الاتحاد

عربي ودولي

كافكا على الشاطئ

إعداد- حسن ولد المختار:
غالباً ما يكون أبطال روايات هاروكي موراكامي، أشخاصاً عاديين يخوضون في متاهات ودهاليز الحياة اليومية، برتابتها ولا معقوليتها: فهم موظفون بسطاء، أو عاطلون يبحثون عن عمل، أو طلبة، أو حتى ربات بيوت متوحِّدات ينظفن أظافرهن بصمت· وفي روايته الأخيرة كافكا على الشاطئ، التي صدرت ترجمتها الفرنسية قبل أيام عن دار بيلفون، لا يشذ موراكامي عن تقاليده السابقة في الكتابة، حيث نجد السارد كافكا تامورا، ذا الخمس عشرة سنة، تطارده هواجس أوديبية، عن مصيره القاتم، وتتهيأ له نبوءات خاصة سوداوية حول احتمال ارتكابه جريمة قتل بحق أحد والديه، وهروباً من هذا الكابوس يهيم الشاب اليافع على وجهه، بعد أن هجر بيته في طوكيو، لكي يطوف اليابان طولاً وعرضاً، لينتهي به المطاف أخيراً في مكتبة عامة، حيث يتعرف على من سيلعب معه دور المرشد· وإضافة إلى كافكا تامورا السارد، يبرز بطل آخر، هو العجوز ناكاتا المختل عقلياً، الذي يعاني مصاعب في التواصل مع الناس، ولكنه مع ذلك يتواصل بيسر مع القطط ويهذي لها، في واحدة من أجمل صفحات العمل، كما أن لديه على رغم حالته العقلية، استراتيجيته الخاصة في تسمية العالم وفهمه·
ويستغل هاروكي موراكامي عينه اللاقطة الحشرية في عملية رسم بورتريه متقنة لكل واحد من أبطاله، ويستدعي أثناء ذلك مفارقات الحياة ومشاهدها، وعذرية الكلام الذي يتوسع في الرسم به بشكل يضاهي دقة التصوير الضوئي· كل ذلك من خلال سرد منثال ساحر، يمزج الواقع اليومي مع الفنتازي الحالم الجموح·
ولئن كان هذا العمل ياباني الأجواء والإطار المكاني والمزاج فإنه حافل بترداد ثيمات وأسماء من الثقافة الغربية كاستثماره ثيمة اسم كافكا صاحب المسخ في العنونة، وبحضور عقدة أوديب، وبأسماء أخرى من الثقافة الإغريقية التي يعد الكاتب متخصصا فيها·
ولد هاروكي موراكامي سنة 1949 في إحدى ضواحي مدينة كوبي اليابانية ويرجي عدم الخلط بينه وبين الكاتب الياباني الآخر ريو موراكامي، وقد انخرط منذ نهاية الستينيات في حركة الاحتجاجات الطلابية، وهي نفس الفترة التي افتتح فيها أحد أشهر أندية الجاز في طوكيو· وفي بداية التسعينيات ذهب إلى الولايات المتحدة حيث أقام 5 أعوام، وبعيد زلزال مدينة كوبي العنيف سنة ،1995 وقيام جماعة أوم الدينية المتطرفة بمهاجمة مترو طوكيو بالغازات السامة، عاد موراكامي إلى مسقط رأسه، لمعايشة ما يشهده وطنه من أحداث جسام، وقد أرخ لهذه الفترة لاحقاً بعمله ما بعد الزلزال ·2000
نشر موراكامي أولى رواياته اسمع أنشودة الرياح سنة ،1979 التي نالت جائزة غونزو، وكان هذا العمل فاتحة ثلاثية روائية، رسخت اسمه في الأدب الياباني المعاصر، وأصبحت لأسلوبه في الكتابة سمته الخاصة لدى اليابانيين حيث سموها طريقة: مونو- نو- أواري، ومعناها الاكتئاب الحاد للأشياء· ومن أبرز أعماله، سباق الخروف المتوحش ،1982 ونهاية الوقت ،1985 وأنشودة المستحيل ،2000 و الرقص، الرقص، الرقص ،1988 والفيل يتبخر ،1993 وجنوب الحدود، غرب الشمس ·2003 يذكر أن موراكامي يعد أحد أبرز المترجمين إلى اللغة اليابانية وقد اشتهر بشكل خاص بترجمة أعمال كتاب أميركيين كلاسيكيين مثل سكوت فيتجيرالد، وراموند كارفر، وجون إيرفينغ، كما أنه ضيف دائم على قائمة المرشحين لجائزة نوبل خلال السنوات الأخيرة·

اقرأ أيضا

بكين: الولايات المتحدة تقوض الاستقرار العالمي