الاتحاد

ثقافة

ضد جشع الحروب

محمد المزروعي

محمد المزروعي

دائماً ما تشكل الطيور والحيوانات الأليفة مصدر إلهام للأطفال كما لبعض الكبار، وعلى حسب نوع الطير أو الحيوان تتحدد ملامح الرغبة في الحياة، من باب الكيفية التي من الممكن أن ندرك بها طبيعة هذا الحالم الذي يريد اقتناء قطة أو سمكة أو كلب أو عصفور·· إلخ·
أما أنا فأريد اقتناء عفريت، أريد أن يعلمني قوانين الميتافيزيقا وعوالمها، أن يطلعني على أسرار نشأة العلوم الإنسانية بدءاً من أول تطور سلوكي مُدْرِك للعقل، وحتى اكتمال هذا السلوك كمنظومة معقدة التداول·
بالتأكيد لن يموت العفريت بسهولة كما ماتت الأسماك التي اقتنيتها، والسلاحف، والورود، فالعفريت هنا مسؤول عن نفسه، إنه بطريقة ما أكبر علماً مني، وبالتالي لا يحتاج إلى رعاية· ولكن شرطي الأساسي معه ألا يرعاني، يجب أن يكون كل منا مسؤولاً عن نفسه، وليس بالضرورة أن يطلعني على ما يملك من معرفة، كما لن أطلعه على كل أنواع حيرتي تجاه كل شيء· أعتقد أن اختلاف مادتينا سيسمح بالكثير من التفاهم، وإن لم يسمح فليذهب كل منا إلى حيث كان، هو لعفريتيته، وأنا لإنسانيتي، تلك التي لا قيمة لها في عصر قنبلة هيروشيما· كل ما سبق من كلام سببه، أن أحد الأصدقاء اشترى عصفورين بقفصهما، شَعر بالوحدة دون زوجته التي سافرت إلى بلدها لتلد مولودهما الأول وسط عزوة العائلة، وكان جميلاً أن يرى العصفورين يطيران في أنحاء البيت·
وخارج القفص ينقران على رأس فلاح يبدو مبتهجاً بحصاده الذي يحمله على كتفه، ورأس تمثال يبدو أنه لـ ''سقراط'' الفيلسوف·
وعندما يشعران بالجوع يدخلان إلى القفص، ليس معاً بالطبع، فلكل منهما شعوره وشخصيته الخاصة، إنما مرات وفجأة يتوحدان، فيقطعان فضاء غرف البيت بفرح وانتعاش معاً· أما كيف كان يُدخلهما ليلاً إلى القفص؟ كيف يمسكهما؟ ففي ذلك قمة متعته، إذ يربط باب القفص بخيط، ويجلس بعيدا منتظراً، قد ينتظر خمس دقائق، أو ساعة، حتى يتوافقا ويكونا في القفص، فيشد الخيط، ويهب سعيداً للنوم· إن لحظات الانتظار تلك كانت لحظات تأمل، وعلاج للشد العضلي النفسي من إرهاق العمل، بل إرهاق الحياة، على حد قوله·
لكن لماذا لا تتركهما وتنام؟ أجاب بأنه كان يترك العصفورين اللذين قبلهما، واستيقظ يوماً ليجدهما غارقين في مغسلة المطبخ·
هل تغرق العفاريت؟ وإن كان ذلك، فما هي المادة التي تغرق فيها؟، الماء، أم الفضاء، أم الذات الشاردة، أم إنسانية الإنسان؟

اقرأ أيضا

جمعة الماجد يخرج 29 متدرباً في ختام دورة المكتبات