الاتحاد

ثقافة

الحياة مسلخ كبير.. والحب هو الخـلاص

مشهد من الفيلم (الصور أرشيفية)

مشهد من الفيلم (الصور أرشيفية)

إبراهيم الملا(دبي)

كيف يمكن للروابط السحرية الغامضة أن تتأسس خارج نطاق الوعي، ثم يكون لتأثيرها وقع المعجزة عند الاحتكاك المباشر مع اللحظة اليومية المعاشة بكل عنفها وعبثها، هناك حيث الحياة منتهكة ومعاقة ومنطوية على ذاتها، وكأنها اغتراب طاعن في الروح كوتد مازوشي أو كرمح مسموم ومسدّد تماماً في قلب الوجود، وجودنا المشترك ظاهرياً، والمتشظي والمتنافر في العمق؟
ما هي الآليات الخفية التي تدفع البعض إلى تجاوز خساراتهم وخيباتهم، باللجوء إلى حيل وبدائل نفسية وعاطفية وحسّية، تعيد لهم شيئاً من العافية والحيوية لمواصلة الحياة، حتى لو كانت هذه العافية منقوصة ومحاصرة بتأويلات الآخرين الخاطئة؟.
هذه الأسئلة بحمولاتها الفلسفية الثقيلة، ستكون أساس الفيلم الهنغاري «جسد وروح» للمخرجة ألديكو انييدي التي تقدم هنا فيلماً مستقلاً وفائضاً بأبعاد سيكولوجية صادمة على مستوى السرد، ومزدحماً بتفاصيل جمالية فاتنة على مستوى الصورة والتكوين البصري.
تعود أنييدي للسينما بعد غياب 18 عاماً لتقتنص بهذا الفيلم جائزة الدب الذهبي في مهرجان برلين السينمائي2017 كالتفات نادر من قبل مهرجان برلين للأفلام ذات المحتوى الإنساني والعاطفي الصرف، بعد طول اهتمام بالأفلام ذات الطابع الإيديولوجي، بعدما تمكن فيلم «جسد وروح» من تحقيق المعادلة السينمائية الصعبة والتوازن الحرج بين الخطاب الضمني والأسلوب الإخراجي أو بين المحتوى والشكل، باستثماره الناجح للطبائع الفردية المعقدة، وتحويلها إلى إشارات تفضح المعايير المادية الصارمة في المجتمعات الحديثة، معايير تخلق حواجزها العالية بين البشر في سبيل زيادة الإنتاج داخل «الغيتوهات» الصناعية أو داخل هذا المسلخ الكبير، البارد والمتجمد حدّ التصفية الكاملة للإنسان في كونه جوهراً متفرداً.
ولذلك لم يأت اختيار المخرجة للمسلخ كخلفية تصوير اعتباطاً، ولم يكن الدخول في مسرح الدم ومشاهد ذبح الأبقار وتعليبها، مجاناً. ثمة قصد فني وانتباه مكثف هنا تجاه الظواهر السلبية التي أفرزها التباعد بين البشر وانزوائهم خلف حوائط شاهقة من العزلة، حوائط ترتطم بأصداء صرخات وحيدة، وأرواح تالفة.
يبدأ الفيلم بمشهد محايد في غابة ثلجية يجتمع فيه غزال برّي مع أنثاه، حيث ينهمر الصمت والترقب، وسط كادر بصري أليف مشغول بعناية ودفق شعري سرعان ما ينقطع مثل التماعة حلم خاطف ومتلاشٍ في ضوء النهار.
في المشهد التالي مباشرة، تشرع المخرجة في وضع الخيوط السردية الأولى في الفيلم، وكأنها تضع أقفاصاً لامعة حول كائنات غرائبية، تشبه البشر، وتعيش في بيئة واقعية، مع قدر لا يستهان به من الجاذبية المشوهة، أو الخراب المفرط في أناقته، نحن هنا داخل مسلخ كبير في بودابست، مسلخ يبدو نظيفاً ومرتباً، عمّالٌ يتحركون مثل روبوتات مبرمجة، كل شيء يسير بدقة ومحسوب، ولا مجال للهدر والخطأ.
هذا الخط الإنتاجي الصارم سيهتزّ في لحظة فارقة عندما يلمح «أندريه» الستيني الذي يعمل مديراً مالياً في المسلخ الموظفة الجديدة «ماريّا» التي تعمل مراقبة لجودة الإنتاج، وعند هذه اللحظة الحارقة تماماً تبدأ اللعبة المدوّخة في الفيلم بنسج متاهاتها وسط انتقالات مرصودة بدقة بين الواقع والحلم، وبين الحقيقي والمتخيل، وبين الجسدي والروحاني.
يعاني أندريه إعاقة جسدية، ويختار الهروب من ذاكرته البعيدة واللجوء للعزلة في شقة صغيرة على أطراف المدينة، وتعاني ماريّا متلازمة «إسبرجر» التي تفصلها عن الآخرين وتربي فيها فوبيا من اللمس والمشاركة الجسدية، لكنها لا تحرمها من ذكاء متوقّد وذاكرة ثاقبة.
ومع اكتشاف جريمة سرقة لأدوية التخصيب في المسلخ، تستعين الشرطة بمحللة نفسية لاختبار الموظفين سيكولوجياً والعثور على الجاني، وتظهر المفاجأة عندما تكتشف المحللة أن ثمة حلماً مشتركاً يجمع بين أندريه وماريّا، وهو حلم الغزلان ذاته الذي رأيناه بالمشهد الاستهلالي، مفاجأة سوف تضع العاشقين السريين في مناخ شكوكي بامتياز، تملؤه الحيرة والالتباس والرغبات الإيروسية، برغم كل العوائق التي تجعل الاتصال بينهما مستحيلًا، ولكن التشويق الذي يصنعه غموض الحلم وتسلسله وتحول أندريه إلى غزال يطارد الظبية «ماريا» وسط مشهدية بيضاء، هو حلم أشبه بسرد عجائبي، يماثل نوعاً ما مسرح «الغروتيسك»، حلم سوف يجبر هذين الكائنين العاشقين إلى التآلف مع المصادفة اللامعقولة، التي ستدفعهما لتغيير مسار حياتهما، إذ تستيقظ الهيامات الدفينة في أعماق أندريه، بينما تمارس ماريا طقوساً جديدة للتغلب على خوفها من الاقتران الجسدي، طقوس وتحولات وتنازلات ستكون قاسية عليها من دون شك، ولكنها لن تكون أقسى من النداء الغريزي المعتمل فيها، ومن التوق الجارف في دواخل أندريه أيضاً.
استطاعت المخرجة أن تترجم كل هذا التوق والانجذاب في شـريط سينمائـي يندر أن تتداخل فيه كل هذه التناقضات السحرية، وبكل هذا الزخم الجمالي المنتبه تماماً للتفاصيل المشهدية وتأثيرها النفسي المتضامن مع التأثير البصري لحركة الكاميرا، واللقطات المقربة، وهذا التناوب الحرّ بين يوتوبيا النوم وشراسة اليقظة، بين الأحلام الفردية وضغوطات الواقع، وأخيراً بين الخلاص المتخيل والانتهاك الملموس لكل ما هو متمرد على سطوة المسلخ، وكل ما هو مختلف عن ثقافة القطيع!.

1846
في عام 1846 ولد «لوتريامون» صاحب «أناشيد مالدورور» وتوفي عام 1870 ولمّا يبلغ الخامسة والعشرين من عمره، مخلفاً وراءه تراثاً أدبياً ما زال الشغل الشاغل للكثيرين من النقاد والأدباء حتى يومنا هذا. كان «لوتريامون» - واسمه الحقيقي ايزودور دوكاس - مخلوقاً غريب الأطوار، غريب التكوين، فقد كان طويلاً نحيلاً محدودباً، أشعث الشعر، أجش الصوت، ناتيء الصدغين، في لسانه حبسة وتلفّه كآبة ظاهرة. وكان دائم الصداع مؤرّقاً لا يعرف النوم، وإذا ما أغفى فعلى كوابيس رهيبة. لقد ذكر حالته تلك في أناشيده، فوصف ضعفه الجسدي والنفسي وحرمانه تذوق مباهج الحياة وقطف ثمار الحب والهوى والشباب، ونعمة النوم والرقاد.. قائلاً: «سعيد من يغرق في سبات عميق ساعة يضع رأسه على مخدته، ها إني منذ يوم ولادتي المشؤوم أعاني الأرق الذي نذر أن يجرف أعضائي إلى أعماق الحفرة التي تنبعث منها منذ الآن رائحة المقابر».

اقرأ أيضا

الشعر النبطي.. خزّان الحياة البدوية