الاتحاد

عربي ودولي

براغ العاصمة التشيكية

وصلت براغ العاصمة التشيكية في ساعات الصباح الأولى وكانت المدينة لا تزال تغرق في الثلج الأبيض الذي كان يهبط منذ ليلة الأمس بشكل ذرات صغيرة لطيفة ليست باردة، كما كنت أتخيل، لكن الطقس بشكل عام كان بارداً جداً، كانت درجة الحرارة تتعدى خمس درجات تحت الصفر·
كانت هذه التجربة مختلفة، وبالرغم من إعجابي بالجو البارد إلى حد ما غير أن البرد هذا لا يحتمل، تيارات الهواء تزيد من برودة الطقس لدرجة التجمد·
تجمدت يداي أو كادتا وكذلك رأسي عندما تعرضت للهواء البارد حين خرجت من المطار، وكان في استقبالنا شاب يدعى جورج ماضي وهو لبناني الأصل يعيش في براغ منذ خمسة وعشرين عاماً، جاء طالباً يدرس الهندسة المدنية لكن المدينة أسرته فاستقر بها وأسس أعمالاً خاصة مستغلاً المناخ الاقتصادي في تلك الحقبة الاشتراكية وزادت فرصته بعد انهيار الاشتراكية فتطورت أعماله وهو اليوم وكيل لشركات سفر وسياحة علاجية في الإمارات والخليج·
أول ما يبهرك في هذه المدينة هو مبانيها القديمة التي تبقى شاهدة على عراقة تاريخها وتوغلها في القدم، فيرجع تاريخ بناء هذه المدينة إلى نحو عشرة قرون خلت·
وسرعان ما نكتشف من أول جولة في المدينة أن تطور في المعمار الأوروبي قد ترك فيها شاهداً حياً على كل المدارس المعمارية·
وليس بالإمكان سوى إبداء الإعجاب بالمباني الرومانية، والقوتية، ومباني عصر النهضة، وعصر الباروك، والعصر الكلاسيكي أو مختلف عناصر وسمات عصور تقليد المدارس المعمارية الأقدم، أو مدرسة الفن الحديث·
وتعتبر براغ أو ذْفوف براها كما يسميها أهلها، أكبر المدن التشيكية، ويخترقها نهر فلتافا وهي تقع في وسط منطقة بوهيميا التاريخية·
وبخلاف الكثير من مدن أوروبا الوسطى لم تدمر المدينة بشكل كبير في الحرب العالمية الثانية وحافظت على شكلها الجميل ويطلق البعض عليها اسم المدينة الذهبية وآخرون يسمونها أم المدن وقلب أوروبا وتعرف أيضا بالمدينة ذات المئة برج نظراً لكثرة الأبراج فوق كنائسها وقصورها·· كما تعرف أيضا بأنها مدينة الجسور، وفي العام 1992 أدرجت في لائحة اليونسكو كموقع تراثي ثقافي عالمي لكثرة كنائسها وكاتدرائياتها وقلاعها القديمة· ولا يشكل العرب والمسلمون جالية كبيرة هنا ولا يتجاوز عددهم عدة مئات وأغلبهم جاءوا من لبنان وسوريا وفلسطين والعراق، وكان أشهرهم الشاعر العربي محمد الجواهري الذي عاش فيها نحو 30 عاماً·
لكنني التقيت بعدد منهم وتناولت طعامي في مطاعمهم التي تلقى رواجا وكان العاملون فيها عربا، وبعض منهم كان يكمل دراسته للحصول على درجة الدكتوراه وشعرت بنوع من الحياء أن يخدمني شاب فلسطيني يدرس لشهادة الدكتوراه في القانون ومازحته، وطلبت منه أن يستريح وعلينا نحن أن نخدمه، وركبت سيارات أجرة يقودها شبان عرب واللبنانيون شطار أينما يحلون وهم هنا أكبر جالية عربية ويعملون ويملكون مطاعم ومحالاً ومكاتب سفر وسياحة، لكن العرب لا يشكلون تجمعاً يمكن القول إنهم ينصهرون في المجتمع التشيكي الودود وإن حافظوا على عاداتهم ولغتهم·
من على قلعة براغ تبدو لك سفوح التلال التي تقوم عليها القلعة التاريخية هذه التلال تشهد على محاولة رائعة لمزج الفن المعماري والبناء في عصر الباروك للربط بين القلاع والقصور الفخمة من جهة، وبين غرس البساتين والحدائق التي تلعب في ثناياها بيوت خشبية صغيرة وممرات مسقوفة بينها استراحات هادئة من جهة أخرى، الأمر الذي يكشف لك أن هذه المدينة جميلة أيضا بخضرتها وهضابها وزهورها في فصلي الصيف والربيع غير أننا الآن في فصل الشتاء وكل شيء هنا موشح بالثلج الأبيض·
ويستكمل وجه براغ ملامحه بخمسة عشر جسراً أربعة عشر منها يصل بين ضفتي نهر فلتافا، فيما يمر الأخير فوق وادي نوسله الفسيح·
أما أقدم هذه الجسور وأهمها من حيث القيمة التاريخية فهو جسر كارل الذي شيد سنة 1357 ويحمل اسم من أمر ببنائه، أشهر ملوك التشيك كارل الرابع، وجسر كارل هو جسر لابد من المرور عبره أثناء السير في ما اصطلح على تسميته بالطريق الملكي، وهو أشهر طريق سياحي في براغ يصل بين مركز المدينة وقلعة براغ التاريخية المشرفة عليها من قمة تلالها الخضراء· يزين هذا الجسر مجموعة من التماثيل التاريخية التي تمثل عدداً من الصالحين أو (Saint) أو رجال الدين المسيحي وعلى جنباته يجلس عدد من الباعة المتجولين الذين يبيعون شكارات ومشغولات يدوية، كما يجلس بعض الرسامين المتجولين، وعندما تقف على مقدمة هذا الجسر تري بانوراما خلابة لقلعة براغ وأكثرها اجتذاباً لعدسات المصورين ومما يزيد من وقع بانوراما القلعة التاريخية أنك ترى فيها تنوع البناء التاريخي ليضم كل المدارس المعمارية التاريخية تقريبا مما يجعلها تعتبر بمثابة ملحمة كاملة لألف عام من تطور فن العمارة الأوروبي· وتوفر ضفاف الجزر الصغيرة والأكبر في نهر فلتافا مشهداً آخر للمدينة وبرغم أنها ليست شديدة الجاذبية من الناحية الجغرافية، لكنها تؤدي دوراً مهماً كمساحات خضراء، ومواقع للراحة والاستجمام وسط ضوضاء المدينة·
ما أكثر المسارح في هذه المدينة، وليس أكثر منها سوى صالات العروض الموسيقية وصالات عرض التحف الفنية، والمعارض والمتاحف وفي هذه المتاحف تجد تخليدا لتاريخ البلاد، وترى أن التاريخ هذا يستحق ليكون حكاية شعبية والتاريخ يقول إن بعض القبائل الجرمنية كالمكروماني والكوادي عاشت في منطقة بوهيميا بين القرنين الأول والسادس الميلادي ثم هاجرت شمالاً تاركة أراضي بوهيميا للقبائل السلافية التي استوطنتها منذ القرن السادس الميلادي·

اقرأ أيضا

المرصد السوري: "لا دلائل" على هجوم كيميائي في شمال غرب سوريا