الاتحاد

ثقافة

الحلم.. فاديا قصيباتي

فاديا قصيباتي

فاديا قصيباتي

استيقظت على صوت إبريق الشاي، ضوضاء وإزعاج.. كل أفراد المنزل يتكلمون ببهجة، على الرغم من أن النوم لم يمكث في عينها إلا بضع ساعات بفضل حماسها الشديد.. هذا صحيح فبعضنا لا يستطيع النوم عندما يملأ التفكيرُ ذهنَه، والدتها تنادي بفرح: أيقظوا طبيبتنا، دعوها تتناول الفطور، وَجدّتها تكوي رداءها الأبيض، ببطء دون أن تنسى أي تفصيل، رائحة بخار المكواة منتشرة في أرجاء المنزل، تخرج من غرفتها وتجلس على المائدة بابتسامةٍ عريضة. ليست أيَّ طبيبة، بل طبيبتكم التي ستتخرَّج بمرتبة الشرف!
فيقول والدها: لقد ورثتِ الذَّكاء مني؛ فلا داعي للتباهي الزائد.
تنظر لوالدها وعيناها ممتلئتان بدموع الفخر المختلطة بالألم.
- طفلتك التي ستتخرج طبيبةً اليومَ ستأتي لك بالدواء يا بابا.
الجميع: إن شاء الله.
لم تكن كباقي الأطفال تحلم بأن تكون طبيبة، بل كانت تهوى الرياضيات والفيزياء، وتضع في مخيلتها صورة فتاة مع قبعة صفراء تعمل تحت أشعة الشمس، وتشرف على الأبنية في طور إنشائها، إلى أن جاء ذلك اليوم عندما سقط والدها غائباً عن الوعي نتيجة لمرض في القلب.
أخبرهم الطبيب، أنه بحاجة إلى عملية شديدة الخطورة تحتاج إلى مهارة عالية ودقة، ولا يوجد في مستشفاهم من يقوى على القيام بها، لهذا وضعت على عاتقها أن تدرس إلى أن تصبح هذا الطبيبَ الذي يعالج والدها، فهم ليسوا بحال ميسورة كي يدفعوا تكاليف العملية، وإن وجد الطبيب فهي بحاجة إلى المال.
ارتدت حذاءها الذي جهزته منذ أيام، ولبست رداءها الأبيضَ، والدنيا لا تسع سعادتها؛ فبعد أعوامٍ من التعب والسهر والاجتهاد وصلت لهذا اليوم؛ يوم تخرجها.
وقف الجمع في قاعة التخرج.
- طلبة الطب استعدوا لإلقاء القسم. أُقسمُ باللهِ العَظِيم.. أن أراقبَ اللّه في مِهنَتِي، وأن أصُونَ حياة الإنسان في كافّةِ أدوَارها، في كل الظروف والأحوال، باذِلاً وُسْعِي في استنقاذها مِن الهَلاكِ والمرَضِ والألَم والقَلق. وقف الطلبة لأخذ شهاداتهم، ذُكر اسمها مرفقاً بجملة (الأولى مع مرتبة الشرف) فخفق قلبها بشدة.. مشاعر السعادة والتوتر والفخر غمرتها.. صعدت وأصوات أصدقائها وأسرتها تعلو، والداها لا يستطيعان إخفاء علامات الحب والفرح المرتسمةَ على وجهيهما؛ نعم ها هي طفلتهما الصغيرة قد كبرت، وأصبحت الأمل الذي سينير حياة الكثير من الناس. أصوات، ضوضاء وصخب، ابتسامات وتصفيق، أخذت الشهادة التي لطالما تخيلتها في الليالي حين سهرت واجتهدت، كان الحلم بهذه اللحظة هو الدافع لها في الوقت الذي يمس التعب فيه قلبها، وعندما نزلت من المنصة إذا بهدوء قاتل يغطي المكان، فقدت حواسها لثانيتين، ثم نظرت من حولها، فإذا بالحضور ينقض كأسراب الحمام ويتجمعون، ولكن لا يمكنها أن تسمع شيئاً! نظرت فإذا بها ترى نفسها مستلقية، والجميع من حولها يبكي بحسرة.
«لم ترث ذكاء والدها فقط.. بل ورثت مرضه أيضاً»!

اقرأ أيضا

جمعية المسرحيين تطلق الدورة الثالثة لجائزتها