الاتحاد

ثقافة

«سأموت في المنفى» العذاب الفلسطيني إلى أقصاه

غنام غنام في «سأموت في المنفى» (من المصدر)

غنام غنام في «سأموت في المنفى» (من المصدر)

محمود إسماعيل بدر (الاتحاد)

كرسي وممثل وعصا وكوفية، هذه هي مكونات فضاء مونودراما «سأموت في المنفى» التي قدّمها الفنان غنّام غنّام، في منافسات «مهرجان عشيات طقوس المسرحي الدّولي» الذي اختتم أعماله، أمس، في العاصمة الأردنية عمّان، وقدّم فيها هذا الحكّاء البارع الباكي عبر «مسرح الحلقة» ثيمات مستمدة من سجلّه الشخصي، ومن فواجعنا: سيرة منفي ومنفى، أرض وشعب، سيرة أبطال ملحميين، سيرة تقفز من الخاص إلى العام لتحكي مرارتها في نص سردي بصوت واحد يتوزع على أصوات متعددة، تحت مظلة فن الاسترجاع «الفلاش باك» كتقنية مسرحية معاصرة لدفع «البوح» إلى أقصاه.
غنّام غنّام، الذي كتب النص وقام بتشخيصه وإخراجه، فنّان متمرّس يعرف تماماً مقدار خشبة المسرح وقدسيتها، وفي هذا العرض، نجح في إدخال الجمهور في اللعبة المسرحية، ليس على الشاكلة البريختية (هدم الجدار الرابع)، ولكن من خلال براعته كساردٍ وراوٍ، يجمع بين لغة الحكائين القدامى، ولغة العبث المعاصرة، لتظل «فلسطين» في النهاية هي بؤرة الحدث، المحمول باتجاه صورتها التي لا تفارق ابنها المنفي، لا مكان له على الأرض وله كل الأمكنة، طائراً في سماء الله، كأن الريح من تحته، له صوت وأغنيات وأشعار وذاكرة وهوية مثقلة بالحكايات وحقيبة مكتظّة بتراب «سيدة الأرض» وحجارتها وأبطالها وشهدائها وناسها المنسيين من العالم، وهو عبر تقمص شخصيات ووجوه بأقنعة عديدة وبنزوع ملحمي يعيدهم كأبطال حقيقيين.
ونعتقد أن النّجاح المذهل الذي حققه عرض «سأموت في المنفى» عائد إلى جماليات السينوغرافيا وخاصة الإضاءة المتقنة، وإلى ما قدّمه غنّام من مهارات جسدية وحركات إيمائية، بالإضافة إلى اللعب بتقاطيع الوجه ولحظات الصمت، والأداء الصوتي البارع ومعمار الحركة المرسومة بعناية والتي شغل بها الفضاء المسرحي، وتنويعات الحوار ما بين الديالوج والمونولوج الداخلي، وروعة تقمّص الشخصيات التي كانت بديلاً وتحايلاً جميلاً على خواء المكان، وغير ذلك مما جعل المسرح يضج بالجمهور على نحو لم نشهده في مثل هذه الأعمال.
الاحتفاء الجماهيري والنقدي العربي الذي حظيت به عروض «سأموت في المنفى» في مصر وتونس وعمان وغيرها، تليق بها، فالنص ينطوي على كثافة شعرية ودرامية رصينة، ذات طابع موسيقي شفيف ملهم، تكتنفه كل الجماليات التي تتناغم والمسرح، وبنية النّص التي جاءت بشكل صور متتالية سريعة كما في المونتاج السينمائي، وذات حبكة متراصة مترابطة الطبقات، فساهمت في التنقيب والنبش في كل أشكال القهر والعذابات الإنسانية.
دقّ «غنام غنام» بعصاه الكرنفالية وطبوله الكلامية أرض الخشبة مراراً وتكراراً، للسخرية من عبثية العالم والتاريخ المزيّف، ليميط اللثام عن المأساة الحقيقية لسيرة فلسطينيي الشتات والمنفى، وذلك من خلال بطل «ناجي» وما في جعبته من حكايات ووجع والآم مستمرة واشتياق وتوق ولهفة إلى الأرض والوطن والتمسك بحق العودة، في إطار مسرحي يجمع ثيمات «مسرح المواجهة».

غنام غنام: أرتّب أشيائي كي لا ينتهي سؤال المنفى بموتي
في ختام العرض، قال غنام غنام لـ «الاتحاد»: إن مسرحية «سأموت في المنفى» عمل تطهري، أمارس فيه المكاشفة مع الذات ومع الآخر، الآخر الذي قد يكون قريباً، وقد يكون بعيداً، قد يكون صديقاً وقد يكون خصماً وعدواً. سأموت في المنفى محاولة لترتيب غرفتي، وصورتي، وهويتي، كل هذه الأشياء التي تشوش ترتيبها، لوضعها في نصابها الحقيقي، قبل الرحيل النهائي إلى المنفى الأبدي (الموت)، لكي لا ينتهي سؤال المنفى بموتي، بل يظل معلقاً حتى يموت المنفى، ويعود المنفي إلى حضن أرضه.

 

 

 

اقرأ أيضا

جمعية المسرحيين تطلق الدورة الثالثة لجائزتها