الاتحاد

الاقتصادي

تكتيكات ترامب التفاوضية تثير مخاوف محافظي البنوك المركزية

%2.4 تراجعاً في «داو جونز» بعد تهديدات الرئيس الأميركي

%2.4 تراجعاً في «داو جونز» بعد تهديدات الرئيس الأميركي

انخفضت تكلفة الاقتراض فعلياً، بفضل قرارات بنك الاحتياط الفيدرالي الأخيرة، ما يجعل إنعاش النمو الاقتصادي أمراً قابلاً للتحقيق على الأجل المنظور من الناحية النظرية. رغم هذا، مازال محافظو البنوك المركزية في العالم يتملكهم القلق إزاء تكتيكات التفاوض التي ينتهجها الرئيس الأميركي دونالد ترامب لتسوية الخلافات التجارية مع الصين. فهذه الخلافات تتسبب في زعزعة اقتصادات العالم بما يكفي وبما يتعذر معه إعادتها إلى المسار المناسب، حتى وإن انخفضت أسعار الفائدة الرئيسة.
نتيجة لهذا، خيمت أجواء من الكآبة مؤخراً على منتجع «جيسون ليك»، حيث يجتمع محافظو البنوك المركزية وخبراء الاقتصاد من أركان العالم الأربعة في أغسطس من كل عام. فقد أصبحت الفوائد عند حد يتعذر معه خفضها من جديد لإنعاش النمو. وهنا يجد محافظو الاحتياط الفيدرالي، والبنوك المركزية الكبرى الأخرى في العالم، أيديهم مغلولة إلى حد بعيد.
وقال فيليب لوي، محافظ البنك المركزي الأسترالي، خلال الجلسة الختامية للاجتماعات السنوية: «نواجه سلسلة من الصدمات السياسية الكبرى، وهي بصدد التحول إلى صدمات اقتصادية». وإلى جانب حالة الضبابية السائدة بشأن السياسة التجارية، هناك مجموعة من الأزمات السياسية، من أبرزها، الاحتجاجات الشعبية واسعة النطاق في جزيرة هونج كونج، وتهديدات بريطانيا بالخروج من الاتحاد الأوروبي في الحادي والثلاثين من أكتوبر المقبل باتفاق أو دون ذلك، والأزمة السياسية في إيطاليا وانعكاساتها المحتملة على العملة الأوروبية الموحدة (يورو). والخلافات السياسية والتجارية القائمة بين اليابان وكوريا الجنوبية، وقرار الهند بإلغاء وضع الحكم الذاتي في إقليم كشمير المتنازع عليه مع باكستان.
وقال مارك كارني، محافظ بنك إنجلترا، إن نطاق الحرب التجارية الدائرة تسبب في شل القطاع الصناعي، واستثمارات الأعمال عالمياً، وأضاف أنها حرب تجارية حقيقية ضلعت الولايات المتحدة فيها، إلى جانب بقية مصادر التهديد الأخرى، وتناول كارني في كلمته أوجه القصور القائم في النظام النقدي العالمي، وتفادى مسؤول الاحتياط الفيدرالي تحاشي انتقاد سياسات ترامب التجارية علناً. في المقابل، لم يمسك آخرون ألسنتهم كثيراً، وسرعان ما التقط ستانلي فيشر، النائب السابق لرئيس مجلس إدارة الاحتياط الفيدرالي، الخيط منه قائلاً: «لا تكمن المشكلة في النظام النقدي العالمي، بل في رئيس الولايات المتحدة. وليس من مصلحة أحد، ولو في جلسة خاصة، أن يغمض عينيه عن المشكلات الرئيسية».
وكان مسؤولون ماليون عالميون أعربوا عن أملهم في أن يلتفت قادة العالم، خلال قمة مجموعة الدول الصناعية الكبرى السبع الأخيرة في منتجع بياريتز الفرنسي، إلى المؤشرات السلبية المتنامية إزاء قرب دخول الاقتصاد العالمي مرحلة من الركود. ومن المؤسف أن الأمر لم يحظ بالاهتمام الواجب. ويحمل محافظو البنوك المركزية الكبرى في العالم على عاتقهم مسؤولية تقديم الدعم اللازم وقت الأزمات، وذلك منذ اندلاع الأزمة المالية العالمية في عام 2008. إلا أنهم يشعرون أنهم باتوا يجابهون تحديات أضخم وذات أوجه متعددة الآن.
وتتمثل هذه التحديات في الآتي، حالة الإحباط في أوساط الرأي العام، ما يزيد خطورة تقلص استقلاليتهم في اتخاذ القرار، والاعتماد المبالغ فيه على خطط الإنعاش الاقتصادي المتعارف عليها، والمخاطرة برفع أسعار الأصول من جراء خطط الإنعاش ما يؤدي إلى فقاعات فيها بدلاً من تحقيق نمو اقتصادي أقوى وأكثر رسوخاً، وهو الهدف المرجو من هذه الخطط.
وفي محاولة لتحاشي تلك المخاطر، مارس مسؤولون ماليون في أوروبا وأستراليا ضغوطاً على السياسيين لتعزيز النمو الحقيقي ورفع مستوى الاستهلاك للحد من مخاوف الركود. على سبيل المثال، لجأت أستراليا، الشهر الماضي، إلى التخلي عن سياسة أسعار الفائدة التي تنتهجها، جراء تزايد المخاطر التي تهدد بوقف توسعها الاقتصادي المستمر منذ 28 عاماً وهو رقم قياسي في حد ذاته. وأوصى البنك المركزي الأسترالي القيادات السياسية المحلية بالعمل على زيادة مخصصات تعويضات البطالة، كإحدى الأدوات الممكنة لزيادة الإنفاق. إلا أن توصية البنك قوبلت بمقاومة شديدة.
وبينما تتزايد مخاطر الركود ومأزق محافظي البنوك المركزية معها، يتابع العالم أحدث جولات فرض الرسوم الجمركية بين طرفي الحرب التجارية الدائرة، الولايات المتحدة والصين. فقد بدأت الصين فرض رسوم عقابية جديدة على الواردات الأميركية، رداً على إجراء أميركي مناظر. وسرعان ما انعكست هذه الأنباء السلبية على أداء أسواق المال. وكان مما زاد من الطين بلة دعوة ترامب رجال الأعمال الأميركيين صراحة إلى التأهب للانسحاب من السوق الصينية، ما ترجمه مؤشر داو جونز إلى انخفاض بلغت نسبته 2.4% تقريباً.
ومن جهة أخرى، خيمت قضية الدولار على هامش مناقشات محافظي البنوك المركزية في مؤتمرهم، نتيجة لدور واشنطن الذي لم يعد بوسع أحد توقعه في مجال التمويل الدولي. ويدور سؤال ملح في هذا الصدد، فإلى متى سيحتفظ الدولار الأميركي بمركزه كعملة الاحتياطات الدولية الرئيسية لدى البنوك المركزية؟ ولعل ما زاد قوة هذا السؤال بعد انتهاء المؤتمر، ذلك الهجوم الشرس الذي شنه ترامب على رئيس مجلس إدارة الاحتياط الفيدرالي الأميركي، بسبب ما وصفه بسياسة البنك للإنعاش الاقتصادي التي اعتبرها تفتقر قوة الدفع اللازمة.
وكان البنك قد خفض أسعار الفائدة الأساسية الشهر الماضي بمقدار ربع نقطة مئوية، للمرة الأولى، منذ أكثر من 10 أعوام. ويهدف القرار إلى إنعاش النمو وزيادة الاستثمار. إلا أن خبراء اقتصاديين قللوا من شأن القرار من جراء الحرب التجارية القائمة بين واشنطن وبكين. وتثور مخاوف من تراجع الاستثمارات، وبالتالي انخفاض معدلات التشغيل وزيادة البطالة في الاقتصادات الكبرى، وفي مقدمتها الولايات المتحدة ذاتها.
بقلم: نك تيميراوس

اقرأ أيضا

الصين وأميركا تعقدان محادثات تجارية "بناءة" في واشنطن