الاتحاد

دنيا

سلون وويلش رائدا فن تنظيم وإدارة المؤسسات والشركات الكبرى

قطبا حكاية النجاح (جرافيك الاتحاد)

قطبا حكاية النجاح (جرافيك الاتحاد)

الإدارة والتسيير هي فنّ معقّد يحتاج إلى قدرة خارقة على الربط بين مجموعة كبيرة من العناصر المتشابكة والمعقدة من أجل التوصل إلى صنع قرارات صائبة يمكنها أن تكفل النجاح وتضمن تحقيق التطور المنشود· وإجادة هذا الفنّ تتطلب توفر مَلَكة غامضة وموهبة خارقة في الشخص الإداري تسمح له بتحقيق نوع من الانسجام بين عناصر العمل والأهداف المرسومة له·
ويجمع الخبراء الذين جنّدوا أنفسهم لدراسة الصفات الشخصية للمدراء والمسيّرين الناجحين على أنهم كانوا في الكثير من الأحيان سبباً في تحويل شركات صغيرة إلى مؤسسات اقتصادية عملاقة لها وزنها في اقتصادات العالم· وهناك الكثير من الشركات التي وسعت نشاطاتها أو غيّرتها تماماً بأساليب وطرق مثيرة اعتمدت أساساً على دهاء مدرائها ومسيّريها· ومن ذلك مثلاً أن فريقاً من الإداريين اليابانيين الناجحين تمكنوا من استغلال ابتكار خرج به حرفي ياباني لأول قدر كهربائي لطبخ الأرز فأسسوا شركة بسيطة لصنع الأدوات المنزلية كتب لها أن تحقق من سرعة التطور، ما جعلها تتحول بسرعة عجيبة إلى شركة رائدة في إنتاج الأدوات الكهربائية والإلكترونية والموسيقية والسينمائية تحت اسم (سوني) التي تعد الآن من بين أضخم الشركات في العالم·
ويأتينا المثال الآخر من أميركا ذاتها حيث بدأت إحدى الشركات الصغيرة أعمالها في صناعة تلحيم الآلات، لتنتقل بعد ذلك إلى صناعة أجهزة تخفيض أوزان المصابين بالبدانة، وراح مديروها الناجحون يعملون على تطويرها حتى بدأت بصناعة رواسم الاهتزاز المهبطية المستعملة في صناعة شاشات التلفزيون التقليدية في أعوام الستينات، إلى أن أصبحت واحدة من أكبر شركات إنتاج الكمبيوتر في العالم، وهي التي تعرف اليوم باسم ''هيوليت باكارد''·
ويكمن سر نجاح هذه الشركات أساساً في أنها عرفت كيف تختار مديريها ومسيّريها من ذوي القدرة الفائقة على التنظيم والتخطيط وفهم واقع الأسواق·
ومن خصائص المدير الناجح، أن يكون قادراً على الإجابة عن السؤال الصعب: أين تختبئ الفرصة المقبلة للنمو؟
ففي عالم صناعة الوجبات السريعة المسعور، بقيت شركة ''ماكدونالد'' العالمية تستأثر بأقوى علامة مميزة في هذه الصناعة على الإطلاق، وكتب لها أن تحتكر أكبر نصيب من عوائد السوق، وفازت بالصيت الأشهر من حيث جودة منتجها بفضل حنكة ودهاء مسيّريها· ومع ذلك، فقد توصل أحد المحللين الاقتصاديين من خلال دراسة ميدانية أجراها في منتصف عقد التسعينات من القرن الماضي إلى نتيجة تفيد بأن ماكدونالد بدأت تفقد بريقها ومواقعها في السوق بعد أن تسلمت دفة القيادة فيها إدارة جديدة قررت التخلي عن الاهتمام ببيع الهامبورغر ذي العائد المرتفع من أجل بيع الدمى وألعاب الأطفال ذات العائد المنخفض·
ويرى بيل جيتس الذي يعدّ من كبار المحللين الاقتصاديين في عصر المعلومات، أن السبب الحقيقي الكامن وراء غفوة شركة ماكدونالد في التسعينات، يعود بدرجة أساسية إلى عدم نجاح مسيّريها في ذلك الوقت الحصول على المعلومات الدقيقة والحقائق الكافية حول إمكاناتها الذاتية وما يجب أن تقدمه إلى الزبائن والأسواق· وفي غياب هذه المعلومات الدقيقة، يصبح اتخاذ القرارات نوعاً من الضرب في الغيب·
ولقد كتب لعدد قليل فحسب من مديري الشركات والمؤسسات في العالم أن يحققوا شهرة عالمية في فنون الإدارة والتسيير خلال القرن الماضي؛ لعل من أشهرهم ألفريد سلون، حلاّل المشاكل في شركة جنرال موتورز والذي أصبحت تجربته الإدارية الناجحة في هذه الشركة العملاقة مدرجة في صلب المناهج الجامعية بالولايات المتحدة، وجاك ويلش الذي يعد واحداً من أشهر الإداريين المعاصرين، وهو صاحب كتاب (النجاح) الذي يعرض فيه لتجربته الكاملة في المجال الإداري·
أهمية المعلومات في فكر ألفريد سلون
يقول بيل جيتس في كتابه ''العمل وسرعة التفكير في عصر النظام العصبي الرقمي'': (تكمن الخطوة الأولى للنجاح الإداري بالالتزام بهدف موضوعي مبني على المعلومات والحقائق)· ثم يضيف إلى ذلك قوله: (وهذا المبدأ المهم، الذي يسهل التحدث عنه بقدر ما يصعب تنفيذه، موضح في أفضل كتاب حول شروط النجاح الإداري بعنوان ''سنواتي في جنرال موتورز'')·
وهذا الكتاب المهم الذي يشير إليه جيتس من تأليف ألفريد سلون جونيور، ونشر للمرة الأولى عام 1941 وأعادت دار فايكينج للنشر طبعه في نيويورك عام 1991 بعد أن دعّمته بتوطئة لاقتصادي شهير يدعى بيتر دراكير· وفيه يعرض سلون لتجربته الشخصية التي استخلص منها الأهمية العظمى لامتلاك المعلومات واستخدامها بطريقة إيجابية في تحقيق النجاح الإداري الساحق·
وخلال فترة عمل سلون الخصيبة كمدير تنفيذي بين عامي 1923 و،1956 أصبحت جنرال موتورز واحدة من أكبر منظومات العمل وأكثرها تعقيداً في الولايات المتحدة، وكما باتت الشركة الرائدة في صناعة السيارات على المستوى العالمي من دون منازع·
وكان أول ما تفهمه سلون هو أن على الشركة أن تتجنب تبني الاستراتيجيات أو المشاريع المبنية على الطموح الزائد إلا بعد تحكيمها إلى الحقائق والإمكانات الواقعية لموظفيها· ولقد بنى مفهومه الناجح لتنظيم العمل من خلال التعاون الشخصي مع فرق التقنين والعمال في مصانع تجميع السيارات، ومن زياراته الشخصية المنتظمة للمنشآت التقنية للشركة·
ويُعزى تفوقه الأساسي، ونجاحه اللافت كمدير، إلى طريقته الناجحة في تأسيس علاقات جيدة مع وكلاء جنرال موتورز في الولايات المتحدة· وكان لا يتوقف عن جمع المعلومات منهم ليبلورها في علاقات إنتاجية ناجحة للشركة ذاتها· وخصص لهذا الغرض سيارة مكوكية مجهزة بشكل خاص لتكون مكتبه المتنقل· وكان يقطع بها البلاد طولاً وعرضاً وهو يزور ما بين خمسة وعشرة وكلاء كل يوم· ولم يكن يبتغي من وراء ذلك مجرد معرفة ما كانت جنرال موتورز تبيعه لوكلائها، بل كان الأهم من ذلك هو الوقوف على مقدار ما كان يبيعه الوكلاء للزبائن· واستنتج من زياراته في أواخر عقد العشرينات بأن صناعة السيارات كانت تتغير؛ وأن هذا التغير يتطلب تغيير جوهر العلاقة القائمة بين الشركة ووكلائها وزبائنها·
ويقول سلون في كتابه إنه توصل من هذه الزيارات المكوكية إلى نتيجة تفيد بأنه أصبح من المهم رفع مستوى الشراكة بين المصنع والوكيل· وأنشأ لهذا الغرض ''مجلس الوكلاء'' الذي يجتمع بانتظام مع كبار المسؤولين التنفيذيين للشركة من أجل تدارس شكاوى الوكلاء ومشاكلهم، ولإنجاز الدراسات الاقتصادية التي تسمح بتحديد أفضل الأماكن لتأسيس الوكالات الجديدة· وذهب سلون إلى حد تبني سياسة جديدة تقدم الشركة بموجبها الدعم المالي للتجار المقتدرين من النواحي التقنية والعاجزين من النواحي المادية، لإنشاء الوكالات الجديدة الناجحة·
وبالرغم من فعالية هذه الإجراءات كلها، فلقد بقي من الصعب الحصول على المعلومات الدقيقة المتعلقة بالمبيعات التي بقيت أرقامها متضاربة لا تقدم مداخل واقعية لفهم الحقائق، وتصل متأخرة جداً، ويعوزها الشمول· وكتب سلون يقول: (وعندما يسجل أحد الوكلاء فشلاً في تحقيق العوائد، كنا نفتقد لطريقة مناسبة تسمح لنا بمعرفة ما إذا كان هذا الفشل ناجماً عن وجود عيوب في السيارات الجديدة التي تصنعها الشركة أم عن مشكلة توفر السيارات المستعملة بكثرة في الأسواق، أم عن مشكلة التقصير في الخدمة والصيانة، أم نتيجة عدم توفر قطع الغيار· وبات في حكم المستحيل وضع أية سياسة مدروسة وعملية للتوزيع مع غياب المعلومات المتعلقة بهذه الحقائق الهامة)· وقال سلون بأنه سيكون سعيداً بدفع ''مبلغ طائل''، وسوف يشعر ''بالحكمة في فعل ذلك''، لو تمكن من الحصول على هذه المعلومات· وكان على يقين من أن مساعدة الوكلاء في الحصول على المعلومات ''ستكون أفضل استثمار لجنرال موتورز على الإطلاق''·
ومن أجل تأمين هذه المعلومات المهمة، عمد إلى تأسيس ''نظام التدوين الموحد للحسابات'' في منظومة جنرال موتورز ووكالاتها كلها· وأصبح في وسع أي وكيل أو موظف، وعلى أية درجة يتمتع بها من المسؤولية، أن يدرج الأرقام ويصنفها بالطريقة الدقيقة ذاتها· وفي أواسط عقد الثلاثينات، أصبح في وسع الوكلاء وموظفي قسم إنتاج السيارات، إنجاز التحاليل المالية المفصلة باستخدام الأرقام المدونة ذاتها· وامتدت بذلك إمكانات قسم التوكيل، لا إلى مجرد الوقوف الصحيح والحقيقي على الأداء العام للشركة فحسب، بل وحتى إلى إمكانية التقييم الدقيق لأداء كل وكيل بمفرده ومعدل الأداء العام لمجموع الوكلاء·
وهكذا، قادت هذه البنية التحتية التي وفرت المعلومات الدقيقة، إلى تأسيس منظومة عمل تمتلك من القدرة الكبيرة والسريعة للاستجابة إلى الظروف المستجدة في الأسواق ما لم تتمكن من امتلاكه أية شركة أخرى صانعة للسيارات في أميركا إلا بعد بضعة عقود·
جاك ويلش ·· قصة مع النجاح الإداري السريع
وإذا قسّمنا تاريخ تطور الفكر الإداري إلى مرحلة ما قبل وما بعد اختراع الكمبيوتر وانطلاق ثورة المعلومات، فإن جاك ويلش يقدم لنا الوصفة الحديثة للنجاح في عصر المعلومات من خلال كتابه (الربح) Winning الذي صدر عن دار هاربر كولينز في نيويورك عام ·2005
ويعرض ويلش في كتابه بكل بساطة لتجربته في تعلّم أساليب تحقيق الربح السريع خلال عمله لفترة أربعين عاماً مديراً عاماً لشركة جنرال إلكتريك الأميركية· وكان خلال هذه الفترة الطويلة يقود الشركة وفروعها عبر العالم من نجاح إلى آخر وعاماً بعد عام إلى أن تمكنت من الانتشار في كل الأسواق العالمية مثلما تنتشر بقعة حبر عندما تنسكب على الورق النشّاف·
وكان ويلش بارعاً أيضاً في قهر المنافسين التقليديين لشركته وإخراجهم من الأسواق· وأصبحت أساليبه في الإدارة والتسيير التي يشرحها في كتابه، منهجاً يدرّس في الجامعات والمعاهد المتخصصة في الولايات المتحدة وبعض الدول الأخرى وخاصة منها الناطقة بالإنجليزية· وقال بيل جيتس في وصف إنجازاته: (لقد تمكن ويلش من وضع تعاليم ووصايا إدارية ذات قيمة توزن بالذهب في شؤون الإدارة والتسيير· ولقد أصبحت قواعد لا جوز الحيود عنها لكل مدير يبتغي النجاح في عمله)·
واشتهر ويلش باهتمامه الشديد بدراسة توجهات الناس وأساليب إدارة فرق العمل، والبحث المدقق في طرق تحقيق الأرباح· ومنذ أحال نفسه على التقاعد عام 2001 كرئيس لشركة جنرال جنرال إلكتريك وكمدير تنفيذي لها وحتى الآن، لم يتوقف عن السفر والترحال عبر العالم أجمع· وتحدث خلال هذه الفترة التي فاقت السبع سنوات مع ما يزيد عن 250 ألف إنسان من ذوي الجنسيات والتوجهات والمعتقدات المختلفة، وكان يجيب عن أسئلتهم واهتماماتهم حول أساليب وشروط تحقيق النجاح في أداء الأعمال التنظيمية والإدارية·
وعندما عمد إلى مراجعة وتحليل هذه الحوارات الثريّة، لاحظ منها مدى تعطّش الناس إلى دليل يرشدهم للطرق المثلى في الإدارة الناجحة· وقرر أن يدرجها في كتاب يمكن أن يعدّ مرجعاً جامعاً لا غنى عنه لفهم أصول وقواعد الإدارة الحديثة الناجحة ويمكن أن يبقى دليلاً للأجيال المقبلة· وهكذا ظهر كتابه القيّم (الربح) الذي يقول فيه بيل جيتس أنه يضع الإجابات المناسبة عن كافة التساؤلات التي يمكن أن تتوارد إلى أذهان مدراء المؤسسات والشركات مهما كانت وظائفها أو نشاطاتها

اقرأ أيضا