صحيفة الاتحاد

الملحق الثقافي

خطّ اللون العنصري

إحدى لوحات المعرض

إحدى لوحات المعرض

ثناء عطوي (باريس)

لقد حان الوقت لإعادة إحياء النقاش بهذه القضية في العاصمة الفرنسية باريس، ليس من أجل التذكير بماضي العبوديّة المُظلم، وإنما لتأكيد هويّة السود في الحركة الفنّية العالمية، وذلك من خلال التاريخ الثقافي للفنانين الأفرو- أميركيين، من رسّامين وموسيقيّين وشعراء ومُخرجين سينمائيين وكُتّاب ومفكّرين، جمعهم معرض The Color Line أو «خطّ اللون» العنصري (تسمية محلّية شعبيّة أطلقتها إحدى شخصيات العبودية ستيفان سنة 1830)، الذي يُقام في متحف جاك شيراك للفنون في باريس (Quai Branly).
مئة وخمسون عاماً من الإنتاج الفنّي ضمن مفهوم الـ «Black Art» تُجسّدها المعروضات التي جُمعت من متاحف أميركا ولندن وبرلين وغيرها من أنحاء العالم، ومن أصحاب المجموعات الخاصّة أيضاً، تُعرض ضمن سياق كرونولوجي مُمنهج، وتوثيق دقيق للمراحل التي عاشها السود منذ منتصف القرن التاسع عشر، وصولاً إلى فترة التحرّر من العبودية, وحصولهم على حقوقهم المدنية في القرن العشرين. يُبرز المعرض إسهامات الأفرو- أميركيين على مدى قرن ونصف في مجالات الفنون المختلفة، ودورهم في السعي من أجل المساواة، ونضالهم للتعبير عن قدراتهم الفنّية كاملةً، وعن أفكارهم أيضاً؛ إذ كان محظوراً عليهم الاختلاط بالفنّ الأبيض، أو التطرّق لموضوعات تُثير حساسية المجتمع ذي التعدّدية الثقافية المحظورة.

الفن الرديف
وبالتوازي مع ابتكار النموذج الموسيقي الأفرو- أميركي، أنتجت التجربة الأميركية فنّاً رديفاً، وتحوّلت الفردانية للمنتج الأسود إلى جماعية بعد ظهور روابط فنّية وموسيقية. ويوضح المسار التسلسلي للمعرض، تطوّر فنّ السود وتأثيره في محيطه منذ مسرح «الفودفيل» الشعبي الذي اشتهر في الولايات المتّحدة وكندا منذ بداية 1880 وحتى 1930، وصولاً إلى «عصر نهضة هارلم» أو «هارلم في ذاكرتهم»، وهو أحد أشهر أحياء نيويورك، الذي تشكّل فيه الجيل الأوّل من المثقّفين الأميركيين من أصل أفريقي، وخرج منه أعظم عازفي «الجاز» والساكسوفون مثل لويس آرمسترونغ، وأبرز الشعراء مثل لانغستون هيوز، وازدهرت فيه المسارح والأندية الأدبية ومطابع الصُحف والكُتب، ونشأ فيه دبليو دوبوي، أول رجلٍ أسود حصل على دكتوراه من جامعة هارفارد حول موضوع «كبت الرقيق في ولايات الجنوب».
ما هو الدور الذي لعبه الفن في السعي من أجل المساواة وتأكيد الهوية السوداء في أميركا العنصرية؟ الإنتاج الغزير للفنّانين الأفارقة يُجيب على هذا السؤال الذي شكّل عنواناً رئيسياً للمعرض. أعدادٌ قياسية من الزوار جاؤوا من بلدان أوروبية وآسيوية للاطّلاع على «الفنّ الأسود» الذي تشهده باريس للمرّة الأولى. وقد استحوذ المعرض على مساحة واسعة من النقاشات الأكاديمية والفكرية والإعلامية، وضجّت الصحافة الفرنسية بالمقالات الافتتاحية التي أشادت بموضوعٍ يُلامس الحساسية الفرنسية تجاه الآخر في هذا الوقت بالتحديد.
رهبةُ التاريخ تطغى على أجواء المعرض، لقطاتٌ صارخة من العنصرية المتوحّشة التي امتدّت إلى ما بعد الحرب الأهلية الأميركية. ضجيجُ أقدام العبيد يُسمع في أصداء العروض المرئية بالأبيض والأسود، اللّوحات الضخمة تحملُ آثار التعذيب وفنونه على أجساد السود، المشانقُ المُعلّقة في الساحات، أرقامُ الضحايا المعلّقة على صدورهم وهم يُساقون إلى حتفهم الأخير. تعبيراتٌ فنّية مختلفة تُجسد تلك المعاناة التي عاشوها لسنوات طويلة، أحلامهم المتواضعة التي لم تتجاوز قيادة السيارة، أو حتى ممارسة لعبة الكرة، أو إيجاد فرصة عمل في غير القُمامة وتنظيف الشوارع مهما بلغت درجة تحصيلهم. نضالاتٌ مريرة خاضوها من أجل أبسط حقوقهم، جسّدوها بأفكارهم المحاصرة وإمكاناتهم الفنّية المحدودة.

خط اللون
يتتبّعُ المعرض أصول مُصطلح «خط اللون» الذي يشير إلى التفرقة العنصرية في أميركا بعد إلغاء الرقّ سنة 1865، وكيفية استخدام أصحاب البشرة السوداء كمادة للسّخرية في العروض المسرحية والأفلام السينمائية واللّوحات والفنون والأشغال على أنواعها. إذ كانت وجوههم تظهر على هيئة حيوانات متوحّشة أو أشكال غير آدمية وغير مرئية أحياناً. وقد استندت لعبة السخرية هذه إلى قوانين «جيم كرو»، وهي قوانين استُخدمت في الغرب في ثمانينيات القرن التاسع عشر، عندما أصبح الفصل الاجتماعي مشروعاً في كثير من الأجزاء الجنوبية للولايات المتّحدة، وانسحب بعدها إلى باقي الولايات. وقد طالبت القوانين بفصل الأعراق في كثير من الأماكن العامّة، ولاحقاً تمّ الإعلان عن عدم شرعية أغلب هذه القوانين في الولايات المتّحدة، بموجب قرارات أصدرتها محاكم عُليا عدّة في خمسينيات وستينيات القرن العشرين، وقوانين الحقوق المدنية التي صدرت في العامين 1964 و1968.
في صدر المعرض صورة كبيرة لمُلهم السود المناضل والناشط السياسي مارتن لوثر كينغ، الذي قاد حملة المُطالبة بإلغاء التمييز العنصري ضد السّود، وقاد جحافل السود وراءه في سبيل الحرّية والحقوق المدنية. لقد سار أفارقة أميركا سنة 1963 في تظاهرة بشرية ضخمة شارك فيها 250 ألف شخص، منهم نحو 60 ألفاً من البيض اتّجهوا معاً في موجة غضب نحو نصب لنيكولن التذكاري، فكانت أكبر مظاهرة في تاريخ الحقوق المدنية. هناك ألقى كينغ أكثر خطبه تأثيراً في تاريخ النضال الأفرو أميركي، والتي عنونها بـ «لديّ حلم». وقد عُلقت في المعرض لائحة أحلامه التي كُتب عليها: «لديّ حلم أنه في يومٍ ما ستنهض هذه الأمّة وتعيش المعنى الحقيقي لعقيدتها الوطنية، لديّ حلم بأن كل الناس خُلقوا سواسية، لديّ حلم بأن أطفالي الأربعة سوف يعيشون في في دولة لا يتمّ الحكم فيها على لون بشرتهم بل على كفاءتهم وشخصيّتهم. هذا هو أملنا.. دعوا أجراس الحرّية تُقرع وتنشد.. أحرارٌ في النهاية! أحرارٌ في النهاية! شكرا يا رب، نحن أحرار في النهاية».

مرجع توثيقي
أمين متحف (Quai Branly) دانيال سوتيف أكّد أن المعرض هو مرجع توثيقي لحقبة طويلة من التمييز العنصري في الولايات المتّحدة، التمييز الذي لم يكن جسدياً فحسب، وإنّما كان بمثابة حدود عريضة بين الناس. لقد اسُتخدمت اللوحات الفنّية والمنحوتات والمطبوعات كأسلوب لاستعادة قضيّة التمييز العنصري ضمن حملة عالمية، للتأكيد على أن هناك فنانين سوداً، وبعضهم أميركيون سود، يستحقّون أن يُعاملوا كجزء أساسي ومهمّ من حركة الفنّ العالمية.
ورأى سوتيف أن الشعب الفرنسي يعرف موسيقا الجاز ويعرف بعض نجوم السينما من أصحاب البشرة السوداء وبعض روّاد الأدب، إنهم يعرفون جانباً واحداً من حياة السود، لكن هناك حاجة لاستكمال ثقافتهم المتعلّقة بهذا الموضوع، والتأكيد أن السود ليسوا قتلى ومجرمين في الشوارع، بل هم فنانون مهمّون، وغزارة إنتاجهم تشهد لهم على ذلك. إنّها قصّة طويلة ومسار طويل قادنا إلى واقعنا الحالي، وبينما كانت هذه الظاهرة واضحة في الولايات المتّحدة، لا زالت بحاجة إلى المزيد من التكريس والترويج لها في باريس. لكن فرنسا ليست في الموضع الذي يسمح لها بإعطاء دروس حول هذا الموضوع».
لقد كانت العنصرية قضيّة رئيسية منذ الحقبة الاستعمارية في الولايات المتّحدة. واستمرّ القانون الأميركي بإعطاء الامتيازات والحقوق للأميركيين البيض، وحرمان الأميركيين الأصليين، والذين هم من أصل أفريقي أو آسيوي أو لاتيني. لكنّ مرحلة التمييز العنصري انتهت في منتصف القرن العشرين، وتحوّل موضوع الفصل العنصري إلى ظاهرة مرفوضة اجتماعياً وأخلاقياً، إلّا أن السياسات العنصرية استمرّت بشكل أو بآخر، واتّخذت أساليب جديدة، وأهدافاً مختلفة، وشعوباً وألواناً لا تقع في خانة الأسوَد فقط.