الاتحاد

دنيا

الوصي واليتامى


أمي امرأة اجنبية لا تجيد اللغة العربية، وليست لديها امكانيات تؤهلها لتحمل مسؤوليتنا، وهي ايضاً ضعيفة الشخصية أمام الجميع ولا تملك اي اسلحة تساعدها على حمايتنا من الطمع والجشع الذي يسكن أرواح الناس في أيامنا هذه·
وصاية العم
أصبح عمي هو الوصي الوحيد علينا، كان يذهب أول كل شهر لاستلام راتب والدنا التقاعدي، ثم يضعه في جيبه وكأنه ماله الخاص ثم يتصدق علينا بمبلغ زهيد يضمن بقاءنا احياء على وجه هذه الأرض ولا يهمه من أمرنا شيئاً، جعنا أم شبعنا، مرضنا أم شفينا، كل ذلك لا يهم عنده، لقد كان حريصاً جداً ليس علينا بل على مالنا ذلك المال الذي يخصنا نحن مجموعة الأيتام وامنا الأجنبية التي لا حول لها ولا قوة·
نعم··انه عمي هذا الإنسان العجيب، انه شديد وعنيد وقوي، يحمل عصاه دوماً، تلك العصى اللعينة التي يجلد بها اجسادنا الصغيرة كلما مر بنا وبلا سبب واضح، لم نسمع منه يوما كلمة حانية يعوضنا بها عن حرماننا من عطف الاب ورعايته، فكلماته كانت لاسعة وشديدة اكثر من عصاه ومازلت اتذكرها جيداً ولا يمكنني نسيانها، ابسط شيء يمكن ان يقوله ذلك العم هو 'معايرتنا' بأمنا مع انه متزوج من واحدة تحمل الجنسية نفسها··!
عشنا أنا وأمي وأخوتي حرماناً قاسياً لا يمكن تصوره، وقاسينا ألم الجوع والحاجة بلا مبرر واضح، نصحنا الجيران بتقديم طلب للشؤون لمساعدتنا فذهبنا أنا وأمي عملاً بنصيحتهم وبعد جهد جهيد ومصاريف مضنية لسيارات الاجرة وديون متعبة استطعنا ان نحصل على مساعدة اضافية تعيننا على ما نحن فيه، كانت سعادتنا لا توصف واعتقدنا أنا وأمي بأننا حققنا انتصاراً كبيراً وان أيام الجوع والحاجة قد انصرفت والحمد لله، وانتظرنا صرف المساعدة بصبر طويل حتى لمسناها بايدينا فقمنا بشراء بعض ما نحتاج اليه من ملابس وأدوات منزلية وحاجات ضرورية ولم تمر مدة طويلة حتى أحس عمي بأننا ننفق اكثر مما يمنحنا هو فبدأ يسأل عن مصدر المال· لم نتكلم لا أنا ولا أمي ولا أخوتي ··تعاهدنا على الصمت المطبق، قام بضربنا بعصاه فلم ننطق، اتهم امنا باتهامات شنيعة ولكنها سكتت ولم تقل له شيئاً ولم تدافع عن نفسها، اخيراً تعب وانصرف، تصورنا بانه سينسى الامر ولن يعود الا في بداية الشهر المقبل عندما يذهب ليستلم معاش الوالد·
بخيل ومحتال
للاسف هذه المرة لم يغب شهراً كاملاً كما كان يفعل دائما وانما عاد في اليوم الثاني والثالث والرابع وهكذا اصبح يأتي كل يوم ليعرف ماذا ننفق ومن اين نأتي بتلك الزيادة الواضحة علينا·
بعد ان يئس منا ومن ضربنا وتهديدنا التجأ إلى حيلة خبيثة، ارسل زوجته التي هي من نفس جنسية امنا لتمثل على أمي وكأنها هاربة منه بعد ان ضربها، جاءت وهي تبكي فصدقتها أمي وطلبت اليها ان تبقى عندنا حتى تهدأ الامور، بقيت المرأة في بيتنا واستطاعت بسهولة كشف سرنا بطريقتها الخاصة بالتأثير على أمي، وما أن عرفت الحقيقة حتى عادت إلى منزلها وهي تركض لتخبر زوجها بما عرفته·
لم يحضر عمي الينا كما توقعنا فاستغربنا وتملكنا الخوف مما قد يفعله، عند بداية الشهر الجديد ذهبنا أنا وأمي لاستلام المساعدة فأخبرونا بأن الوصي علينا جاء لاستلامها قبلنا عندها غامت الدنيا في اعيننا واسودت وأصبح العالم كله يضيق ويضيق بأسرتنا الصغيرة·
حتى جاء يوم من الايام وكنت اجلس في الفصل بمدرستي سارحاً فوبخني المدرس على عدم تركيزي على الشرح ··هنا لااعرف كيف ضعفت فبكيت·· استغرب المدرس من سلوكي وقال لي: الرجال لا يبكون، النساء فقط يبكين، لم اتوقف عن البكاء وكأنما اصابتني حالة هستيرية غريبة، اخذوني إلى الاخصائي فجلس للحديث معي فأخبرته بحكايتي، تعاطف معي واخبرني بان لديه حلاً يساعدنا، واعطاني عنوان احدى الجمعيات الخيرية التي تساعد امثالنا ووعدني بانه سيتحدث مع مديرها ليتفهم وضعنا·
في اليوم التالي ذهبنا أنا وأمي إلى تلك الجمعية واخبرناهم بوضعنا، ارسلوا الينا لجنة لتكشف عن بيتنا فجاءت النتائج كلها لصالحنا، ثم خصصوا لنا مساعدة شهرية بسيطة، مرة اخرى اصبح لدينا سرٌ نخفيه عن عمنا وقد حرصنا على عدم ابراز اي شيء يدل على ان لدينا مبلغاً اضافياً غير الذي يسلمنا اياه· مرت شهور قليلة ولسوء الحظ فقد شاهدت أمي احدى جارات عمي وهي تستلم المساعدة من الجمعية فذهبت واخبرت احدى زوجاته التي نقلت الخبر اليه فجاءنا يركض حاملاً عصاه·
ضربنا وشتمنا ونعتنا بالحرامية والمنحرفين لأننا لم نخبره شيئاً عن تلك المساعدة، ثم ذهب إلى الجمعية وطلب منهم اعطاءه المساعدة لأنه الوصي علينا، ولأنهم يعرفون الحقيقة رفضوا اعطاءه المال، صرخ ولعن وأطلق عليهم لسانه اللاذع قائلاً: كيف تعطون مال الايتام إلى تلك الاجنبية الساقطة التي ترسله إلى بلدها ولا تعطوني انا الوصي على ابناء اخي؟ اخبروه بأن اللجنة التي استطلعت منزلنا وجدت اننا نعيش بمستوى اقل كثير من مستويات العيش الآدمي الصحيح بسبب حجزه لمالنا وعدم الانفاق علينا·
مرة أخرى راح يصرخ قائلاً: انها كاذبة·· انا اعطيها المال وهي ترسله لبلدها وتحرم ابناء أخي منه· ردوا عليه: ان ابن اخيك شاب في السادسة عشرة ويفهم جيداً ما يحدث وهو الذي اخبرنا بهذه الحقيقة·
صار يلعنني ويسبني امامهم ويشوه صورتي ويتهمني اتهامات سيئة أنا بريء منها تماما ولكن الحمد لله فانهم لم يصدقوه وصدقوني ورفضوا اعطائه تلك المساعدة·
استغاثة ميت ··
بعد سنة واحدة توفي عمي، كانت وفاته قصة عجيبة غريبة جداً- اللهم لا شماتة- اكره ان اشمت به فليغفر الله له ما فعله بنا فقد ذهب إلى ربه وهو في وضع حرج بعد ان اكل مال الايتام وهذا جرم كبير عند الله سبحانه وتعالى·
فوجئنا بخبر موته فهو وعلى الرغم من كبر سنه إلا أن صحته كانت ممتازة فهو يعتني بطعامه وشرابه ويواصل دائماً متابعة احواله الصحية في احدى دول شرق آسيا، فيذهب للفحص سنوياً حتى وان كان لا يشكو من شيء، لديه ثلاث نساء ولكل واحدة منهن بيت كبير وخادمة وسائق لها ولأولادها، لديه أملاك ودكاكين ولديه مزرعة كبيرة يربي فيها الحيوانات المختلفة·
لم يتوقع أحد أن يموت فجأة وهو في مزرعته لوحده، فقد سافر المشرف على المزرعة في اجازة فصار عمي يذهب لتفقد حيواناته فمات هناك في زريبة الحيوانات بالسكتة القلبية وبقي في مكانه ثلاثة ايام دون ان يعلم بموته احد، فكل من الزوجات الثلاث تعتقد بانه ربما يكون عند الاخرى فلا تسأل عنه اي واحدة منهن، وبعد ثلاثة ايام شاهدته أنا في نومي وهو يصرخ ويستغيثني فقلقت عليه وذهبت لاسأل عنه فلم أجده عند اي واحدة من زوجاته فذهبت مع أحد اولاده إلى المزرعة فأكتشفنا بأنه ميت·
سبحان الله، لقد نظرت اليه وهو ممدد في الزريبة والرائحة النتنة تخرج من جسده فتملكني الحزن الشديد من أجله، لقد رحل عن الدنيا وترك كل شيء وراءه، ولم يأخذ معه إلا ذلك الظلم الكبير الذي سببه لنا، بكيت من أجله فهو استغاثني في الحلم بعد ان يئس من ان زوجاته الثلاث وأولاده سوف لن يسألوا عنه حتى لو غاب عنهم ثلاثة اشهر، وان جثته ستبقى مكشوفة لايام اطول دون ان ترتاح في التراب·
انه موقف عجيب غريب جعلني اتغير وأكبر بسرعة، لقد صغرت بعيني هذه الحياة وتفاهاتها وصرت كالعجوز الذي ينتظر الموت في كل لحظة ويسأل نفسه قائلاً: ارجو الا القى ربي وأنا ظالم، بعد ان رحل عمنا إلى جوار ربه عادت الينا حقوقنــا وتحسنــت اوضـــاعنا المادية وصرنا نأكل ونلبس ما نريد مثل باقي الناس·
مرت السنون وتخرجت وتوظفت ولاخلاصي وتفاني بالعمل ترقيت وترقيت حتى اصبحت في منصب احسد عليه، اشتريت منزلاً كبيراً اسكنت فيه أمي مع زوجتي وأولادي، فقد تزوج جميع أخوتي واخواتي واستقلوا عنا·
العاقبة
ما حدث لابناء عمي هو انهم ورثوا عن والدهم اموالاً كثيرة بددوها على التفاهات والعبث فتشتت عائلاتهم وباعوا البيوت التي تجمعهم مع امهاتهم وصارت حياة الامهات كلها شقاءً وتعبا في بيوت الاصهار، وكم من مرة يجىء إليّ احدهم يطلب مساعدتي فاعينه بما يحتاج اليه ثم يذهب ولا أراه مجدداً إلا عند الحاجة·
أجلس مع أمي احيانا فنتذكر ايام المعاناة والجوع في الماضي فنحمد ربنا على النعمة التي نحن عليها الآن، فاقول لها: ان الله يبتلي عباده بالخير والشر، انه امتحان علينا اجتيازه بنجاح، فلقد وفقنا الله لاجتياز الامتحان الاول عندما كنا فقراء ومحتاجين وها هو يمتحننا الآن عندما اعطانا الخير والنعمة·
جاءتنا زوجة عمي التي هي من جنسية أمي، كانت محطمة وتعيسة بعد ان طردها ولدها من منزله بسبب خلاف بينها وبين زوجته ولم يستقبلها باقي أولادها في منازلهم، لجأت الينا بعد ان يئست من وجود مكان يأويها، سألتني امي قائلة: هل تسمح لها بالبقاء عندنا؟ قلت لها بلا تردد: بكل تأكيد ستبقى عندنا، ألم تسمعي بان لا مكان آخر تلجأ اليه؟ قالت: هل نسيت ما كانت تفعله بنا؟ قلت لها: ألم اخبرك بان هذا هو امتحاننا يا أمي؟ قالت: ما اطيبك يا بني كم انا فخورة بك·
توفيت زوجة عمي الثانية أما الثالثة فقد أودعها اولادها في دار المسنين واصبحوا لا يسألون عنها، طلبت من أمي ان تذهب لزيارتها وتعرض عليها العيش في بيتنا ففعلت والدتي ذلك ولكن المرأة رفضت وقالت لامي: ماذا تظنون انفسكم؟ تذكروا بأن العين لا تعلو على الحاجب، هل نسيتم انفسكم؟ افضل الموت هنا على أن اتلقى احساناً من اناس امثالكم·
تأذت امي من هذا الحديث ورفضت ان تزورها مرة أخرى، فعذرت والدتي على موقفها فهي إنسانة ولديها كرامة ولا تريد ان يجرحها أحد·
استغرب واتعجب من سلوك بعض هؤلاء البشر، فهم يصرون على استكبارهم في الارض بشكل عجيب، ألا يدركون بأن هذه الدنيا لا تستحق وانهم سيواجهون حساباً عسيراً بعد عودتهم إلى ربهم؟

اقرأ أيضا