الاتحاد

دنيا

كريستينا لامب: الأمومة جعلتني أكثر جرأة في تغطية الحروب


ترجمة وإعداد ـ ميسون جحا:
بعد ولادتها شعرت الصحفية كريستينا لامب بالخوف الشديد ظنا منها أن التفرغ لرعاية طفلها سيؤدي للقضاء على عملها· لكنها اليوم تشعر أن الأمومة جعلتها محررة عسكرية أشد جرأة، وأكثر ثباتا في ساحات المعارك·
تقول' يوم خروجي من المستشفى بعد ولادة ابني الأول، ذهبت لاحتساء الشاي مع ديكتاتور شرير· كان ابني لورينسو في قسم العناية المركزة كونه ولد قبل أوانه، وشعرت بأن قطب العملية القيصرية تشد على بطني وتؤلمني، لكن اللقاء مع الجنرال أوجوستو بينوشيه القابع تحت الإقامة الجبرية، كان فرصة لا تعوض، إذ انفردت به صحيفة الصانداي تايمز حصريا·
عندما عدت لا حقا لأقف بجانب الحاضنة التي تضم وليدي، سألتني الممرضات أين كنت· عندما أخبرتهن أبدين خوفا شديدا· لكن عندما عملت كمراسلة صحفية كنت في الثانية والعشرين، وبعد 12 عاما كنت مصممة على أن إنجاب طفل لن يغير شيئا في حياتي· بكيت عندما اكتشفت أني حامل لأني وجدت أن ذلك يعني تضييعي فرصة تغطية الحرب في يوغوسلافيا·
ولكني أعترف أن تغطية الحروب لم ترعبني أكثر من رؤيتي لطفلي، عندما كان بحجم كفي، وهو موصول بسلسلة من الأنابيب والأجهزة·
مؤخراً، بثت هيئة الإذاعة البريطانية، بي بي سي، برنامجا وثائقيا بعنوان' خط النار' أعده جيريمي باون، وهو محرر عسكري يعمل في البي بي سي· صور البرنامج حياة المراسلين العسكريين· تقول كريستنا لامب' ليس من السهل رؤية المراسلين أمثال فيرجال كين وجون ستيل وهم يتحدثون عن حياتهم الشخصية بعد تغطية حرب طاحنة·'
تمضي لامب في قولها: 'في البرنامج الوثائقي كان جميع المراسلين الحربيين رجالا باستثناء كريستينا آمانبور من محطة سي إن إن· ولكوني أم تحتفظ داخل دولاب ملابسها بسترة واقية من الرصاص، ولديها طفل كانت أولى الكلمات التي تعلمها هي' إلى اللقاء'، تملكني شعور بالذنب·
بعد ولادة لورينسو ظللت لفترة من الوقت أفكر بترك عملي كمراسلة حربية· وفي التاسع من سبتمبر عام ،2001 انتقلنا للإقامة في البرتغال، حيث نشأ زوجي، وكانت فرصة بالنسبة لي لبداية تأليف كتاب· وبعد يومين تلقيت مكالمة هاتفية يطالبني صاحبها بمتابعة التلفزيون فرأيت مركز التجارة العالمي في نيويورك يشتعل وينهار، وذكر محللون داخل الاستوديوهات أسم أسامة بن لادن وأفغانستان·
في عام ،1987 بدأت عملي في أفغانستان· يومها دخلت النادي الأميركي في بيشاور فاستدار نحوي مجموعة من الرجال بستراتهم الملطخة بالدماء، وتأملوني بدهشة·
سرعان ما وجدت نفسي أعبر مضيق خيبر جيئة وذهابا على ظهور الحمير أو مشيا على الأقدام، وقد تلطخ وجهي بالغبار والأوساخ، وكنت أرتدي زي المجاهدين أو متخفية خلف برقع· وعندما فزت في عام 1988 بجائزة أفضل صحفية شابة، وجدت أن العودة إلى لندن لتسلم الجائزة ليست إلا تشتيتا مزعجا لجهودي· فقد كانت تغطية حرب المجاهدين كمغامرة، وأشبه ما تكون بالحب الأول· وعندما وقعت أحداث الحادي عشر من سبتمبر، أدركت وجوب عودتي للعمل رغم أن لورينسو لم يكن قد تجاوز العامين·
وعندما عدت لبيتي بعد أشهر، سألتني مربيته عما قمت به· وقالت لي أن لورينسو كان يقول لكل الناس' ماما تعيش داخل طائرة·'
بعد الأم عن ولدها صعب بالطبع· لحسن حظي كنت بقرب لورينسو عندما خطا أولى خطواته· لكن في كثير من الأحيان لا أكون بجانبه عند نومه، وعندما أكون بعيدة عنه يرفض التحدث لي· يستغرق أمر الحصول على مكالمة هاتفية عبر الأقمار الصناعية وسط جبال شاهقة وقتا طويلا فيرد ابني قائلا' أنا مشغول يا أمي'·
أعتقد أن استقرار حياتي العائلية، ووجود زوج محب وطفل يساعدني في التعامل مع مصاعب المهنة كمراسلة عسكرية· أشعر كأني أعيش نمطين مختلفين من الحياة· ولكن في بعض الأحيان يصطدم هذان العالمان·
ولكن عامة قليلا ما يشعر ولدي بمزايا عملي· أهدته عمته الكبرى كرة أرضية، وفي سن الرابعة أصبح قادرا على تحديد مكان العراق وافغانستان على الخريطة· وهو يعطيني ألعابه القديمة قائلا' قدميها للأطفال الفقراء في أفغانستان غير القادرين على شراء أي شيء·'
الشعور بالذنب
كمعظم الأمهات العاملات يعد الشعور بالذنب جزءا من الحياة· عندما ولد ابني قبل موعد ولادته الطبيعية، شعرت بقناعة تامة بأني أتحمل المسؤولية الكاملة· خلال حملي ذهبت لكل مكان، بدءا من مرتفعات سياشين الثلجية(حيث تقف القوات الهندية والباكستانية في مواجهة بعضها البعض) إلى دلتا النيجر لتغطية اشتباكات جرت بين قبائل أوجوني والجيش· وكنت في جنوب أفريقيا لتغطية الانتخابات عندما استيقظت وأنا أعاني من نزيف حاد أمرني الطبيب على إثره بعدم التحرك من الفراش لحين نهاية الحمل·
من المؤكد أني ما كنت لأواصل عملي لولا مساعدة زوجي· ولذا عندما عدت بعد غياب أشهر لتغطية الحرب في العراق في عام ،2003 ذهبنا لمراكش لتمضية عطلة نهاية أسبوع رومانسية· في اليوم الأول استيقظت عند الساعة السادسة صباحا على مكالمة ومعلومة بأن هجوما شنته القاعدة في الليلة السابقة في الدار البيضاء، وطلب مني التوجه مباشرة للمكان·
أرباب العمل في هذه المهنة يكونون عموما من الرجال، وغير متفهمين دوما· في مهمة سابقة عدت بعد غياب استمر ثلاثة أشهر لتغطية الحرب في افغانستان لا لتلقي بطاقة شكر، بل مذكرة استجواب فيما إذا كان من الضروري الاتصال هاتفيا بمنزلي·
في البرنامج الوثائقي الذي عرضته ال بي بي سي، تحدثت كريستنيا آمانبور لمعد البرنامج ومقدمه باون عن' عامل الخوف' الذي ينمو مع تقدمها في العمر· قالت أن معظمنا يستطيع القيام بهذا العمل عن طريق خداع أنفسنا بأننا مجرد شهود، ولسنا مشاركين، وأننا نعيش شكلا رائعا من الحياة·
كلمات مخففة
لكن ما الذي يدفعنا لذلك؟ بداية، هناك ميزة أخذ حيز في كتب التاريخ، والتحلي بالأمل بأن ما نشهده ونكتب عنه ربما يساهم في إحداث تغييرات إيجابية· غالبا ما تكون الحقيقة مؤلمة· على سبيل المثال، الوضع في زيمبابوي يزداد سوءا· ورغم كل ذلك، أحاول اختيار كلمات مخففة عند التطرق لمعسكرات التعذيب والاغتصاب، وعند الحديث عن حاكم مستبد يجوع شعبه· والأسوأ من كل هذا، عندما أركب الطائرة وأقفل عائدة لوطني، يكون كل من التقيت به وتحدث معي معرضا للملاحقة أو التعذيب· يقولون لي في زيمبابوي' ما الذي سنكسبه لو تحدثنا معك؟ إنه سؤال صعب الإجابة عليه في بلد أدار له العالم ظهره وتجاهل ما يدور في أركانه·
وفي مناطق كأفغانستان وأنجولا، حيث فقد كل شخص ولدا أو بنتا، كل ما أتمناه أحيانا هو إغلاق الكراسة والهروب بسرعة·
أعتقد أن السبب الرئيسي لقيامنا بعملنا كمراسلين عسكريين هو أنه عمل ممتع· إنه شكل من الهروب من الحياة العادية المملة، من تسديد للفواتير، والتعامل مع البنوك وشراء المستلزمات المنزلية·
لكني أعتقد جازمة بأن كوني أما صنع مني مراسلة عسكرية ناجحة· بعد سنوات من تغطيتي لأحداث في العالم النامي، رأيت أعدادا كبيرة من اللاجئين وبدأت في إجراء مقارنات، بحيث لم أعد أتأثر عند ملامستي لمعاناة مجموعة من السكان، لأنهم بالنسبة لغيرهم، لا يعانون من مجاعة· كما جعلني ذلك أدرك أن القصة الحقيقية لا تدور حول الحروب، بل عن الأمهات اللواتي ينجحن في إطعام وإيواء أطفالهن، بل حتى تعليمهم، وسط المعارك· وفي معظم الحالات يتم تصوير النساء في الحروب كضحايا ولسن كبطلات الساعة·
وكوني والدة لطفل جعلني أيضا أكثر دراية بالخطر· فليس هناك خبر يستحق أن يقول عني أحدهم لولدي، أن أمك لن تكون بجانبك لتشاهدك وأنت تكبر فقد ذهبت لتغطية خبر ولم تعد· وبمرور السنين فقدت عددا من أصدقائي، رغم أن معظمهم قضى في حوادث طائرات أو سيارات وليس في الحروب· وفي معظم الحالات ندرك حجم الخطر في نهاية الأمر·
غالبا ما يكون لمشاهدة ومراقبة شرور الإنسان أثره النفسي السيئ· فقد عانى بعض زملائي من انهيارات عصبية أو فشل علاقات زوجية· وقد أقدم ثلاثة من أصدقائي على الانتحار· فجأة يبدأ الجميع في التحدث عن حالة التوتر التي تعقب الكوارث·
من حسن الحظ، ساعدني وجود زوج محب وطفل ذكي على التغلب على متاعب المهنة· وأجد نفسي مصممة على الاستمرار في عملي إلى ما لا نهاية·
الحب الأول
في عام ،1987 بدأت عملي في أفغانستان· يومها دخلت النادي الأميركي في بيشاور فاستدار نحوي مجموعة من الرجال بستراتهم الملطخة بالدماء، وتأملوني بدهشة· سرعان ما وجدت نفسي أعبر مضيق خيبر جيئة وذهابا على ظهور الحمير أو مشيا على الأقدام، وقد تلطخ وجهي بالغبار والأوساخ، وكنت أرتدي زي المجاهدين أو متخفية خلف برقع· وعندما فزت في عام 1988 بجائزة أفضل صحفية شابة، وجدت أن العودة إلى لندن لتسلم الجائزة ليست إلا تشتيتا مزعجا لجهودي· فقد كانت تغطية حرب المجاهدين كمغامرة، وأشبه ما تكون بالحب الأول·
إصرار إلى النهاية
غالبا ما يكون لمشاهدة ومراقبة شرور الإنسان أثره النفسي السيئ· فقد عانى بعض زملائي من انهيارات عصبية أو فشل علاقات زوجية· وقد أقدم ثلاثة من أصدقائي على الانتحار· فجأة يبدأ الجميع في التحدث عن حالة التوتر التي تعقب الكوارث· من حسن الحظ، ساعدني وجود زوج محب وطفل ذكي على التغلب على متاعب المهنة· وأجد نفسي مصممة على الاستمرار في عملي إلى ما لا نهاية·

اقرأ أيضا