمية» بوصفها كياناً افتراضيّاً، لا يحتاج إلى شرط المطابقة مع ماهية الموجود أو براديغم الوعي، بل إلى حاسوب متطوّر لمعالجة كمّية هائلة من المعطيات اللاّمادّية. - وإنّ أفضل مدخل لاستكناه هذا الطرح الجديد لمعنى المعرفة في المجتمعات ما بعد الصناعية هو البحث الطريف الذي أعدّه جان فرانسوا ليوتار سنة 1979 تحت عنوان «الوضع ما بعد الحديث. تقرير عن المعرفة»، وقد وضعه بوصفه «تقريراً عن المعرفة في المجتمعات الأكثر تطوّراً» بطلب من مجلس الجامعات لدى حكومة الكيبك.
إنّ مشكل المعرفة قد تغيّر لأنّ الحداثة قد غيّرت أفق الفهم التي قامت عليه. لم يعد يمكن للذات أن تدّعي تأسيس معرفة كلّية عن حقل موضوعات تسيطر على تصوّر الحقيقة الذي جعله ممكناً. يعني ذلك أنّ ربط الحداثة بمقولة «المعرفة العلمية» أو بمقولة «التقدّم العلمي» المنتج لخزّان من «المعرفة الموضوعية» حول الطبيعة، قد أصابه وهنٌ مربك. فجأة، أصبح «العلم» سردية كبرى من بين سرديات أخرى. وهذا بيت القصيد في تقرير ليوتار: إنّ الحداثة لا تفي بما وعدت به نفسها. ذلك أنّ عمليّة تحوّل المجتمع الحديث إلى «مجتمع معلومات» أو عمليّة «حوسبة المجتمع» منذ خمسينيات القرن العشرين، قد أدّى إلى ما سمّاه «أزمة السرديات الكبرى»، يعني تلك الخطابات التأسيسية التي تضفي «شرعية» على نوع من «المعرفة» وتحوّلها إلى «سلطة» مخوّلة لقول الحقيقة. وتعني الأزمة فقدان هذا النوع من الشرعية، فقدان «مصداقية» المعرفة التي ندّعيها حول موضوع ما. كانت سردية القدماء حول المعرفة تقوم على غاية أخلاقية سامية هي كما قال الفارابي «التنبيه على سبيل السعادة». وكانت سردية التنوير تنبع، حسب ليوتار، من «بطل المعرفة» الذي يعمل على تحقيق غاية أخلاقية - سياسية طيّبة هي «السلم الدائمة». أمّا في العصر ما بعد الحديث الذي دخلته الإنسانية، فإنّ المعرفة قد فقدت جهاز «الشرعنة» الذي كان يمكن أن يحوّلها إلى سلطة معرفية. لم يعد للمعرفة أو لإنتاج المعرفة غاية واضحة ولا بطل واضح ولا وظيفة واضحة، بل نحن نجد أنفسنا حسب تعبير ليوتار أمام «غيوم من العناصر اللغوية السردية ولكن أيضاً الدلالية والإلزامية والوصفية.. إلخ، كل عنصر يحمل معه قيماً تداولية فريدة من نوعها».
حسب ليوتار، نحن نمرّ من مجتمع «نيوتني» (يخضع لنسق معرفي أو بنيوي ثابت) يحكمه «عارف» موضوعي واحد إلى مجتمع «تداولي» (قائم على استعمال مفتوح لمعلومات أو جزيئات لغوية) تحت تصرّف عدد من «الخبراء» أو «المقرّرين». لقد صرنا نوجد في «مجال» مجتمعي يسمّيه ليوتار «المجتمعات المحوْسَبة» أو «المعولمة» (من المعلومة). وأهمّ سمة فيها هو تغيّر منزلة المعرفة بشكل مختلف عن التصوّر الحديث: إنّه الانتقال من معرفة تدور حول «الذات» إلى معرفة مؤسسة على بنية «اللغة». لم يعد الأمر يتعلق بمعرفة نابعة من «ملكات» العقل البشري، بل بنمط محصور من «الخطاب» الذي يملك صلاحيته الخاصة في نفسه. كلّ حقل «المعلومات» الجديد هو حقل لغوي بالدرجة الأولى، أكان متعلقاً بالعلامات اللسانية، أم بالرموز الجبرية والإعلامية، أم بمشاكل الترجمة القائمة على فرضية اللغة-المكنة والبرمجيات وبنوك المعلومات. لقد صار ثمّة تأثير مباشر للتحوّلات التكنولوجية للمعلومات على معنى المعرفة وبنيتها وطريقة استعمالها. ومن البحث التقليدي عن الحقيقة تمّ المرور إلى البحث عن المعلومات التي يمكن تبادلها. ومن ثم لا جدوى من معرفة لا يمكن ترجمتها في جهاز قابل للاستعمال من أجل إنتاج المعلومات وتبادلها. والنتيجة هي أنّ المعرفة قد فقدت معناها التقليدي، أكان يتعلق بإدراك ماهية الموجودات، أم بتمثيل الموضوعات الخارجية في وعينا، حيث لا يزال مبدأ الهوية مهيمناً. وصارت تدور حول ترجمة متعددة ومختلفة للمعلومات أو اختراعها أو تعلّمها. كانت المعرفة هوويّة مرتبطة بمهمّة أخلاقية تدور حول تربية العارف وتهذيب ملكاته، لكنّها صارت مبدأ اختلافيّاً يدور حول العلاقة المتحرّكة مع المزّودين بالمعلومات والمستعملين للمعارف. إنّها معرفة تفاضلية للبيع والتبادل. لم تعد المعرفة تملك غايتها في نفسها أو في «قيمتها الاستعمالية» وتحوّلت إلى سلعة.
وهكذا فإنّ الفرق بين المجتمعات لم يعد يتعلق بالقيم الأخلاقية أو بنمط التربية أو تجارب الفرد أو مستوى الذكاء، بل بمدى تطوّر شبكة المعلومات التي تؤمّن إنتاج واستهلاك المعرفة الرقمية. إنّ تعريف المعرفة الجديد هو أنّها «بضاعة معلوماتية» ضرورية لإنتاج القوة، ومن ثمّ هي رهان عالمي بين الدول لتملّك أكبر قدر من أشكال السلطة. كان النزاع سابقا حول إخضاع الأقاليم، ثمّ صار حول الموارد الطبيعية واليد العاملة الرخيصة، أمّا اليوم فقد صار يتعلق بالسيطرة على المعلومات. لقد باتت المجتمعات تدين بقوّتها أو استمراريتها إلى قدرتها على إنتاج المعلومات وتبادلها، وبالتالي على إنتاج تبادلات معلوماتية غنيّة بالمعارف ومن اليسير فكّ شيفرتها على أيّ مواطن. وهكذا صارت الدولة بمثابة شرطي يقف بين تدفّق المعلومات وتسويقها باسم نوع معيّن من شفافيّة الاتصالات.

انقلاب قانوني ومعياري
هذا التحوّل ينطوي على انقلاب قانوني ومعياري حول «من» يحقّ له تحديد طبيعة المعلومات أو «شرعنة» نمط الوصول إليها أو التكلّم باسمها. لم يعد المشكل هو عملية المعرفة من حيث هي إنتاج إدراكي حول الموضوعات المدروسة، بل علاقة المعلومات التي تفرزها بنمط السلطة أو جهاز الحقيقة الذي يتكلّم باسمها. كل سلطة عمومية سوف تُقاس صلاحيتها بمستوى المعلومات التي تمتلكها حول مجال معرفي ما. وكل تنافس مهما كان نوعه، اقتصادياً كان أو عسكرياً أو طبيّاً، سوف يُحسَم سلفا بنوع المعلومات التي يمكن تخزينها أو حمايتها أو التكتّم عليها في مواجهة خصم ما. بل إنّ عقل الفرد مثل جسده أو ذوقه أو عمله أو حياته الخاصة، سوف تصبح أموراً معلوماتيّة بالدرجة الأولى، تابعة لمجموعة من المؤسسات العمومية التي تنتجها وتستعملها من أجله أو ضدّه، حسب مستوى تطوّر عملية «حوسبة» المجتمع أو ترجمته المعلوماتية إلى فضاء للعيش الافتراضي أو التواصلي المشترك. وهكذا تتقلّص خصوصية «المعرفة العلمية» حول الآخر (الطبيعة، المجتمع،..) وتعوّضها معرفة «سردية» ذات قوة تداولية جبّارة. وهو ما يترجم عن نفسه في ظهور شكّ منتظم لدى العلماء من الوضع الراهن للعلوم التي صارت تسبح في فضاء مفتوح من السرديات التي تخفي كل منها سياسة شرعنة تحوّل قانوناً معرفياً ما إلى معيار مهيمن للحقيقة، هو الذي يحتكر القرار حول ما يجب اعتباره «حقيقيّاً» أو «غير حقيقي». وفجأة صارت قضية المعرفة قضية راجعة بالنظر إلى سياسة الدولة التي تبسط سلطتها بقدر حوسبة المجتمع.
وهذا الوضع المخيف هو الذي دفع الفيلسوف الأميركي بول كارل فياراباند، في كتابه الشهير «ضدّ المنهج»، إلى الدعوة إلى ضرورة استكمال الفصل العلماني بين الدولة والدين بالفصل المنهجي بين الدولة والعلم، ذلك أنّ العلم ينطوي على قدر من الأساطير، فهو من صنع البشر، وليس بالضرورة هو الشكل الأفضل من الحقيقة. إنّ تحرير المعرفة من التصوّر المعلوماتي للحقيقة، هذا الزخم المرعب من الإنتاج لأرقام بلا ذات - قد يكون شرط الارتقاء إلى رتبة الإنسانية التي هي في مستطاع البشر.

اقرأ أيضا

أمسية في بيت الشعر بالفجيرة.. «الوطن في عيون الشعراء»