الاتحاد

ثقافة

روضة البلوشي: جديدي القصصي ما زال يتجول في متاهات رأسي

غلاف مجموعتها القصصية الأولى

غلاف مجموعتها القصصية الأولى

بعد صدور مجموعتها القصصية الأولى ''باص القيامة''، تعِد القاصة الإماراتية روضة البلوشي حالياً لمشروع كتاب جديد، لم تسمه أو تحدد جنسه الأدبي، وقالت عنه: ''أنا منصرفة حالياً لكتابة شيء ما يصعب تصنيفه الآن، قد يكون مشروع رواية أو ربما ملحمة، ولست مستعجلة على الانتهاء منه، قد أتركه مفتوحاً بلا نهاية أو بلا مصير محدد وقد أغض الطرف عنه إلى الأبد''·
وكان كتابها ''باص القيامة'' قد صدر في أبريل من العام الماضي ضمن ''مشروع قلم'' التابع لهيئة أبوظبي للثقافة والتراث، وقدمت البلوشي في مجموعتها ''باص القيامة'' مناخات لافتة في الأسلوب الكتابي والموضوع القصصي·
وبدأت روضة البلوشي نشر نتاجها الإبداعي منذ العام 2003 في الصحف عبر صحيفتي الاتحاد والخليج وكذلك على شبكة الإنترنت من خلال عدة مواقع أدبية وما زالت مستمرة في النشر، وترجمت أحد نصوصها وهو بعنوان ''كنا وحيدتين'' إلى اللغة الألمانية، كما ترجم لها نص آخر ''حكاية إبراهيم'' إلى اللغة الإنجليزية·
في حوار لـ''الاتحاد''، تقول روضة البلوشي رداً على سؤال عما إذا كانت قد أوصلت ''باص القيامة'' إلى حيث تريد؟ ''قد يكون الباص أوصل نفسه إلى ما يريد هو، أما أنا فما زلت بانتظار وسيلة نقل أخرى تقلّني إلى ما أريد على الرغم من أن هدفي ليس الوصول بحد ذاته، بل أن أحافظ على بقائي في دائرة من الحراك الفكري إلى ما لا نهاية، فالوصول معناه أنك حققت إنجازاً، وبالتأكيد ما حققته حتى الآن لا أعتبره من المنجزات التي تدفعني للذهاب إلى حيث أريد·· لا ليس بعد، إنها البداية وحسب''·
وفي الحوار الذي يتطرق إلى مجموعتها ''باص القيامة'' وإلى جديدها الكتابي وعدد من القضايا الثقافية الإبداعية المحلية، ترد على تساؤل عن السبب وراء وجود المرأة كظل في أغلب قصص ''باص القيامة''؟ وإن كانت تقصد ترجمة الواقع، أم ان لديها قصداً آخر؟ بأن الرجل ''لم يكن شمساً أو ضوءاً في المقابل؛ حسناً هل كنت أتعمد ترجمة الواقع في نصوص المجموعة؟ برأيي سؤال كهذا يُوجه للقارئ وليس لي، إذ هو وحده من عليه أن يمارس إدراكه على وتر النص ومقاصده، سواء شعر بواقعية النصوص أو بأسطوريتها، أما أنا فقد خرج الأمر من يدي تماماً منذ دخول المجموعة إلى المطبعة وخروجها على هيئة كتاب، فالقارئ وحده من له الحق في تحديد رؤيته للشخوص والأحداث في المجموعة واستيعاب عوالمها بما يتوافق مع قراءته الخاصة لها والتي تتعدد بتعدد الفهم، وتدخلي إن حدث سيكون شيئاً سافراً ولا يبرر سوى فشلي كقاصة على المتلقي إذ إنه يقول كلمته ويمضي''·
المشهد القصصي
عن تقييمها للمشهد القصصي الإماراتي، تقول: ''المشهد الحاضر على سبيل المثال يبدو لي ذا حضور باهت بعكس ما كان عليه الوضع في الجيل الذي سبقنا سواء من ناحية الكم أو الكيف، فما نعيشه اليوم يؤكد تدهور حال هذا المشهد بشكل يرثى له، ثمة أزمة قائمة بين المبدع المحلي والقارئ المحلي على وجه الخصوص والذي يعاني غالباً من غياب سلطة الوعي لكل ما يتلقاه ولا ذنب لكليهما فيما وصلا إليه في ظل أمية ثقافية جامعة يعاني منها الوطن العربي بأسره وإن بدرجات متفاوتة، وفيما يخص القصة القصيرة وكذلك الرواية في الإمارات، فيبدو أن كلاهما يعاني من الضمور في ظل ندرة أعداد كتاب القصة والروائيين الذين لا يكتبون لمجرد الكتابة والنشر وإنما لأن لديهم هاجساً يحرضهم على تقديم أعمال أقرب إلى الكمال، لا إلى الركاكة والابتذال''·
وتجيب عن سؤالنا عن استفادتهم كجيل من القصاصين الشباب، من تجربة القصاصين الأوائل في الإمارات؟ ''لا أستطيع أن أتحدث بلسان زملائي من كتاب القصة القصيرة والذين بدورهم يعدون على الأصابع، لهذا سوف أُجيب عن نفسي، لم يحدث أن قمت بفصل التجارب القصصية في الإمارات عن التجارب خارج محيطها، ولا أعتقد أن أمراً كهذا يعتبر صحيحاً، على الأقل بالنسبة لي، اطلعت على ما يكفي من تجارب قصصية عن الإنسان في أي محيط كان وعلى أي هيئة أو لون أو معتقد، فالنص الذي يخرج على يد قاص من جنوب أفريقيا أو من كولومبيا يسحرني ويلامس روحي ويتآلف مع إنسانيتي بشكلٍ أخّاذ قد لا أشعر به وأنا أقرأ نصاً في سياق البيئة المحلية، وهذا يؤكد أن معرفة الآخر جزء صميم من معرفة الذات، وبالتالي استفادتي أتت عبر الاطلاع على التجارب المتنوعة والمختلفة حد التنافر دون تركيز على بيئة أو محيط معين''·
وعما يلاحظ أن كتاب القصة من الجيل الجديد أغلبهم من الإناث، وتفسيرها لهذه الظاهرة·· وهل فعلاً ينطبق عليها مصطلح الظاهرة التي كثيراً ما تكون قابلة للتلاشي، توضح روضة ''أخشى أن جميعهم من الإناث، ربما لأني لم أطلع حتى الآن على تجربة ذكورية لفتت انتباهي في مجال القصة القصيرة، ولا أملك تفسيراً معيناً حول هذه الملاحظة وما من أحد بإمكاني أن ألقي اللوم عليه، فأنا ضمنياً مقتنعة بأن الموهبة في الأساس شيء يولد مع الإنسان وليس شيئاً يُمنح له، إلا أنه بإمكاني القول إن الرجل يمتلك مساحة من الحرية للبوح أكثر جرأة من تلك الممنوحة للمرأة والتي تحيطها العادات والتقاليد المحافظة وتحاصرها من كل جانب، وهو ما قد يدفعها نحو الصمت المطبق أحياناً، ذلك الصمت الذي لا يقلل من حدته أو يكسره إلا اندفاعها نحو جهة السرد، فقد تكتب المرأة نكاية في كل ما هو مسكوت عنه أو تعبيراً عن معاناة النساء في مجتمعها، لكن أرفض أن أسميها أو أعتبرها ظاهرة، فلطالما كان فن الحكي ورواية القصص والأساطير مهنة الجدات منذ الأزل، ولطالما أيضاً كانت المرأة الأكثر قدرة على سرد تفاصيل الكلام بذلك القدر من الواقعية السحرية التي هي جزء من طبيعتها، وقد حاول الرجل الذي سبق المرأة في التعليم أن يختلس منها هذا الدور عبر التدوين القصصي المتطور عن الحكاية الأم، لكن ها هي المرأة تعود لتأخذ مكانها وتحاول أن تعيد الأمور إلى مسارها الصحيح، إذن فالظاهرة من وجهة نظري هي أن يكون أغلب كتاب القصة من الذكور وليس العكس!''·
المؤسسات الثقافية
تعلق على إن كانت ترى المؤسسات والهيئات الثقافية تشكل عامل دعم بالنسبة للمبدع الإماراتي، بقولها ''كأنك ترش ملحاً على جرح السؤال، فالوضع يبدو لي (ملخبطاً) وفي الحقيقة، ليس منذ اليوم، بل منذ تراكمات سابقة لدرجة أني لم أعد أعرف ما الذي يريده المبدع من المؤسسات والهيئات المحلية، وما الذي تريده هذه المؤسسات والهيئات من المبدع في الإمارات والذي بدوره يعاني حالة من التهميش والإقصاء وغياب الدعم المؤسساتي الملموس والمستمر له في الوقت الذي يتم فيه تنفيذ مشاريع ثقافية ذات أطر فاخرة رغم هشاشة ما تحتويه هذه الأطر القائمة على التعامل مع الإبداع وفق منظور مادي بالدرجة الأولى، المؤسسات إن كانت تشكل عامل دعم فهو دعم مؤقت للأسف وسريع التلاشي وما يحتاجه المبدع المحلي هو الدعم المستمر والثابت كي لا تذوب شمعته وتنطفئ قبل أوانها، وهذه المسألة سبق أن طرحت مراراً من قبل بعض المبدعين في الإمارات ولمئات المرات، لكن للأسف يبدو أن لا حياة لمن تنادي''·
وعن دور الصحافة الثقافية في تكريس المنجز الإبداعي المحلي للقارئ وهامش الحرية في الصحافة الثقافية، تقول: ''على المستوى الشخصي، يبدو أني نفضت يدي تماماً من الصحافة الثقافية لهذا السبب، وهو عدم تكريسها للمنجز الإبداعي المحلي كما يجب أو كما يستحق، سواء من حيث الاهتمام بمتابعة النصوص الإبداعية المحلية ومن يقبع خلفها أو من حيث إلقاء الضوء على هذه النصوص، وذلك من خلال دراسات نقدية جادة وليست هلامية وعابرة قد تسيء إليها أكثر مما تحسن، يؤلمني ما يحدث بالطبع، ففي حين أن هناك نقاداً وقراء من الخارج يمنحونك ما تستحقه من اهتمام على مستوى الاطلاع أو على مستوى النقد والمتابعة وخلافه، في المقابل تغيب أسماء وأعمال كثيرة في الداخل دون أن يكترث لغيابها أو حضورها أحد، الأسباب واضحة ومعروفة ولا داعي لأن أذكرها؛ لأنها تحتاج مساحة منفردة لنقاشها أولاً ولكي لا أتسبب بالصداع لبعض الرؤوس ثانياً!''·
فيما يخص الصحافة الثقافية، فهي بلا شك جزء لا يتجزأ من المنظومة الإعلامية ككل، وهذه المنظومة برأيي تخضع للرقابة التي تحد من حرية الرأي والتعبير بالشكل الذي يؤمن ويطالب به البعض ويرفضه البعض الآخر خاصة من الفئات التي تمارس وصايتها الفكرية مع من يختلف معها، وبالتالي فإن هامش الحرية في الصحافة الثقافية التابعة للمؤسسة الإعلامية لم يكتمل نصابها كما يجب، والمبدع ولا شك يعاني من هذه الإشكالية كثيراً عبر تشويه أعماله ونتاجاته المنشورة في الصحافة من خلال إقحام مقص الرقيب بين ثنايا ما يتم نشره''·
وحول حضور المرأة الإماراتية في المشهد الإبداعي الإماراتي، تقول روضة البلوشي ''أرى أن المرأة المبدعة في المشهد الإماراتي تمكنت من تجاوز الحدود (الزمكانية) وبجدارة تحسد عليها، وهي قادرة على تجاوز الكثير من الرهانات عبر ترسيخ تكوينها المعرفي في ما تنتج من أعمال إبداعية''·
الجديد
فيما يجنح غالباً كتاب القصة إلى خوض تجربة كتابة الرواية، سألناها إن كان لديها مشروع كتابة رواية فقالت: ''لن أقع في فخ الإجابة عن هذا السؤال الذي أعتبره سابقاً لأوانه، لكن بالفعل أنا منصرفة حالياً في كتابة شيء ما يصعب تصنيفه الآن، قد يكون مشروع رواية كما نوهْت، وربما يكون جنساً أدبياً آخر، ولست مستعجلة على الانتهاء منه، قد أتركه مفتوحاً بلا نهاية أو بلا مصير محدد وقد أغض الطرف عنه إلى الأبد، تأويل مآل هذا المشروع أتركه للزمن ينحت فيه كيفما يشاء''·
أما عن جديدها القصصي، فقالت ''لا يزال يتجول في متاهات رأسي، ربما بحثاً عن مخرج!''

اقرأ أيضا

رحلة الكتابة في ورشة تخصصية لـ"دبي للثقافة"