الاتحاد

تقارير

دولة جنوب السودان: مستقبل مهزوز

في إحدى الدوارات الرئيسية بمدينة جوبا عاصمة جنوب السودان، نصبت ساعة رقمية ذات أربعة وجوه، يحمل كل واحد منها عنوان "العد الرقمي لاستفتاء جنوب السودان"، ثم هناك مساحة أسفل العنوان تشير إلى الزمن المتبقي بعدد الأيام والساعات والدقائق والثواني.
يذكر أن استفتاء تقرير مصير جنوب السودان، والذي بدأ في التاسع من يناير الجاري، يعد جزءاً من اتفاقية نيفاشا التي وضعت حداً للحرب الأهلية بين الشمال والجنوب في عام 2005، وأن نتيجة التصويت التي تسفر عنها سوف تقرر ما إذا كان جنوب السودان سيبقى في إطار السودان الموحد، أم أن السودان سينقسم إلى دولتين شمالاً وجنوباً.
وفي كل وجه من وجوه الساعة الرقمية المنصوبة على الدوار، رسم ليدين تحررتا من الأصفاد التي كانت تكبلهما، وقد تدلت من تحتهما السلسلة الحديدية، في إشارة رمزية إلى حكم الجنوب سابقاً من قبل السلطة المركزية في الخرطوم.
ورغم أن تلك الساعة الرقمية ليس لها قيمة تذكر في تحديد الفترة الزمنية المتبقية لإجراء الاستفتاء، والذي يرجح الكثيرون أن يسفر عن تصويت أغلبية جنوبية ساحقة لصالح الانفصال، فإن في عجز هذه الساعة رمزية قوية معبرة عما يمكن أن ينتهي إليه هذا "الطلاق البين" بين شطري السودان. ذلك أن إرادة الانفصال والإعلان عن قيام دولة جديدة في الجنوب قوية بالتأكيد. بيد أن الوسائل العملية المؤدية إلى قيام هذه الدولة لا تزال في رحم الغيب حتى الآن.
فجنوب السودان الذي خرج لتوه من دوامة 20 عاماً من الحرب الأهلية المستمرة التي حصدت أرواح نحو مليوني مواطن، يعتبر أحد أقل مناطق العالم نمواً، ومع ذلك يرجح له أن يكون أحدث دولة ناشئة في عالم اليوم. ولهذا السبب ثمة تنامي في الاعتراف بما يتطلبه قيام دولة جديدة هناك، وإن جاء هذا الاعتراف متأخراً بعض الشيء.
واستجابة لهذه المتطلبات، فقد قرر المجتمع الدولي ممثلاً في الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والبنك وصندوق النقد الدوليين، إضافة إلى المانحين الرئيسيين: الولايات المتحدة وبريطانيا والنرويج وهولندا، ببذل كل ما يمكن لجعل ميلاد هذه الدولة الناشئة في جنوب السودان ناجحاً وجديراً بالإعلان عنه. ومن جانبها حددت السلطات الحاكمة في جنوب السودان قائمة بصلاحيات الحكم الأساسية، والتي تتطلب دعم المانحين لها. وكانت هذه القائمة قد بدأت أولاً بـ22 صلاحية ومهمة من صلاحيات ومهام الدولة الجديدة، لكنها انخفضت إلى 17 فحسب.
وعلى أية حال، فالوثيقة المؤلفة من 57 صفحة بهذا الخصوص، والتي تم عرضها بتقنية الباور بوينت، شملت عناوين رئيسية لما "يمكن تحقيقه" وما هو "مطلوب لتحقيق الأهداف" وما هو "قابل للتنفيذ"، وهي بمثابة خريطة طريق لما يمكن القيام به في هذا الخصوص.
غير أنه ينبغي القول بأن ما يستحيل تحقيقه في المستقبل المنظور -أي المعضلة الكامنة وراء مشروع إنشاء دولة الجنوب- هو عامل "بناء القدرات" فيما يتعلق بالجانب البشري والمهارات المطلوبة لبناء الأمة الجديدة. والمقصود بهذا المصطلح حاجة الدولة الناشئة لأي مهارات بشرية يمكن توقعها. فعلى امتداد عقدين من الزمان، ظل الجنوبيون إما في حالة حرب أهلية مدمرة مع الشمال، أو في حالة فرار منها.
لذلك لم يكن ثمة وقت لتعلم أي شيء، دعك من المهارات المطلوبة لإدارة دولة بكاملها. وخلال زيارتي القصيرة لأنحاء واسعة من الريف الجنوبي، رأيت مظاهر الفقر المدقع، ومضخات مياه الشرب المتعطلة، بينما لا توجد موارد مائية نهائياً في بعض المناطق. أما الطرق فبالكاد تصلح للاستخدام، أو لا توجد أصلاً. ووسط هذا كله، لا يعرف الكثير من مواطني الريف من أين يقتاتون بعد أن قضت أسراب الجراد على الأخضر واليابس من محصول الذرة لهذا العام.
وفيما يتصل بقطاع الخدمات، فالملاحظ أن المنظمات غير الحكومية تقدم نسبة 80 في المئة من خدمات الرعاية الصحية والتعليم لمواطني الجنوب.
وبالنظر إلى هذا الواقع، فليس غريباً أن ينظر المرء بكثير من الشك والحذر إلى ذلك العرض البصري الذي قدم حول دعم المانحين لقطاعي التعليم والرعاية الصحية في دولة الجنوب الجديدة، مع العلم أن مادة العرض تشمل 57 صفحة كاملة. ذلك أنه ليس متوقعاً أن يولي المجتمع الدولي اهتماماً لهذين القطاعين الخدميين، في وقت تكرس فيه الجهود الدولية كلها على بناء الدولة ومؤسساتها ونظمها وتشريعاتها. لكن رغم ذلك، تحاول وكالات ومنظمات الغوث العالمي لفت انتباه المانحين الدوليين إلى أهمية القطاع الخدمي. وكما نعلم فليس متوقعاً لدولة تعجز عن توفير المتطلبات الأساسية لمواطنيها أن تبقى وتستقر.
ويذكر أن فريقاً تابعاً لمنظمتنا "لجنة الإنقاذ الدولي" قد أجرى استطلاعاً لآراء مواطني ريف جنوب السودان قبل الاستفتاء بقليل. وأكدت غالبية المستطلعين أن نتيجة الاستفتاء الشعبي سوف تسفر عن انفصال الجنوب، وأن الاستقلال سوف يأتي مصحوباً بانتشار المدارس والمستشفيات والعيادات. لكن، وكما نعلم، فلن يكون بوسع الانفصال وحده بناء المدارس والمستشفيات، أو لنقل إنه لن يحقق هذا الهدف تلقائياً كما يتصور مواطنو الريف.
ومهما يكن، فإن الشعارات واللافتات المعلقة في شوارع جوبا تؤكد الجانب الإيجابي للانفصال: "صوتوا من أجل حريتكم"، و"صوتوا من أجل استقلال جنوب السودان".. إلخ.
أما في الريف فتبدو البوسترات ومواد الدعاية أكثر وضوحاً ومباشرة: "لا حياة لوحدة الشمال والجنوب"، و"الوحدة القهرية تعني الحرب". ومما لا ريب فيه أن الجنوبيين يريدون الاستقلال. وفي كل مرة يدعو فيها الشماليون إلى بقاء السودان موحداً، يرد عليهم الجنوبيون بالقول: كلا... نشكركم كثيراً.
غير أنه لم يتضح بعد ما إذا كان قادة الجنوب والمانحون الذين أعربوا عن التزامهم بدعم استقلال الإقليم، سوف يتمكنون من تحمل المسؤوليات والمهام الكبيرة التي يتطلبها الإعلان عن ميلاد دولة جديدة.

آن هوسارسكا
مستشارة رئيسية للسياسات بـ"لجنة الإنقاذ الدولي"

ينشر بترتيب خاص مع خدمة
«إم. تي. سي. إنترناشونال»

اقرأ أيضا