صحيفة الاتحاد

دنيا

رحلات القطع الفنية بين الممالك والمتاحف

زخارف المصحف من عمل الخطاط الهمذاني (الصور من المصدر)

زخارف المصحف من عمل الخطاط الهمذاني (الصور من المصدر)

د. أحمد الصاوي (القاهرة) - تمثل رحلات القطع الفنية من مواطنها الأصلية إلى المتاحف التي تعرض بها واحداً من اهتمامات عديدة لمؤرخي الفنون، وذلك لما تحمله من معان حضارية تبرهن على عالمية حضارة الإنسان وتقدير المجتمعات للقيم الجمالية.
هذا مصحف كبير الحجم تم نسخه في ربعات أي أجزاء ثلاثين في مدينة همذان الشهيرة في بلاد فارس، قبل أن ينتهي به المطاف ليستقر في خانقاه الأمير المملوكي بكتمر الساقي بالقاهرة بعد سنوات قليلة من نسخه.
تبدأ الرحلة كما يبدو من فخامة المصحف خطا وزخرفا بأمر من أحد نواب الخان المغولي أو الإيلخان بعمل هذا المصحف، على يد الخطاط والمزخرف محمد بن محمد الهمذاني الذي انتهى من عمله حسبما سجل ذلك في نهاية الجزء 28 في عام 713 هـ/ 1313م، وطبقا لهذا التوقيع يمكن القول إن المصحف كان للسلطان المغولي أولجايتو الذي كان يحكم دولة إيلخانات المغول بالعراق وإيران آنذاك، ونظرا لقرب مدينة همذان التي ينتمي إليها الخطاط من العاصمة سلطانية، فمن المرجح أن هذا المصحف حمل بعد تمام عمله إلى مدفن أولجايتو بالعاصمة.
وقف
ولكن المصحف أرسل أو حمل من هناك إلى القاهرة في وقت سابق على عام 726 هـ/ 1326م، حيث قام أحد كبار أمراء المماليك في دولة الناصر محمد بن قلاوون بوقفه لمصلحة الخانقاه التي شيدها للمتصوفة بالقاهرة وقتذاك.
وقد سجل في نص الوقفية أنه بسم الله الرحمن الرحيم وقف وحبس وسبل وأبد العبد الفقير إلى الله تعالى حصن المسلمين ملجأ القاصدين أبي سعيد سيف الدين بكتمر بن عبدالله الساقي الملكي الناصري، نفعه الله بالقرآن العظيم، جميع هذه الربعة الشريفة وعدتها ثلاثون جزءاً على كافة المسلمين ينتفعون بذلك في القراءة والنقل والمطالعة والدراسة، وشرط الواقف المذكور أن هذه الربعة المذكورة لا تخرج من التربة المذكورة ولا تعار ولا تخرج إلا للإصلاح وجعل النظر في ذلك لنفسه طول حياته ثم من بعده لذريته الأرشد فالأرشد... وذك بتاريخ السابع والعشرين من شهر جمادى الآخرة سنة ست وعشرين وسبع مائة».
ولكن كيف انتقلت الربعة الشريفة من سلطانية إلى القاهرة بعد 13 عاما فقط من نسخها؟ هل تمت سرقتها من مدفن أولجايتو بعيد وفاته أم أرسلت من بلاط خلفه أبي سعيد بهادر خان إلى بلاط المماليك بالقاهرة.
رحلة المصحف
وقبل أن تتداعى التخمينات وجدنا بنهاية الجزء الخامس عشر نصا كاشفا لجانب من رحلة المصحف إلى القاهرة، وهو نص ملتبس كليا إذ يحمل ألقابا سلطانية اعتاد إيلخانات المغول إسباغها على أنفسهم، مثل «السلطان الأعظم سلطان سلاطين العالم مظهر أنوار الله مظهر أسرار الله محيي السنة والفرض، ظل الله الظليل في الأرض غياث الحق والدنيا والدين مغيث الإسلام وغوث المسلمين»، وفي عقبها وبخط ولون مختلفين لقب الملك الناصر الذي سجل باللون الذهبي وبخط الثلث المملوكي، مما يشير إلى واقعة تزوير يصعب غض النظر عنها. ويزداد اليقين بأن لقب الملك الناصر قد أقحم في النص إقحاما، عندما نرى عبارات ذات مسحة شيعية ظاهرة تتوافق مع حقيقة تشيع أولجايتو في آخر سنوات حكمه، مثل بحق النبي وآله وصحبه الطاهرين وصلى الله عليه وعلى آله الطيبين مخرجي نهر الحقيقة من بحار القرآن «التأويل».
وقائع التاريخ
وإذا كنا نستبعد كليا إقدام السلطان المملوكي الأكثر ثراء بين ملوك الأرض آنذاك أو أحد من رجال دولته على القيام بهذا التزوير الساذج، أو حتى ارتكاب حماقة شراء مصحف شريف تمت سرقته، فإن علينا أن نبحث في وقائع التاريخ للوصول إلى الصلة الخفية بين الناصر محمد بن قلاوون، وهذا المصحف الذي انتقل من مدفن أولجاينو المغولي لمدفن بكتمر الساقي المملوكي.
وتسعفنا المصادر التاريخية بعدة وقائع تشير الأولى منها لتلقي الناصر محمد هدايا سنية من سلطان المغول أبي سعيد بهادر خان، الذي اعتلى العرش خلفا لسلفه أولجايتو وقام بإعلان المذهب السني مذهبا رسميا للدولة ويمكن توقع أن الملك الجديد أراد أن يتحف السلطان المملوكي بهدية سنية على وجه السرعة، فقصد ضريح أولجايتو وحمل منه نسخة المصحف وقام خطاط حاذق بحذف اسم أولجايتو، والأرجح أنه كان قد سجل بصيغة خدابنده «عبدالله» محمد، وأحل مكانه كلمتي الملك الناصر مستخدما اللون الذهبي وذات الخط المألوف في تسجيل اسم السلطان المملوكي.
وتبقى تلك الصلة الغامضة بين المصحف المغولي المهدى لسلطان المماليك والأمير بكتمر الساقي، ولكن التمعن قليلا في سيرة الرجلين يسبر غور هذه الصلة بسهولة.
كرسي العرش
ذلك أن الأمير بكتمر كان خلال الفترة الثانية من حكم الناصر محمد بن قلاوون أحد الأمراء الكبار الثلاثة الذين يحاصرون الملك الشاب، ويحاولون السيطرة على الدولة وقد حاول بكتمر أن يحسن فرصه في الوثوب لكرسي العرش، عن طريق التمسك بأهداب نسب ملوكي مع الناصر محمد فتزوج شقيقة الملك وزوج أيضا ابنته للأمير الصغير أنوك ابن الناصر محمد بن قلاوون، وكان من المنطقي عند افتتاحه للخانقاه التي ألحق بها تربة ليدفن بها أن يهدي إليه السلطان بعضا من المصاحف الفخمة والكتب وربما لم يجد قلاوون أي غضاضة في أن يهدي إليه تلك النسخة التي كان يعلم جيدا أنها لم تنتج من أجله شخصيا. ومما يعزز من هذا الاعتقاد أن المقريزي يشير إلى إهداء الناصر محمد هدايا سنية لبكتمر بمناسبة افتتاح الخانقاه.
زخارف
واللافت أن هذا المصحف بزخارفه التي تعتمد على الرسوم الهندسية النجمية، قد ترك أثرا واضحا على مصاحف العصر المملوكي في تلك الفترة وخاصة من زاوية اعتماد زخرفة الأطباق النجمية كعنصر رئيسي في زخارف المصاحف، وإن تفوقت الزخارف المملوكية على أسلوب الهمذاني الذي لم يسرف في استخدام ماء الذهب في زخارفه، بالمبالغة في استخدام التذهيب لإعطاء المصاحف المملوكية الكبيرة مسحة من الفخامة الأنيقة.
والعالم الإسلامي خلال تلك الفترة من القرن الثامن الهجري ورغم التشتت والصراعات السياسية والمذهبية بين دوله وممالكه، كان يشكل وحدة حضارية واحدة تنتقل فيها التأثيرات الفنية المتبادلة من إقليم إلى آخر بلا عوائق تذكر، وخاصة عبر نسخ المصاحف الفخمة التي كانت موضع تقدير المسلمين كافة.


فرصة نادرة

أتاحت تلك الوحدة الحضارية لذلك المصحف الفريد فرصة نادرة لنقل بعض تقاليد همذان الفنية إلى بلاط المماليك بمصر، على الرغم من تواضع هذه التقاليد قياسا بالمصاحف المنتجة في بغداد خلال عصر المغول، أو حتى بتلك التي أنتجت في ربع الرشيدية تلك الضاحية الفريدة التي أسسها الوزير رشيد الدين لتكون مقراً لإنتاج المخطوطات التاريخية والأدبية، فضلا عن النسخ الملوكية من المصحف الشريف.


الوزير رشيد الدين الهمذاني

القاهرة (الاتحاد) ـ هو فضل الله بن عماد الدولة أبو الخير بن موفق الدولة غالي الهمذاني المعروف برشيد الدين، وزير حكام المغول في العراق وإيران وأحد كبار المثقفين في حضارة الإسلام.
ولد رشيد الدين على أرجح الأقوال عام 645 هـ في همذان التي حرص على أن ينسب إليها، رغم أنه قضى وقتا مهما من حياته في تبريز. تعلم في همذان الطب وبرع فيه ورغم أن البعض من المؤرخين قال إنه يهودي الأصل، أو إنه دخل الإسلام وهو في الثلاثين من عمره فقد أشار غير مرة إلى حماس جده ووالده للإسلام وانغماسهما في أنشطة الطرق الصوفية، وربما يعود هذا الالتباس بشأن عقيدته الأولى لحقيقة أن رشيد الدين كان أول مؤرخ مسلم يكتب بالتفصيل الدقيق عن تاريخ اليهود وعقائدهم في كتابه الأشهر جامع التواريخ.
صاحب عقلية
ورشيد الدين كان موهوباً وصاحب عقلية علمية فذة وذاكرة موسوعية، ففضلاً عن تمرسه بالطب كان يجيد عدة لغات إلى جانب لسانه الفارسي، فهو يجيد العربية إجادة تامة حتى أنه حير أهل الشام ببلاغة رسائله التي دبجها على لسان المغول لحملهم على الاستسلام، ويجيد أيضاً لسان المغول وهو ما أتاح له الالتحاق بخدمة بلاط المغول ويقرأ ويكتب العبرية، بل كان ملماً باللغتين التركية والصينية حتى أنه نقل العديد من النصوص المهمة منهما إلى كتابه جامع التواريخ.
وكان زيادة على ذلك ملما بعلوم شتى منها الزراعة والهندسة المعمارية والفلسفة، ولذا لم يجد أباقا خان أفضل منه ليكون طبيبه الخاص، ولكنه أصبح إضافة لمهنته الأصلية وزيرا لغازان محمود الذي أعجب بحججه في بعض المسائل الدينية، بعدما نبذ نهائياً البوذية وأقر الإسلام ديناً رسمياً لدولة إيلخانات المغول.
وبعد وفاة غازان محمود عمل رشيد الدين وزيرا في بلاط شقيقه وخليفته أولجايتو، ولكن نفوذه بالبلاط تراجع بشدة بعد تخلي أولجايتو عن المذهب الحنفي وتحوله للمذهب الشيعي الإمامي، ولكن الوفاة المفاجئة للخان في عام 717 هـ جاءت بابنه أبي سعيد بهادر خان للحكم، ولما كان الأخير مقتنعاً بالمذهب الحنفي فقد ألغى كافة مظاهر التشيع وأعاد النفوذ الذي كان لرشيد الدين لسابق عهده كما كان في فترة حكم غازان محمود.
رجل حكيم
ولكن نجاح رشيد الدين وسمعته الطيبة كرجل حكيم ومحسن كبير يغدق على العلماء والشعراء، أوغر صدور منافسيه بالبلاط وفي مقدمتهم الوزير علي شاه الذي أوغر صدر بهادر خان، مدعياً أن رشيد الدين بوصفه طبيب السلطان أولجايتو أوصى ابنه عز الدين إبراهيم بأن يسقي السلطان السم، ليتخلص منه وللأسف أن أبا سعيد صدق هذه الوشاية وأمر بعد عام واحد من جلوسه على العرش بمعاقبته بالقتل، وقبل أن يقوم الجلاد بشقه إلى نصفين أي توسيطه من فوق الخصر في عام 718 هـ، تم تنفيذ حكم الإعدام في ابنه إبراهيم على مرأى منه وكان شاباً في السادسة عشرة من عمره. ولم يكتف أبو سعيد بذلك بل أمر بأن يقطع رأسه ويحمل على رمح ويطوف به مناد داخل تبريز يقول هذا رأس اليهودي الذي بدل كلام الله، واضعاً بذلك نهاية غاية في الدموية لهذا العالم والمؤرخ والطبيب.


الربع الرشيدي

القاهرة (الاتحاد) ـ قبل أن تعرف الأمم المدن العلمية والثقافية المعنية بأنشطة التأليف والترجمة والطباعة، كانت دولة إيلخانات المغول وقد تخلصت لتوها من وثنيتها البوذية، قد امتلكت أول نموذج معروف لهذه المدن الثقافية في التاريخ.
ففي عهد غازان محمود أول سلطان مغولي يعلن الإسلام دينا رسميا لدولتهم في العراق وإيران عام 699 هـ، قام طبيبه ووزيره الشهير رشيد الدين الهمذاني بتشييد حي خاص بقرب مدينة تبريز عرف باسم ربع الرشيدية.
وتعود قصة الرشيدية لتكليف غازان محمود لوزيره المثقف بالعمل في تأليف كتاب تعريفي مصور عن تاريخ المغول، يستفيد به كل مغولي ليدرك تاريخ أسلافه كما لو كان قد عايشهم ويتعرف من خلاله رعايا دولته من المسلمين على الأدوار والبطولات التاريخية للمغول، وذلك بعد أن جمع له كل ما بحوزة رجال الدولة من وثائق مقدسة ليطلع على مادتها النادرة، ويعيد صياغة معلوماتها في صورة كتاب تاريخي أعطاه رشيد الدين اسم التاريخ الغازاني اعترافا بدور غازان محمود في رعايته.
ولما كانت لدى رشيد الدين الموارد المالية اللازمة فقد رأى أن ينبت مشروع الكتاب في بيئة علمية متكاملة، يستفيد فيها من جهود طلاب العلم في تحصيل ما في الكتب بشكل مركز وسريع وفي نسخ أعداد كافية من نسخ الكتاب الذي يمكن النظر إليه تحت عنوان القراءة لجميع المغول.
وشرع رشيد الدين في السنوات الأخيرة من القرن السابع الهجري وبدايات القرن التالي «13-14م»، في تشييد مباني الربع التي شملت عددا من المدارس ومكتبة ضخمة ومسجداً ومستشفى وحمامات ومنازل برسم إقامة المدرسين والطلاب بها.
وأقام رشيد الدين بمدينته الصغيرة مصانع للنسيج وللورق وأماكن أو ورش عمل، لنسخ الكتب وتذهيبها وتجليدها وتزويدها بالصور التوضيحية لتقريب موضوعاتها لأذهان المغول حديثي العهد بالإسلام، والذين اعتمدوا سابقاً على فهم عقائدهم الوثنية بالصور والتماثيل.
وحسب تقديرات المؤرخين المعاصرين، فإن هذه المدينة الثقافية الصغيرة كانت تضم بين جنباتها قرابة سبعة آلاف من المدرسين والطلاب والخطاطين والمشتغلين بفنون الكتاب، ولم يكن هؤلاء من جنس المغول فقط بل من مختلف الأعراق التي كانت تعيش تحت حكم الخان المغولي. كما كان يقيم بربع الرشيدية عدد من الفقهاء والقراء ولذا أفرد لكل فئة من سكان الربع منطقة خاصة بهم، وزاد على ذلك التقسيم الوظيفي تأمين الموارد المالية لأنشطة العلم والثقافة للربع، عن طريق أوقاف جزيلة العوائد من ثروته الخاصة ومنها كانت تدفع الرواتب والأرزاق، فضلاً عن توفير الطعام للمقيمين بالربع وكسوتهم.
ولكن الربع دمر بشكل كبير بسبب شائعة دس رشيد الدين السم للخان أولجايتو، والتي أوجبت قتله إذ عاث فيه العامة فساداً وتخريباً ومن ثم فقد جزءاً كبيراً من تراثه العلمي وخاصة من كتاب رشيد الدين الموسوعي المعروف بجامع التواريخ، حيث لم تصلنا فعلا إلا بعض أجزاء منه. وقد حاول ابنه الوزير غياث الدين إحياء أنشطة الربع، إلا أن مقتله وضع نهاية لهذا المسعى ولربع الرشيدية الذي أضحى أثراً بعد عين.