الاتحاد

دعوة للتسامح


أصبحنا هذه الأيام نعيش في زمن زاد فيه الخصام، وقل فيه الوفاق، وكثرت فيه المشاحنات والمناورات والمشاجرت، فالعديد منا أصبح لا يتحمل أخاه، كون الجميع دائماً وأبداً مثقلين بالهموم، والمشاكل والمتاعب، وما أن أيجد أخاه حتى 'يطلع حرته' وطاقته وهمومه التي على كاهله في وجه أخيه، فهو دائما عابس الوجه، سيء الخلق، عصبي التصرف 'طفشان' من نفسه، وكارهاً لحياته، الأمر الذي يرد مردوده على من حوله، دون أن يعلم أو أن يشعر أن الناس كتل من الأحاسيس، ومثل هذه المواقف تترك في قلوبهم الكثير·
دعوني يا أعزائي القراء أسرد لكم قصة الصيني الذي علم ابنه درساً في الأخلاق، فذات مرة كان لصيني ابن في ريعان الشباب، كان هذا الصبي يهوى جرح مشاعر الناس، ويستأنس في ازعاجهم بعصبيته الكبيرة وعدم قدرته على تحمل الآخرين، فما كان من الأب الحكيم إلا أن يعلم ابنه تجربة جميلة ومفيدة· في يوم من الأيام طلب الأب من الابن احضار مطرقة وكومة من المسامير، ليطرقها كلها على أحد أبواب المنزل، فالأب يريد أن يظهر غضب ابنه في هذه المسامير، فكان عليه ترويض ابنه كل يوم على هذه التجربة حتى بدأت عصبية ابنه تخف يوما بعد يوم، ليصبح الفتى أكثر هدوءاً وراحة بعد أن 'فش خلقه' في الباب والمسامير والمطرقة، وبعد ذلك طلب الأب من ابنه أن ينتزع المسامير التي طرقها، ليعلمه الصبر أكثر وأكثر، ويزرع بذرته الصغيرة في قلبه حتى يقوى في المستقبل على تحمل الشدائد، وبالفعل نزع جميع المسامير·· ترى ما الذي بقي على الباب؟؟ بقي على الباب آثار غرز المسامير، أتعلمون ماذا كانت تعني هذه الآثار؟ هذا هو السؤال المهم في هذا السياق، والدرس الذي كان يسعى الأب الصيني أن يوصله لابنه الآثار تعني الجروح التي يودعها كل شخص غاضب متعجرف في قلب أخيه، وتعني أيضا الندبات الأليمة التي تعيش في قلب الإنسان والاستياء الذي يتحمله من صاحبه الألماني الذي لم يفكر في الآخرين بقدر ما كان همه فقط التفريج عن نفسه بشكل سلبي·
نعم، أنا أعلم أن إرهاصات العمل والدراسة والحياة كثيرة، وكلنا على يقين بأن من الصعب مواجهة مثل هذه الأمور بصورة إيجابية 100%، ولكن على الأقل يمكننا تحدي الكم الأكبر من هذه النسبة، ويمكننا التسلح بسلاح الإيمان الذي يخذل المؤمن أبداً، فالله يا أحبتي يبتلينا لأنه يحبنا ويريد أن يرى نتائج ابتلائه التي يحب أن تساوي الصبر والاحتساب لأجر الواحد الديان، لذا وعبر هذا المنبر أدعو الجميع إلى مائدة التسامح والإحسان لغيرنا، فليس الشديد بالصرعة، وإنما الشديد والقوي فعلا هو من يملك نفسه عند الغضب، وهو من يكتب الهموم والأحزان في قلبه، ويؤمن حق الإيمان بربه، بأن بعد العسر يسراً، وإن بعد الليل نهارا، وأنه لابد من ملح في الحياة، فدروس الحياة بطبيعتها قاسية وأليمة ومريرة جداً، ولكن الذكي والمبدع والخلوق فينا من يحول هذه الدروس القاسية إلى قصص نجاح باهرة، تكون الطيبة والمحبة والألفة هي أبرز عناوينها وأساس محتوياتها· مسك الختام قال تعالى: وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً' و'سلاما' هذه هي أن تعرض عن كل شيء يتنابز بالألقاب، ويتواقح عليك باللسان، فالكريم يكسر اللئيم بكرمه وطيبته وجود أخلاقه، وعفوه عما مضى من أقرانه، فلنكن يا أحبائي كلنا من فئة الكرماء، الذين لهم منزلة العلا في جنات الرحمن بإذن الله، وكلي ثقة بأن جميع من يقرأ ما نسجته أناملي على قدر من التسامح والعفو عند المقدرة لأنها من شيم الإسلام والمسلمين، وأساس توسيع مكارم الأخلاق في مجتمعاتنا·
ريا المحمودي
رأس الخيمة

اقرأ أيضا