الاتحاد

الاقتصادي

الحدود الجزائرية المغربية·· جنة المهربين!


الجزائر- حسين محمد:
رغم أن الحدود البرية بين الجزائر والمغرب مازالت مغلقة رسميا منذ 1994 يعلم الجميع أنها مفتوحة على جميع أنواع التهريب حتى بلغ حجم التجارة غير الشرعية بين البلدين حوالي 600 مليون دولار سنويا حسب إحصائيات غرفة التجارة بمدينة وجدة المغربية·
وعندما وطئت أقدامنا مدينة مغنية الجزائرية، التي تبعد حوالى 10 كيلومترات فقط عن مدينة وجدة المغربية، لم يكن صعبا على سكانها أن يدركوا أننا غرباء، فالجميع يعرفون بعضهم وبمجرد مرورنا بمحطة سيارات الأجرة، سمعنا بعض أصحاب السيارات ينادون بصوت منخفض: 'وجدة·· وجدة'، ولما أبدينا استغرابنا، أجاب السائق: 'أدفعوا لنا 5 دولارات، وسنأخذكم إلى وجدة حتى لو لم يكن لديكم جواز سفر'· سألناه بمكر: 'لكن الحدود مغلقة' فضحك صاحب سيارة الأجرة وقال: 'نحن ندخل ونخرج بطريقة عادية، المهم ألا نقع بين أيدي رجال الأمن· فأدركنا منذ الساعات الأولى لنا في مغنية، أن سكان المدينة غير متلهفين على فتح الحدود البرية لأنها لم تكن يوما مغلقة بالنسبة لهم حيث يمكنهم الدخول في أي وقت شاءوا، وقد اعتاد عدد كبير منهم على الذهاب إلى وجدة المغربية للتسوق، بدل الذهاب إلى تلمسان، التي تبعد حوالى 80 كيلومترا عن مغنية في حين أن وجدة على مرمى حجر·
كثير من سكان مغنية وجدوا في التهريب والتجارة غير الشرعية مكسبا لا يمكن الحصول عليه لو مارسوا نشاطات أخرى شرعية·· 'الجميع مستفيد' على حد تعبير معظم الذين تحدثنا إليهم، وبالتالي فإن فتح الحدود قد يحمل من الأضرار بالنسبة لهم أكثر مما سيحمل لهم من الخير، لأن التهريب لا يتوقف ليلا ونهارا، وكلما زاد النشاط زاد معه الربح من دون أن يكون المرء مجبرا على دفع ضرائب أو أي تكاليف أخرى تنقص هامش الربح·
من الأشياء التي لا تخطئها العين المجردة في مدينة مغنية، البطالة المنتشرة بنسب عالية في مدينة الرئيس الأسبق أحمد بن بلة، فلا توجد شركات أو مؤسسات حقيقية كما أن التجارة راكدة بشكل لافت للنظر، وعدد المحلات الموجودة تعد على رؤوس أصابع اليدين، وكثير من النشاطات التجارية غير موجودة بالمرة· المفارقة تكمن في وجود عدد كبير من الفنادق يتجاوز تلك الموجودة في الولاية الأم تلمسان، وأسعارها منخفضة جدا مقارنة بمتوسط أسعار الفنادق في الجزائر، فأسعار الغرف تتراوح بين 4 و25 دولارا لليلة الواحدة، وكثيرون يرجعون وجود عدد الفنادق الكبير إلى تفشي نشاط التهريب من جهة· البعض الآخر يؤكد بأن معظم الفنادق التي بُنيت مؤخرا كان الهدف منها مواكبة فتح الحدود بما سيجعل ملايين الجزائريين يتوافدون إلى الحدود لدخول المغرب برا، نظرا إلى انخفاض التكلفة مقارنة بسعر تذكرة الطائرة التي تتجاوز 400 دولار· تأخر فتح الحدود جعل هذه الفنادق تدور في الفراغ، وبالكاد تغطي نفقاتها، وهذا هو سبب انخفاض أسعارها غير أن الأسعار ستتضاعف بمجرد فتح الحدود· وبسبب نسبة البطالة العالية، فإن شرائح واسعة من الشباب العاطل عن العمل لا يجد حلا لمشاكله إلا في تهريب الوقود أو المشاركة في تهريب المخدرات· ويمكن لأي زائر للمدينة أن يلاحظ طوابير على امتداد البصر أمام محطات الوقود ليس فقط في مدينة مغنية، وإنما في معظم المحطات المترامية على جانبي الطريق الرابط بينها ووسط ولاية تلمسان· واعتقدنا في البداية أن هناك تذبذباً في التموين بالوقود لكن سرعان ما أكد لنا مرافقونا في هذه الرحلة بأن السبب هو مهربو هذه المادة، خاصة 'المازوت'، ويعرف المهربون باسم 'الحلاّبة' لأنهم 'يحلبون' محطات الوقود إلى آخر نقطة بنزين أو مازوت، ثم ينطلقون صوب الحدود المغربية لتفريغ حمولتهم والعودة مجددا· ويفضل هؤلاء السيارات كبيرة الحجم مثل المرسيدس والشاحنات الضخمة، التي تحتوي على خزانات كبيرة، ومعظمهم يزود سياراتهم بخزانات إضافية حتى تبلغ طاقتها الاستيعابية 200 لتر لأن الربح مضمون 100 في المئة، ونسبة المخاطرة والوقوع في الفخ تكاد تكون منعدمة، على اعتبار أن هذا النوع من التهريب دخل في نطاق الأمور العادية التي لم تعد سرا على أحد من أبناء المنطقة· أما تهريب المخدرات، التي يفضل كثيرون عدم الحديث عنها جهارا، بل يكتفون بالهمس قائلين إن عددا من الأغنياء في مغنية جمعوا ثروات من تهريب المخدرات '·
ولم تساعد الحواجز التي تنصبها قوات الشرطة والجمارك على مختلف الطرق الرابطة بين مغنية والمدن القريبة منها، في وقف هذا النزيف المستمر لأن القائمين على التهريب في الغالب جماعات متخصصة أو 'مافيا' إذا صح التعبير·
ويقوم أفراد هذه 'العصابات' بالانتشار بين مختلف محطات الوقود، ويتبادلون المعلومات بسرعة عن طريق الهاتف المحمول· وأصبحت بعض محطات الوقود تضع حدا أقصى للتزود بالوقود لكن 'الحلابة' ينتقلون من محطة إلى أخرى وأحيانا يدفعون قليلا من المال لعامل المحطة ليملأ الخزان 'عن آخره'·

اقرأ أيضا

إدارة "المركزي" الإماراتي تعقد اجتماعها الرابع هذه السنة