تقارير

الاتحاد

الاقتصاد والرعاية الصحية... مشكلتان أميركيتان

ها هما حقيقتان قد تبدوان لأول وهلة غير مرتبطتين: الأولى، أن معظم الأميركيين لا يستطيعون ذكر اسم عالم واحد على قيد الحياة. الثانية، أن أكثر مشكلتين إلحاحا عانت منهما أميركا خلال العامين الماضيين، ولا تزال تعاني حتى الآن، هما الاقتصاد، وتكلفة الرعاية الصحية ماذا سيكون ردك لو قلنا لك إن حل الأولى سيؤدي لحل الثانية.
نعم. فمن بدون زيادة استثماراتنا في العلوم والبحث العلمي، وهو موضوع نادراً ما يظهر على الرادار الشعبي في بلد لا يستطيع 65 في المئة من أبنائه ذكر اسم عالم واحد من العلماء الذين لا يزالون على قيد الحياة، ويحاول 18 في المئة منهم ذلك، ولكنهم لا ينجحون، فإننا سنخفق في حل مشكلاتنا الاقتصادية طويلة الأمد. ويرجع هذا لحقيقة أن العلم هو الذي يخلق الوظائف، والذي يمكنه أيضا تقليص تكلفة الرعاية الصحية المرتبطة بشيخوخة السكان.
ويمكن لنا في هذا السياق أن نشير إلى تقريرين صدرا عن "الأكاديمية الوطنية للعلوم" منذ عدة أعوام، خلصا معا إلى أن رخاءنا الاقتصادي يتوقف على الاستثمارات التي تتم في الحاضر في مجالي البحث العلمي والابتكار.
والتقريران المذكوران مبنيان على فرضية طرحها عالم الاقتصاد المعروف "روبرت سولو" - الحاصل على جائزة نوبل- في أحد أبحاثه التي وثق فيها مجالات التقدم في التقنية والمعرفة العلمية، التي دفعت النمو الاقتصادي في النصف الأول من القرن العشرين. وإذا كان الأمر صحيحاً وقتها - أي في ذلك القرن- فلا شك أنه سيكون صحيحاً الآن خصوصاً فيما يتصل باقتصاد المعلومات.
ولنا أن ننظر إلى الأصداء الاقتصادية التي نتجت عن زيادة طاقة "الرقائق المصغرة" Microchips حيث مكنت تلك الزيادة رواد الأعمال من استبدال أجهزة التسجيل الصوتي (كاسيتات) بأجهزة "آي بود" والخرائط بأجهزة "جي.بي.إس" لتحديد الموضع عالمياً. والتليفونات التي تعمل بواسطة العملات المعدنية بأجهزة الهواتف النقالة، واشعة "إكس" ثنائية البعد، إلى أجهزة تصوير شعاعي مقطعي ثلاثية البعد، والكتب ذات الغلاف الورقي إلى كتب إلكترونية، والمسطرة الحاسبة إلى الكمبيوتر... وهلم جرا.
ويمثل كل ذلك شهادة قوية على قوة التقدم العلمي. مع ذلك، فإن الشيء الذي يؤسف له أن إنفاقنا على العلوم والتقنية والأبحاث العلمية، قد تقلص على مدى العقود الأربعة الماضية بنسبة تصل إلى 60 في المئة مقارنة بما كان ينفق على تلك المجالات من قبل كنسبة من الدخل القومي الإجمالي. وقد حدث ذلك في الوقت الذي لم تتراجع فيه دول أخرى عن زيادة الاستثمار على البحث العلمي: فالصين على سبيل المثال أصبحت هي الدولة الأولى في العالم في مجال الاستثمار في الطاقة النظيفة، التي ستكون واحدة من أهم صناعات المستقبل.
ويشار في هذا السياق إلى أن الصين قد استثمرت في المجمل 34.6 مليار دولار في هذا القطاع في عام 2009 مقارنة بـ 18.6 فقط في الولايات المتحدة الأميركية. والاقتصاد لا يخلق وظائف فحسب، وإنما يمكن أن يوفر على المجتمع الكثير من النفقات الطائلة التي تثقل كاهل الميزانية الاتحادية.
فخبراء الصحة والسكان توصلوا من خلال العديد من المسوحات، إلى أن الولايات المتحدة ستشهد زيادات هائلة في مصاريف الرعاية الصحية لكبار السن بشكل عام، والمصابين بالأمراض التي تؤثر على الشبكات العصبية نتيجة التقدم في السن neurogenerative مثل مرض الزهايمر والتي تكلف الولايات المتحدة في الوقت الراهن 172 مليار دولار في صورة تكاليف مباشرة وغير مباشرة. ويتوقع لهذا المبلغ أن يرتفع أكثر ليصل إلى ما يقرب من تريليون دولار بحلول العام 2050، وذلك عندما تصل أعداد هائلة من الآباء الأميركيين إلى سن التقاعد وتدخل تدريجيا في مراحل الشيخوخة.
في الوقت نفسه من المستهدف زيادة الإنفاق السنوي الفيدرالي على الرعاية الصحية لمرض الزهايمر فقط من 88 مليار دولار في الوقت الراهن إلى 627 مليار دولار بحلول منتصف القرن، وهو ما يتجاوز بكثير ميزانية الرعاية الطبية الحالية التي بلغت في العام الحالي 468 مليار دولار.
هناك أمل واحد فقط لتلافي تلك الزيادة الرهيبة في الإنفاق وهو الاختراعات العلمية التي تؤخر ظهور مرض الزهايمر وتوفر العلاجات الفعالة له في حالة الإصابة. ومما يؤسف له في هذا السياق أن الميزانية المخصصة للعلماء الذين يشتغلون على هذه الأبحاث هي الأقل مقارنة بميزانيات كافة القطاعات المكونة للبنية الصحية الحكومية للولايات المتحدة الأميركية. وما يمكن الخروج به من كل ذلك هو أننا بحاجة ماسة إلى تغيير ثقافتنا، بحيث تتجه هذه الثقافة إلى تكريم العلماء-وليس نجوم الفن ونجوم الرياضة فحسب - وذلك من خلال تحريرهم من أعباء الصراع من أجل الحصول على الاعتمادات المالية اللازمة للإنفاق على أبحاثهم، بحيث يتمكنون من التركيز على تلك الأبحاث، لأن ذلك التركيز وحده هو الذي سيمكنهم من التوصل إلى العديد من الاختراعات والابتكارات العلمية التي ستساعد على تخليصنا من الكثير من المشكلات التي نعاني منها الآن، وتقليص العديد من جوانب الإنفاق غير اللازم الذي يثقل على ميزانياتنا.
العلماء يجب أن يكونوا هم الفئة التي تحصل على أكبر الرواتب، وأكبر المخصصات، وأكبر فرص الشهرة، وهم الذين يجب أن يرتدوا أفضل الملابس، والذين يجب أن يكونوا قادرين على الترويح على أنفسهم، وإراحة عقولهم، بحيث تتفرغ تلك العقول فقط، للبحث والإبداع بكامل طاقتها.

ميريل كومر - رئيسة مؤسسة «جفري بيني لمبادرة الزهايمر»
كريس موني - مؤلف مشارك في كتاب «أميركا غير العلمية»

ينشر بترتيب خاص مع خدمة"
«إم.سي.تي إنترناشيونال»

اقرأ أيضا