صحيفة الاتحاد

الملحق الثقافي

النّهمة أوديسا البحر

يشكل الطرب البحري جزءا مهما من فنون عالم البحر وتقاليده، وقد وجد هذا اللون من القول والأداء في نفوس البحارة والنواخذة في الإمارات بوجه خاص، ومنطقة الخليج العربي بوجه عام، كل اهتمام وتقدير، نظرا لما له من تأثير على رحلات الغوص وغيرها من النشاطات التي تجرى في عرض البحر، وبخاصة في شهر سبتمبر من كل عام، حيث يعتبر مناسبة لانطلاق النشاطات البحرية في مختلف أرجاء الإمارات.
والطرب البحري كما يعّرفه المختصون في هذا المجال هو فنّ (النّهمة) بتشديد النون وإسكان الهاء، وتبعا لذلك يسمى المطرب البحري بـ (النّهام) بتشديد النون والهاء، أما الجمع فهو (النّهامة) بتشديد النون والهاء. هنا يمكن القول إنه لا يمكن لأي نمط من أنماط الغناء البحري أن يكون متكاملا من دون هذا (النّهام)، الذي يعتبره أهل السفن عنصراً رئيساً  وأساسياً لتشكيل هذا النوع من الفنون الشعبية، بل هو المحور والركيزة التي يقوم عليها الغناء وأداء بقية البحارة على متن السفينة، فهم الجوقة أو الكورس، أو قل الكورال بمفهوم العصر، بترديدهم لكل ما يؤديه النّهام، وهو يحثهم ويشجعهم على مواصلة طريقهم خاصة في رحلات الغوص القديمة، التي كانت تستمر لعدة أشهر. ولهذا كان من الطبيعي أن يتسابق (النواخذة) في اجتذاب النّهامين الجيدين من ذوي الخبرة والمهارة والصوت القوي العذب، بجانب مقدرته وبراعته في التخفيف عن البحارة أثناء رحلتهم ومشاركتهم له الغناء والترديد، بما ينسيهم المشقة، ويساعدهم على تحمل التعب والمكابدة، وكلما كان غناء النّهام جميلاً، كلما زاد حماس البحارة  في إنجازهم لعملهم ورحلتهم البحرية، فيما يتراوح عدد النّهامين على متن السفن الكبيرة ما بين اثنين إلى أربعة، وأحيانا يصل العدد إلى ستة نهامين يستطيعون بغنائهم تحويل السفينة إلى احتفالية بحرية يتردد صداها عبر عباب البحر، وقد تشاركهم هذه الاحتفالية الشعبية التراثية مجموعة من طيور النوارس المحلقة في محيط المكان، والتي تضفي عادة على مثل هذا المنظر البديع أجواء تمتاز بالحركة والقوة، حينما يتعالى صوت النهام بترديده (هو يا مال).
النهمة إذن هي غناء يواكب سير العمل على السفينة، وهي فن مقصور على البحر والبحارة أو المجتمع البحري بشكل عام، ويحتوي على أغان من نوع اليامال والخطفة والمداوي والفجري، والأغاني والأهازيج الشعبية الخفيفة التي تخضع لقواعد محددة، وكذلك أغاني الزهيري والموال وترانيم واستهلال وأدعية، كلها تدخل في هذا اللون من الغناء البحري الذي يقوده (النّهام) لتحقيق الصيد الوفير من رزق البحر، والعودة الغانمة إلى أرض الوطن والأهل، إنه غناء له خصوصيته، يكشف عن مدى شوق البحارة لزوجاتهم وأبنائهم وجيرانهم في الفريج (الحي) الذي يقطنون فيه. إنها حالة اجتماعية إنسانية تشكلها هذه النوعية من الفنون البحرية، التي حددت أيضا جانبا واضحا من ثقافة البحر الممتعة والثرية في ذات الوقت بروح الأصالة، وما يرتبط بها من عادات وتقاليد المجتمع البحري في ذلك الوقت.

الأصدح صوتاً
في معظم سفن الغوص على اللؤلؤ، وسفن السفر والنقل البحري يكون النّهام حاضرا بقوة، وله مواصفات ومميزات ومهارات خاصة تجعل من البحارة والنواخذة يتنافسون على النهامين الممتازين، فنراهم يكرمونهم ويقدرونهم أيما تقدير، وغالبا ما يكون لهم نصيب خاص من المال كترجمة لهذا التقدير نظرا لما للنهمة من تأثير في نفوس البحارة والعاملين على ظهر السفينة أو المراكب المخصصة للصيد والسفر، غير ذلك يجب أن نذكر أن النّهام رغم كل ما يلقاه من حب وتقدير مالي، فإنه معرض على الدوام للإصابة بالحمى أو الزّكام بسبب المجهود الكبير الذي يبذله لمدة طويلة خلال رحلة الغوص يكون فيها الغناء بشكل يومي. وقد قيل في الأمثال الملاحية (بخت النّهام صوته)، ويعني المثل أن النهام بصوته العذب يثير طاقات البحارة ليعملوا بكل جهد وإخلاص، وبكلماته الرقيقة المعبرّة تتراقص قلوبهم ويذوب كل عرقهم وتعبهم. مثلما كان النوخذة يبحث وينتقي بحارته الأشداء وغواصيه المهرة المحترفين وبقية أفراد طاقم سفينته، كان على الدوام يختار النهام الأصدح صوتاً، وأشجى نهمة وإثارة للبحارة.
يظهر لنا من معنى النهمة أنه قريب من (الحداء)، وهو لون معروف عند العرب منذ القديم، وهو ذلك الغناء المخصص لقافلة الإبل كي تجّد (تسرع) في سيرها عبر رمال الصحراء. وإذا كان (الحادي) عذب الصوت، فإن الإبل تسير سيرا حثيثاً. في كتابها «الإبل في الإمارات» تذكر «فاطمة مسعود نايع المنصوري» في صفحة 115، أن الحداء في اللغة هو رفع الصوت في الحداء، فيقال: (ما أملح حداءه) أو حدا الإبل وبالإبل: ساقها وغنّى لها، فهو حاد جمع حداة، والحادي هو الذي يسوق الإبل ويتغنى لها، فالمقصود بالحداء إذن في هذا المقام هو الغناء للإبل أثناء سيرها. أما بالنسبة للحن الحداء فهو لحن يتناسب مع سير القافلة الانسيابي بإيقاع منتظم، ولا تستخدم فيه أية آلات موسيقية، لذلك نلاحظ أن لحن الحداء لا يتقيد بلحن واحد، بل تتعدد ألحانه حسب المؤدي وقدراته على إظهار الصوت.
إذا للحداء أثر بالغ على سير الإبل، فالشاعر «محمد بن حيي الهاملي» بيّن في مطلع قصيدة من قصائده أثر الغناء على سير الإبل، فهي تسير بمجرد ما غنّى لها صاحبها، فلا تحتاج لضرب بسوط أو عصا لكي تسير، ويقول الشاعر:

يا راكب اللي غنّا راعيه مكفنه
                ما يحتمل ضرب سوط ودقّ كيعاني

في هذا السياق يمكننا القول إن لفظة النهمة (الطرب البحري)، مشتقة من النهم &ndash زجر الإبل، أي تصيح بها كي تجّد في السير. من جانب آخر، إذا كان الحداء لحثّ الإبل على السير في الصحراء، والنهمة لحث البحارة على العمل في البحر، فإن كلا العملين: عمل الإبل ، وعمل البحارة، عملان متعبان ومهمان جدا لدى مجتمع منطقة الخليج بأسرها، حيث يتمتع هذين اللونين من الفنون بخاصية استثنائية، تجعل منهما مفردتين مهمتين في الموروث الشعبي.

النهمة.. ثلاثة أنواع
النهمة في أبسط صورها تنقسم إلى ثلاثة أنواع هي:
- الأول: اليامال.. وهو نوع من الغناء يختص بالسرد الإلقائي على ظهر السفينة وخارجها.
- الثاني: الخطفة.. وهي نوع من الغناء يختص برفع أشرعة السفينة لإبحارها باتجاهات مغايرة. بمعنى ثان تعني الخطفة رفع الشراع إلى أن يصل أعلى الدقل ويسمى (القب)، وكلما ارتفع الشراع باعا أنزلوه ذراعاً، ومع النهمة  هناك صفقة (تصفيق) قوية بالأيدي، حيث يحدث  مثل هذا الصوت حماسة في نفوس البحارة، فيواصلون عملهم بلا كلل.
- الثالث: الحدادي.
يتميز نوع ولون (اليامال) عن غيره من النهمات البحرية بروحه الجماعية وإثارته للمشاعر، فكلمة «يامال» هي نوع من التعبير الجماعي عما يجيش في نفوس البحارة وما يختزنونه من شوق ووجد ومكابدة ولهفة لرؤية أهلهم وأحبابهم والنجاة من مخاطر البحر، فهم حينما يرددون (ياهي يا مال) و (ياشي يا مال) فإنما يعبرون عن الأسف والتلهف والحزن، وهذه  عادة ما تتم بطريقة السرد الإلقائي. اليامال أيضا له أقسام عديدة مثل: يا مال بدينة، ويا هي يا مال، ويا ما محرقي، ويا مال سماري، ويا مال راكد، ويا مال مالي.  كل هذه العناصر مجتمعة تشكل صورة للمصير المشترك الذي يجمع الكل على ظهر السفينة، لتكون أصوات الجماعة وحركاتها المتناسقة إيقاعا وصوتا وحركة، وفي إطارها يخرج النّهيم و(اليامال) عميق الإحساس والأثر، ينبعث من الشعور الحزين بالغربة وطول الفراق، لكي يتخلص من خوف وفزع وقلق، وبفطرة اللاشعور الجمعي ينطلق اليامال من نوع الزهيري حينما يرددون على ظهر سفينتهم:
دمعي اتحدر على وجناي، استاهل
وهذا جزا من رابع الأنذال يستاهل
رابعت بدر ذهب واليوم فضة قلب
يحق لي لأسطر الاوجان ويا القلب
وان كان هذا، وهذا ما غد لي قلب
أنا الذي استحق الصلب واستاهل

هذه المشاعر وغيرها الكثير، تعجّل لدى الراكب إلى البحر شوقه للعودة، ولكن لا حل ّإلا في الأحلام والشعر والفن، فيقوم الفرد ضمن الجماعة بترديد لحن (ينهمه) يتردد في الأجواء ليرتد بدوره راجعا كأصداء عميقة مضخمة، مملوءة قوة، كقولهم:

سبع حبّات موزونة
يا من خدوده بماي الورد معيونة
انتو تمرون على الميت وتحيونه

 أما الخطفة فتنقسم إلى عدة فروع مختلفة في الضرب والغناء أهمها: (خطفة العود) و(خطفة دواري القلمي) و (خطفة الجيب)، وخطفة الكابيه، وخطفة البومية، وخطفة الشومندي.  وهذه المسميات تطلق على الأشرعة بحسب مقاييسها من (العود) وهو الشراع الأكبر لتنتهي إلى (الشومندي) وهي أصغر الأشرعة حجماً، وهذه ترتفع على (دقالة) السفينة حاملة هذه الأشرعة، كما تطلق على (الدقل) نفسه كقولهم: الدقل العود، والدقل القلمي، وهكذا من كبيرها حتى صغيرها. ولكل خطفة شراع أو إنزال شراع من أشرعة السفينة نوع خاص من الاصطلاحات، بجانب ما يصاحب ذلك من ضرب إيقاع وغناء وتصفيق معين يماثل ما يقدمه البحارة على ظهر سفينتهم أثناء أداء النهمة من هزَ للأكتاف وحركة الرؤوس وطرقعة الأصابع،  تتناسب وحركة الضرب بالقدم، وبمشاركة ما يصدر عنهم من النحب والهمهمة لخطف الشراع وارتفاعه للمكان المناسب لدفع السفينة نحو جهة معلومة، في الوقت الذي يقوم فيه بقية البحارة بخطف بقية الأشرعة لتزداد بذلك بهجة النهمة والأهازيج البحرية التي يقدمها البحارة في رحلتهم.
في نهمة الخطفة يستخدم البحارة شعرا يطلقون عليه اسم (المويلي) وهو تصغير لكلمة (موال). وعادة ما يبدأ البحارة أداء المويلي بالدعاء والتوكل على الله سواء أكان ذلك في جرّ المجاديف، أو في نهمة الخطفة، أو غير ذلك من الأعمال التي تتطلب مثل هذا النوع من الغناء كقولهم عند بدء العمل في الصباح:

يا لله صباح المبارك
لنا وللمؤمنين
اشفع لنا يا محمد
يا سيد المرسلين
يوم الحشر والقيامة
اشفع لنا كل حينه
اشفع لنا بالشدايد
يا مول الغايبينه
يا مولي وأنت مول
يا للي عليك التوكل

وهكذا يتناوب النهامة الغناء المرسل على ظهر سفينتهم، مبتدئين بالدعاء والتوسل وطلب الحماية والنجاة، فيما يردد البحارة من ورائهم (النّحب) ومواصلة العمل، لتأخذ السفينة طريقها مجتازة الأمواج وخطورة البحر، في عبارات كلها تفاؤل وأمنيات خير تبعد عن النفس الإحساس بالتعب والخوف والقلق من المصير المجهول. ومن ذلك ما يردده النهامون من كلمات في طلب الرزق الوافر، ومن تلك النهمات التي يعرفها أبناء الخليج، وبخاصة بحارة الكويت  حينما يطلبون من خلالها الصلاة على النبي محمد صلى الله عليه وسلم كقولهم:

صلوا على النبي
ربي كريم ستّار
تعلم بحالي والسرار
سبحان ربي هدانا
اللي هدانا على الدين
إحنا ضعاف مساكين
مولاي نظرتك بالعين
توفي دين علينا
توفي ديون الثقالي
الأولى والتوالي
يا موفي الدين يا الله

أما الحدادي فأقسامه هي الشبيبي والياملي والسيملي وجفت الشراع، والحدادي الحساوي، والحدادي الحجازي، والمسروق، والسنكني، والفجري، ولمة الجيب. وهي بمجملها لغة أهل البحر، حيث يفهمون اصطلاحاتها ومعانيها المرتبطة بحياة البحر على وجه العموم. والحداد كما يقول العرب هو (البحر)، وهذا النوع من الغناء، وإن اختلفت فيه بعض الضروب وتباينت فيه الأسماء، إلا أنه يشكل وحدة فنية قائمة بذاتها تندرج تحت قائمة ما يعرف بـ (الفنون البحرية الخفيفة).  وفي هذا اللون أيضا ثقافة شعبية متوارثة تعلمتها النساء والزوجات من ظروف البحارة وقسوة معيشتهم في رحلاتهم المريرة المضنية، فنراهن قبل انطلاق السفينة إلى ماء البحر، يقفن مرددات:
يا نوخذتنا لا تصلب عليهم
ترى حبال الغوص قصقص ايديهم
يا ليتني خيمة وأخيم عليهم
يا ليتني ادهينه وأدهن ليديهم
ما تخاف من الله يا بحر
يا اللومي هات بن رومي
يا الدانا هات شملان من أذانه

هذا الفن البحري يأتي في الغالب على شكل مقطوعات قصيرة تأتي في الغالب من بيتين، وتلتزم كل قطعة قافية، وتتغير هذه القافية بتغير المقاطع، وقد تختلف نغمات الحدوة حسب المواقف والظروف، ويؤدى فن الحدوة البحرية في مواسم الغوص أثناء سير السفينة من هير إلى هير، حيث يبدأ أحد الرجال بالنهمة ثم يتبعه زملاؤه بترديد نفس الكلمات ، ومن حدوات صيادي اللؤلؤ:

قاطع خور الجزيرة قصى رجلي الخالوف
كيف الفكر والحيلة في الدرب وين أطوف
يا أبو الحكم في الديرة تباشروا به ناس
من طير البنديره ثم العدو جرناس  

مفردة (البحر) لها خصوصية واضحة في الثقافة الشعبية الإماراتية، وقد صقلت هذه المفردة الصغيرة في حروفها، والكبيرة في معناها ودلالاتها مظاهر الفنون الشعبية المحلية، ومن يتابع احد السباقات البحرية التي تنظم في الإمارات يجد تلك المهرجانات البحرية التي تجمع مئات البحارة والنواخذة من كافة إمارات الدولة، حيث يحتل الغناء الشعبي البحري مساحة كبيرة من احتفالية الناس بالبحر، وتتنوع أشكال الفنون الشعبية في ذات الطابع البحري وبخاصة الأهازيج والنهمات البحرية، ومن ذلك ما يعرف لدى أهل البحر في الإمارات بـ (التقصيرة) وهي من أغاني وأناشيد أهل البحر، وهي أيضا (شلاّت) يغنيها الواحد تلو الآخر، وترد عليهم المجموعة بما يشبه الكورال في الأغاني الشرقية، وهي أبيات شعر قصيرة محدودة الكلمات. من أغاني وأناشيد التقصيرة :
يا ربعنه تقصيرة والعوف بدل غيره
كركونه يحييونه ويصيد ويحلينه

ومن هذه الأشكال أيضا (الهولو) وهي لازمة يرددها البحارة وهم يسحبون أشرعة سفينتهم، حيث يرددون بصوت هادر:

هولو ... يا سيد المرسلينا
هولو ... واشفع لنا
هولو ... في كل حينا

أما (جرّ الماشوه) فهو الشكل الثالث من هذه الفنون البحرية، وهو ذلك الغناء الذي يؤديه البحارة على  إيقاع مجاديف القارب الذي ينقلهم من السفينة الراسية بعيدا على الشاطئ والمجاديف ترتطم بالماء، وهو غناء يكثر فيه الحمد لله وشكره على سلامة العودة وهدايته لهم عبر أنواء البحر الهائج، والصلاة والسلام على النبي محمد صلى الله عليه وسلم. ويستخدم في غناء «جرّ الماشوه» البوق ، كما يستخدم طبل يضرب عليه رجلان استعدادا للجر والوصول إلى الشاطئ.

العرضة على السفينة
من الأنواع الأخرى المحببة لدى البحارة والنهامين نوع يطلقون عليه اسم (العرضة على السفينة)، وهي واحدة من فنون النّهمة، ويؤدي العرضة أو «العيالة البحرية» العاملون على السفينة يقودهم النَهام، معلقا في رقبته طبلة متوسطة الحجم اسطوانية الشكل ذات وجهين، يدقّ عليها ليعطي الإيقاع المناسب، وتتخللها حركات تعبيرية تمثل تمايل السفينة فوق الأمواج وإلقاء الصيادين لشباك السمك في الماء، ثم سحبها بعد الغواص، ثم شدّهم للحبل عند خروج الغواص من قاع البحر بعد جمع أصداف المحارة. تمثل رقصة العرضة البحرية صورا عديدة من حياة البحر والبحارة وهم يحملون الصواري وأقلعه السفينة وأشرعتها أو عملية التجديف، وينسجم فيها اللحن مع الإيقاع  والغناء، ومع توالي موجات البحر الواحدة تلو الأخرى وتكسّرها عند الشاط
في مهنة البحر هناك مظاهر التوديع عند بداية مواسم الغوص، حيث ينطلق نهام كل سفينة بنهمته البحرية، ومن ورائه يردد البحارة وهم يجدفون لمعاونة الأشرعة، تتبادل الردات ما بينهم وبين الأهالي المودعين على الساحل (السيف) فتنشد الرّدات في هذه المناسبة، وهي تختلف ضمنا عن الردات الخاصة بالاستقبال، وهناك نهمات متعددة ومتنوعة منها ما ردده النهام الإماراتي «جمعة بوسماح»:

النّهام: يا رب صلي على أحمد
ردّة المجموع : بابو هويه  لا تترجم إلا: يابو &ndash هوو &ndash ييه)

وتستمر النهمة مع ردّاتها، حتى يبتعدوا وهم يقومون بعملية التجديف، أو العمل على السفينة بما يتوافق ونغمة وإيقاع النهمة، تماما مثلما يقومون بـ (الخطيفة) يرددون  نوعا من أنواع (الشيلة)  كقولهم:

المجموعة: دوّار يا شامي
دوّار دوّار
دور يا دوّار شامي

ويتكرر هذا المقطع مرارا حتى نهاية فعل العمل مع إضافات، وكما نرى في هذا القول:

المجموعة: شقوني، شقوني/ ساروا ولا دعوني/ ساروا بحفظه وسلامه
       وأنا الغريب الي تركوني/ الغريب لي من تغرّب
المجموعة : يابو هويه... (حتى النهاية)  

وتعبر هذه الأبيات عن هموم وأهوال السفر إلى البحر لمدة طويلة بين لسان حال المسافر وأهله.

أم دّويس
نظرا لأن حياة البحر قاسية في أهوالها، علاوة على قسوة العمل وجوره، فإن النزول إلى الأعماق حيث الظلام الدامس والمصير المجهول ووحوش البحر، خلقت قصصا غريبة، تطوع بإبداعها بعض النازلين إلى الأعماق بقصد أو بغيره من خيالات اليقظة بفعل الرهبة والخوف. أو هؤلاء الذين أرادوا من وراء مثل هذه الحكايات تخويف البحارة أنفسهم لسهولة السيطرة عليهم، ومن شخصيات هذه الحكايات شخصية (أم الدّويس). وتحكي قصة شخصية خرافية ابتدعها الخيال، وارتبطت بحياة المجتمع البحري آنذاك، ويستخدمها النواخذة وسيلة لتخويف بحارتهم باختلاق أنواع من القصص والحكايات حولها، أو حول شخصيات أخرى مشابهة حسب الابتكار والانبهار أثناء الرحلة أو فيما بعدها. جاء في وصف  لإحدى هيئات «أم دويس» المتعددة بأن لها وجه فار، فيه ثلاث عيون، وإحدى قوائمها لحمار، وفي إحدى يديها منجل صغير هو «دويس»، كما أن لها «ثديان» فولاذيان، وتظهر للبحارة على الساحل بهيئة فتاة خارقة الجمال، وتتعطر «أم دويس» برائحة دهن العود بقصد إغراء من تراه منعزلا عن الرجال على الساحل، وحالما يستجيب لها البحار تغريه فتسحبه شيئا فشيئا إلى أعماق البحر، وعندما تنفرد به تنقلب إلى شكلها الأول، ثم تفترسه.
إن أفعال العمل في البحر ومراسيم الاستقبال والتوديع والاحتفال بقدوم المواسم، هي غالبها طقوس تتكرر غالبا في العام مرتين اعتاد عليها الفرد وصارت من تقاليده الفنية، لأنه يشعر بالفطرة بأثرها الجمالي في التذوق الحركي والغنائي، فيقوم بابتكار مجموعة من الحكايات لشخصيات خرافية تتركب من عناصر مختلفة من الشر وتتجسد في أدوات الافتراس، أو من عناصر الخير التي تتجسد في صفات عديدة تتجمع في شخصية واحدة. إلى ذلك فإن فنون النهمة البحرية هي المحصلة العامة لبيئة البحر، تتوحد وتتميز في الوقت نفسه وذلك من خلال طبيعة المهنة والبيئة ووحدة المحنة والحالة الشعورية على السفينة. ومن القصائد التي كان يرددها البحارة بشعورهم الجماعي وتصف متاعب تلك الأيام وشقاء العمل في البحر هذه القصيدة التي  يذكر فيها الغيص والسيب والنّهام:

الغيص يشكي الضيم من بحر الأهوال
والسيب واقف ودم مثل النصيبه
ويركض على المجداف لي صاح يا مال
ونوم الملا في الليل ما نهتني به
ورحنا السفر والموج يانه جبال
في غبه منها المنايا قريبة

«بخت النّهام صوته»
قيل في الأمثال الملاحية (بخت النّهام صوته)، ويعني المثل أن النهام بصوته العذب يثير طاقات البحارة ليعملوا بكل جهد وإخلاص، وبكلماته الرقيقة المعبرّة تتراقص قلوبهم ويذوب كل عرقهم وتعبهم. مثلما كان النوخذة يبحث وينتقي بحارته الأشداء وغواصيه المهرة المحترفين وبقية أفراد طاقم سفينته، كان على الدوام يختار النهام الأصدح صوتا، وأشجى نهمة وإثارة للبحارة.

ما أملح حداءه
في كتابها «الإبل في الإمارات» تذكر «فاطمة مسعود نايع المنصوري» في صفحة 115، أن الحداء في اللغة هو رفع الصوت في الحداء، فيقال: (ما أملح حداءه) أو حدا الإبل وبالإبل: ساقها وغنّى لها، فهو حاد جمع حداة، والحادي هو الذي يسوق الإبل ويتغنى لها، فالمقصود بالحداء إذن في هذا المقام هو الغناء للإبل أثناء سيرها. أما بالنسبة للحن الحداء فهو لحن يتناسب مع سير القافلة الانسيابي بإيقاع منتظم، ولا تستخدم فيه أية آلات موسيقية، لذلك نلاحظ أن لحن الحداء لا يتقيد بلحن واحد، بل تتعدد ألحانه حسب المؤدي وقدراته على إظهار الصوت.

أهازيج بحرية
مفردة (البحر) لها خصوصية واضحة في الثقافة الشعبية الإماراتية، وقد صقلت هذه المفردة الصغيرة في حروفها، والكبيرة في معناها ودلالاتها مظاهر الفنون الشعبية المحلية، ومن يتابع السباقات البحرية التي تنظم في الإمارات يجدها تجمع مئات البحارة والنواخذة من كافة إمارات الدولة، حيث يحتل الغناء الشعبي البحري مساحة كبيرة من احتفالية الناس بالبحر، وتتنوع أشكال الفنون الشعبية في ذات الطابع البحري وبخاصة الأهازيج والنهمات البحرية، ومن ذلك ما يعرف لدى أهل البحر في الإمارات بـ (التقصيرة) وهي من أغاني وأناشيد أهل البحر، وهي أيضا (شلاّت) يغنيها الواحد تلو الآخر، وترد عليهم المجموعة بما يشبه الكورال في الأغاني الشرقية، وهي أبيات شعر قصيرة محدودة الكلمات.

...........................................
المراجع
1 &ndash د. فاروق أوهان . من الاحتفال الشعبي إلى المسرح. ندوة الثقافة والعلوم. دبي . ط1 . 1999
2 &ndash ر. ف. كليكوفسكي. ف. أ . لوتسكييفتش. ترجمة إحسان اسحق. دار ميسل. 1979.
3 &ndash الكسندر كراب &ndash ترجمة رشدي صالح &ndash علم الفلكلور &ndash دار الكاتب العربي &ndash القاهرة &ndash 1980
4 &ndash محمد عبد المعيد خان &ndash الأساطير والخرافات عند العرب &ndash دار الحداثة &ndash بيروت 1981