الاتحاد

تقارير

خمس خطوات لإنقاذ النظام المصرفي الأميركي

خمس خطوات لإنقاذ النظام المصرفي الأميركي

خمس خطوات لإنقاذ النظام المصرفي الأميركي

يبدو أن الولايات المتحدة لم تنجح بعد في معالجة الأزمة المصرفية الخانقة التي تعصف بنظامها المالي، ولم تتحول مئات المليارات من الدولارات التي صبتها وزارة الخزينة والاحتياطي الفيدرالي في النظام المصرفي إلى حل حقيقي قادر على إنقاذ البنوك من أزمتها المستفحلة، وبالطبع لا تسمح الظروف الراهنة بالاستمرار طويلاً على هذا المنوال· غير أن هذه ليست المرة الأولى التي يشهد فيها العالم مثل هذا الاضطراب المالي، إذ سبق للنظام المصرفي أن مر بمراحل دقيقة كادت تطيح به في أكثر من مرة لتتبلور بعدها مجموعة من القواعد والحلول أهمها على الإطلاق عدم السعي حين نشوب الأزمة إلى اختراع حل جديد فقط، بل إنه يتعين التحرك بسرعة طبقاً للمبادئ المجربة· ففي التسعينيات من القرن الماضي كنت أعيش في السويد عندما اندلعت أزمتها البنكية الكبرى، حينها تعلمت السويد بذكاء من طريقة تعامل الولايات المتحدة مع مشكلة الادخار والقروض التي ظهرت خلال الثمانينيات، وعلى أوباما اليوم العودة إلى مثل تلك القواعد الأساسية لانتشال البنوك من ورطتها·
فالنظام المصرفي من خلال ضخه للسيولة في الاقتصاد يشبه القلب الذي يضخ الدم في شرايين الجسم، لذا فإن أية أزمة تصيب النظام البنكي تلحق ضرراً كبيراً بالسوق وتهز الثقة في الاقتصاد، ما يحتم تدخل الحكومة لإعادة الرأسمالية إلى تألقها، وفي هذا السياق يتعين على التحركات كافة أن تنصب على استعادة الثقة بين الدائنين والمدينين، والطريقة الأفضل لتحقيق ذلك ينبغي أن تنبني على ثلاثة أمور: المبادئ الواضحة، والشفافية، وضخ رأسمال جديد، وهو ما يستدعي من إدارة أوباما الانتباه إلى الخطوات الخمس التالية:
- أولاً، لابد من اختيار مبادئ واضحة ومجربة عكس ما ذهبت إليه إدارة بوش التي ركزت على اجتراح حلول جديدة كلما تكررت المشكلة نفسها، وبذلك اضطرب النظام المالي، كما تعاملت بطرق مختلفة مع المؤسسات المالية المتعثرة مثل ''بير ستيرنز'' و''فاني ماي'' و''فريديري ماك'' و''ليهمان براذرز'' وغيرها، وهو بالطبع ما زاد في تعميق الشعور بانعدام الثقة· وهذا الأسلوب في البحث عن حلول من خلال التجربة والخطأ عليه أن ينتهي عند هذا الحد بعدما أظهر قصوره طيلة الفترة السابقة وعجزه عن إخراج البنوك من مأزقها· وفي هذا الإطار يتعين على إدارة أوباما اعتماد استراتيجية موحدة لمعالجة الأزمة·
ثانياً، لابد من الشفافية، بحيث لا يمكن لبنك يُعتقد أنه غارق في الديون الهالكة أن يستأنف وظيفته الأساسية في تقديم القروض لمن يحتاجها، وإلى حد الآن تقدر الخسائر غير المعلنة التي تكبدها النظام المصرفي الأميركي بحوالي تريليون دولار حسب أكثر التقديرات محافظة· ولاستعادة الثقة يتعين على الحكومة إرغام البنوك على الكشف عن حجم ديونها المتعثرة وإلغائها، فالمشكلة ليست في إغراق السوق بالأصول البنكية، بل في الحجم الكبير للديون التي لم يُكشف عنها، ولذا يتعين تكليف استشاريين غير مرتبطين بالبنوك للقيام بعملية التقييم حرصاً على الموضوعية وعدم تضارب المصالح·
ثالثاً، لابد من عزل الديون الهالكة ونقلها إلى بنوك خاصة لتخفيف العبء عن البنوك العادية، بحيث تستطيع المصارف، فقط في تلك المرحلة الخطيرة، استرجاع قدرتها على الإقراض· فخلال الأزمة المصرفية السويدية استحدثت البنوك سواء كانت سليمة أو معسرة، بنوكاً أخرى للتعامل مع ديونها الهالكة لأن إدارة هذا النوع من الديون تختلف عن إدارة النظام المصرفي العادي، كما أنه من الأفضل إنشاء بنوك صغيرة تتعامل مع الديون السيئة على أن تدمج في بنوك كبرى لما تتطلبه تلك الديون من إدارة خاصة· لكن إلى حد الآن لم تلجأ مؤسسة أميركية واحدة إلى إقامة بنك خاص يتعامل مع الديون السيئة، وهو ما ينعكس على سوق الائتمان الذي ما زال ضيقاً للغاية ومحدوداً في تعاملاته·
رابعاً، ثم تأتي خطوة الحصول على رأسمال جديد حتى دون تدخل الدولة، لكن ذلك لن يحصل إلا بعد تنظيف سجلات البنوك من الديون الهالكة وإخراجها من دفاترها، وبعبارة أخرى فإن برنامج إنقاذ الأصول المتعثرة الذي أقرته الحكومة لم يكن سوى إهدار للمال· وما أن تُنظف سجلات البنوك حتى يبدأ رأس المال في التدفق إلى شرايينها مجدداً قادماً من المستثمرين الخواص، وهو ما حدث في السويد التي حصلت بنوكها على دعم كبير من المساهمين فيها بعدما هبوا للاستثمار وتزويدها بالسيولة·
خامساً وأخيراً، يتعين على إدارة أوباما عدم التسرع في بيع أصول البنوك المتعثرة والتعجيل بطرحها في السوق، فقد كان من الأخطاء المرتكبة إرغام ''ليهمان براذرز'' على بيع أصوله مباشرة بعدما تبين تعثرها· وبالعكس من ذلك باعت البنوك السويدية أصولها على مدى سنوات ولم تتعجل في طرحها مباشرة في السوق لتحصل على أسعار معقولة وتحافظ على قوة السوق، بل إنها تمكنت في الأخير من تحقيق أرباح يصعب تخيلها بعد إعلان الإفلاس· وفي تلك الأزمة التي ضربت السويد لم تلجأ الحكومة إلى تأميم سوى بنك واحد سرعان ما خصخصته لاحقاً لتحقيق نسبة أرباح عالية· وعندما كانت السويد تصارع أزمتها البنكية كانت تقود البلاد حكومة محافظة يتزعمها ''كارل بيلت'' الذي يشغل حالياً منصب وزير الخارجية، وفي تلك الفترة كان هم الحكومة إنقاذ وتوسيع النظام المصرفي الخاص، وقد نجحت في ذلك بالتزامن مع التقليص في الإنفاق العمومي·
وخلافاً لذلك أعطت تحركات إدارة بوش الانطباع بأنها لا تملك مبادئ واضحة، حيث ما زالت الديون الهالكة تثقل كواهل البنوك التي تكتنز الأموال الحكومية التي حصلت عليها دون تحويلها إلى قروض لتبقى الديون السيئة المتراكمة بمثابة سرطان خبيث يهدد بتدمير مجمل النظام المصرفي عبر الحد من قدرته على الإقراض وإضعاف أسهمه في أسواق الأوراق المالية·
أنديرز أسلوند

باحث بارز في معهد بيترسون للاقتصاد العالمي
ينشر بترتيب خاص مع خدمة لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست

اقرأ أيضا