ثقافة

الاتحاد

محمد العامري.. هوية مسرحية تعددية

عرض حالات تحولات الأحياء والأشياء

عرض حالات تحولات الأحياء والأشياء

عصام أبو القاسم (الشارقة)

انتخب المخرج محمد العامري، للمرة الخامسة، لتمثيل الإمارات في الدورة العاشرة من مهرجان المسرح العربي، الذي نظمته الهيئة العربية للمسرح في الفترة من العاشر إلى السادس عشر من الشهر الجاري، بالعاصمة التونسية، عبر عمله المسرحي الموسوم «غصة عبور»، من تأليف الكويتية تغريد الداوود التي حازت عنه جائزة الشارقة للتأليف المسرحي الخليجي السنة الماضية.
والعمل الجديد للعامري، الذي سبق أن فاز بثلاث جوائز في مهرجان الشارقة للمسرح الخليجي (فبراير 2017)، وبعدد مماثل من الجوائز في أيام الشارقة المسرحية (مارس 2017)، يبرز الكلفة الباهظة لحالة عدم الاستقرار التي يشهدها العالم بسبب الحروب والاضطرابات في وقتنا الراهن، استناداً إلى حكاية أربع شخصيات منقسمة بين رحلتي هجرة وعودة إلى الوطن، ولكن طريقها ينقطع في جسر بحري يقف عليه حارس/‏‏‏ قاطع طريق، فلا تعرف إن كان بمستطاعها أن تستمر أو تعود؟
وجاءت مشاركة العامري في هذا المهرجان لتسلط الضوء من جديد على تجربته الإخراجية التي شكلت حالة لافتة في المشهد المسرحي الإماراتي على مدار العقد الأخير، فالفنان المولود 1971، يتميز عن أقرانه، وحتى عمن سبقوه إلى المشهد من المخرجين، بديناميته الإبداعية العالية، ولعل ليس من طريقة أفضل لتقييم مساره الخلاق من الإشارة إلى أنه يعد أكثر المخرجين الإماراتيين مشاركةً وحضوراً في أيام الشارقة المسرحية، فلقد قدم 16 عرضاً، منذ أول مشاركة له في صفة مخرج 2004، وهو أكثرهم حصداً لأثمن جوائز هذا المهرجان «أفضل عرض مسرحي»، كما أنه نجح، برغم قصر عمر تجربته مقارنة بسواه، في أن يحل ضمن قائمة المتصدرين لجدول الحائزين جائزة «أفضل إخراج» في تاريخ هذه التظاهرة، التي يعتبرها مدرسته ومختبره.
إن الاستمرار بالتجربة وعدم الانقطاع، مع الإلحاح على تجديد وتنويع وتطوير الحلول والأدوات وتطويع الإمكانيات، إضافة إلى مقاربة القضايا والموضوعات، الشائكة والمعقدة، في ما يتصل بما هو اجتماعي وإنساني وثقافي، كلها محاور ارتكزت عليها مسيرة العامري الإخراجية، التي تخلقت هويتها وتشكلت في بداياتها عبر عروض مثل «آه قلبي» 2004 و«مولاي يا مولاي» 2006 و«اللول» 2007، و«دهن عود» 2008، لتتبلور وتغدو أكثر وضوحاً في أعماله اللاحقة، مثل «تراب» 2010 و«حرب النعل» 2011 و«صهيل الطين» و«لا تقصص رؤياك» و«حالات تحولات الأحياء والأشياء» في السنوات التالية. ويمكن القول، إن الانتقالة التي حققها مسرح العامري، تمثلت في القطع مع النمط المسرحي الكلاسيكي الذي يرهن قيمته، شكلاً وموضوعاً، على الحبكات السردية التقليدية، فلقد توجه العامري إلى ممارسة إخراجية تستمد جمالياتها وغناها الدلالي، من بنائيتها التشكيلية والبصرية المعقدة، التي تتداخل وتتقاطع في خطوطها ووحداتها، بين الوحدة والتنوع، والاستقرار والانقلاب والإضمار والتصريح، معبراً عن هوية مسرحية تعددية، تتغذى من مصادر عدة، من مرئيات البيئة الشعبية وموضوعاتها، كما من مفردات وتعبيرات زمن ما بعد الحداثة، فالعامري، يمكن أن يستعين في مسرحه بالعديد من الأسماء التمثيلية التي كرستها التظاهرات والمهرجانات المحلية، بكل زخمها وتاريخها، ولكن ليظهرها في مسرحه تحت أضواء جديدة، ومن خلال أدوار غير مألوفة، فمسرحه يركز أكثر، في تمثيل وتجسيد رؤاه، على «المؤدي» لا «المشخص»، على الجسد الطيع، المحلق، والمتوتر، والنابض بحضوره غير المبرمج، وليس الجسد المستقر، المحدود والمحدد، والمضبوط في حركاته وإشاراته وإيماءاته. وفي الموسيقا كما في الأزياء وحركة المجاميع، لا يوفر العامري قطعة في مسرحه من رؤيته الإخراجية النزاعة إلى التجريب والاختلاف. ونتيجة لكل ذلك، كان على العامري أن يعاني في مناسبات ليست بالقليلة، من سوء الفهم وغياب التقدير أحياناً، خاصة بين الحراس الجدد للمسرح القديم، محلياً وعربياً.

اقرأ أيضا

أسلاف شارلوك هولمز.. طرق البحث عن الحقيقة