الاتحاد

الإمارات

مكتوم بن راشد حاضر في الإنجاز والذكرى

د· سلمان كاصد:
في أمسية شعرية تأبينية نظمتها هيئة أبوظبي للثقافة والتراث (المجمع الثقافي) بمناسبة أربعينية المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ مكتوم بن راشد آل مكتوم شارك فيها الشعراء الإماراتيون الشباب اجتمع الصوت كي يحدو ويتغنى بمآثر الفقيد الراحل·
كان مساء الأحد الفائت مليئاً بالوجع الذي عبر عنه الشعراء الشباب بكل حرقة ومحبة·· إلا أن دعاءهم لم ينقطع وهم يتضرعون إلى السماء بأن تسبغ روح المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمه الله وروح أخيه المغفور له الشيخ مكتوم بن راشد آل مكتوم برحمته الكبيرة·
لقد كان الاحتفال التأبيني صادقاً باخلاص، مفعماً بالطيبة والمحبة، خالصاً بالمشاعر الفياضة، منذ اللحظة التي افتتح فيها سعود الكعبي الحفل بكلماته التي شابها الحزن حين قال: نجتمع اليوم في تأبين راحل آخر في دولة الامارات العربية المتحدة ونحن يملأ قلوبنا الحزن والألم لرحيل فقيدين عزيزين علينا·
إلا أن سعود الكعبي لم ينس أن يرحب بالشاعر البحريني (إياد المريسي) بلغة مفعمة بالصدق وحسن الضيافة·· كيف لا·· وقد حمل اياد المريسي مشاعره صادقة لتصب في بوتقة الفقيد الذي هيمن على القاعة حزناً وألماً·
في البدء لابد أن نبصر الإطار العام الذي جاءت به القصائد واللغة التي كتبت بها·· إنها لغة محكية أقرب لليومي من الفصحى فبدت واضحة لا تحس بها إلا وأنت تقترب منها بشجن أخاذ، ربما لابد من القول إن اطارها العام هو اتخاذها الصورة الشعرية بؤرة أساسية للتوصيل·
أي بمعنى آخر أن ما يهمنا في الشعر هو كيفية تركيب الصورة، لا مألوفيتها· لا عاديتها بل خروجها على المألوف كي تبدو غريبة عما هو سائد متضمنة ما هو مفهوم· قادرة على التشكل في الذهن، بأي لغة نقلت وبأي عبارة قيلت·
إننا يجب أن نقرأ طبيعة اللحظة الشعرية التي يستهدفها الشاعر، تلك اللحظة الغريبة التي تلح عليه وتجعله شاعراً بكل كيانه في تزامن حقيقي مع الذائقة الحميمية التي يشعر بها المتلقي·· لقد انحسرت القصيدة العمودية في اطار حديدي صلب وانطفأت جذوة الانحصار بين شطرين لذا احتاج الشاعر أن يفلت من ذلك الكيان المبني على أسس لم نعد قادرين على تلذذ ما فيه·· حتى أننا طفقنا نبحث عن مغامرة ابتكارية في اللغة لكي نجرب ونخوض مرحلة التجريب بوعي جمالي بعيداً عن القطيعة التراثية· لقد سمعنا من (خالد عبدالله الظنحاني) قصيدة (الشارع المكسور)·· وكما يبدو أنه منذ البدء يريد أن يحيلنا بالاستعارة أو بانزياح التسمية إلى مكنون الحزن الذي طغى على الشارع حينما تفاجأ بوفاة المغفور له الشيخ مكتوم بن راشد آل مكتوم·لقد انتقل الشاعر (الظنحاني) من العام (الشارع/ الناس) إلى الذاتي، إلى مشاعره والآخرين حين تناهى إلى سمعهم وفاة الشيخ مكتوم·· إنها ليست فجيعته بل هي فجيعة من يحب الرجل الذي غاب فجأة·
أما (سهيل محمد المزروعي)·· فربما يقترب حين أطلق على يوم الوفاة (الأربعاء المشؤوم) من (خالد الظنحاني) باختلاف المفارقة بين المكانية (الشارع المكسور) للشاعر (الظنحاني) والزمانية (الأربعاء المشؤوم) للشاعر (المزروعي)·· إلا أن ما جعل (المزروعي) متفائلاً حقاً حين تحول بالصورة إلى الإشادة بصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي حين وصفه بأنه سند لرئيس الدولة صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان·· وكأنه بذلك يوحي بقوة الحاضر من عمق الماضي· ثم جاء الشاعر (سعيد بن غماض الراشدي) الذي أثار مفهوم المقدمة لا بمعناها الطللي ولكن بمعناها الشعري· أي أنه استذكر الشعر وأهميته في تخفيف الهم النفسي فأشاد بدور الشعر وكأنه يخلق طللية من داخل الكيان الشعري ذاته، فتحول إلى الشيخ خليفة واصفاً خطواته خلف خطى الراحلين العزيزين·
أما (فرج المنصوري) فكان خالق صور·· لقد تألقت لديه الصورة الشعرية فبدت مطواعة في تشكلاتها مبهرة في مكوناتها·· أراد لها أن تخلق نفسها بنفسها بعيداً عن التزويق، بعيدة عن الالتفاف على اللغة·· ويكاد يكون أجمل ما جاء به (إياد المريسي) من البحرين الشقيقة هو هذا الوجدان الأخوي حتى ليؤسس مفهوماً حقيقياً يؤكد أن مملكة الشعر ليس لها حدود، فبدا متألقاً بين الشعراء، ضيفاً، صديقاً، قادته مشاعره إلى أن يحط ركابه بين أصدقائه الشعراء·· فبدا فرحاً بهم·· يشاركهم حزنهم ويسكب دمعته في أحضانهم بصدق·
الشاعر (محمد خليفة الكعبي) ظهر جبلياً كي يمازج بين الروح الشعرية الحقيقية ووصفه للشيخ مكتوم بقمة الصخر التي لا تطال·· وتذكر المغفور له الشيخ زايد ففاضت عيناه دمعاً، وتبعه حباً للمغفور له الشيخ مكتوم·· غير أنه لم ينس أن يستذكر رحمة السماء وحكمتها في الاختيار وبذلك ختم قصيدته·
ولم يكن الحفل التأبيني مقتصراً على الشعراء الشباب بل شاركتهم شاعرتان طغتا رقة وعذوبة في اللفظ وقوة وجمالية في الصورة·
الأولى هي الشاعرة (شجون الظبيانية) التي أرادت لقصيدتها أن تبدأ نسوية·· حتى أنها صورت ذلك البلل في سود اللثائم كناية عن بكاء المرأة التي فجعت بمن بوأها موقعاً واحترمها كإنسانة، لقد بدت شجون هادئة في القائها متمكنة في تركيبة مقاطع شعرها·· مبصرة للشعري في ألفاظها·· دخلت قصيدتها من مكونات الصورة الشعرية لا من تشكلاتها التقليدية، فبدت أدوات التشبيه لديها أقرب إلى التناظر والمقابلة مما أكسب قصيدتها تماسكاً بعيداً عن البعثرة اللغوية· أما الثانية فهي الشاعرة (عيون القصيد) التي بدأت قصيدتها من زاوية مختلفة تماماً حين فاجأتنا بمقولة (للبقايا صوت)، وهي لوحة تستدعي تمثلها عند المتلقي كي يبدو ملماً بالصورة·· ثم أعقبتها بـ (للآه نبرة يا وطن)·
(سعد الخرجي) كان الشاعر الذي بدا أقرب لما هو واقعي، التمس المحسوس فركبه تركيباً بدا فيه جميلاً شعرياً لقد حوّل ما هو مألوف يومي (ند الشبا، الشندغة، الباكية، برج العرب الحزين، حتا المكلومة) إلى كيانات انسانية أضاف لها بعداً شعرياً·· فبدت في منطقة شعور المتلقي غير ما هي في بؤرة العين المحسوسة·· إن هذا التأسيس المبسط أكسب القصيدة بعداً اضافياً جعلنا نمعن فيه النظر من جديد· غير أن الحفل التأبيني ما كاد أن ينتهي إلا بقصيدة الشاعر (سعيد الكعبي) الذي بدا فيه الدعاء سمة غالبة·· دعا إلى المغفور لهما الشيخ زايد والشيخ مكتوم لكي يكونا في عليين· ثم ختمها مقدم الحفل (سعود الكعبي) بقصيدة دعاء أخرى للراحلين العزيزين·· فكان الختام مسكاً·

اقرأ أيضا

حاكم الفجيرة يستقبل وفد "أبوظبي للإعلام" وجموع المهنئين