الاتحاد

تقارير

«المجتمع الكبير»... خطة التقشف البريطانية

لقد أوليت اهتماماً كبيراً خلال الأسابيع الأخيرة الماضية لدراسة ما يسميه رئيس الوزراء البريطاني، كاميرون، "المجتمع الكبير"، على افتراض احتمال أن يصل هذا التصور للمجتمع الكبير إلى هنا في أميركا في لحظة ما، يسعى فيها ساستنا للتصدي لمشكلة تضخم عجز الموازنة الفيدرالية. ويتلخص الأسلوب الذي اتبعه كاميرون في إجراء تخفيضات حادة للإنفاق الحكومي، وتسريح أعداد كبيرة من الموظفين الحكوميين، إضافة إلى خفض الخدمات الحكومية، مقابل ما يسمى "التمكين الاجتماعي"، وغيرها من إجراءات تقشفية صارمة.
غير أن كاميرون فاجأني بخطوة أفسدت علي بدء إعجابي بخطة "المجتمع الكبير" التي تبناها. في الثالث والعشرين من نوفمبر المنصرم، أعلن كاميرون أن التاسع من أبريل سوف يكون "يوماً للعطلة من البنوك" في جميع أنحاء المملكة المتحدة. وفي هذه المملكة تقابل عبارة "عطلة من البنوك" اليوم الوطني لدينا هنا في أميركا، أي أن يتمتع جميع العاملين بيوم عطلة مدفوعة الأجر. وبلغة الأرقام، فإن أي يوم عطلة من البنك يكلف الاقتصاد البريطاني حوالي 6 مليارات جنيه استرليني. وهذا ما أفسد علي انبهاري وإعجابي بفكرة "المجتمع الكبير" لأنه ليس من الحكمة الإعلان عن عطلة مكلفة كهذه، في وقت تسعى فيه الحكومة لإعادة بناء اقتصادها القومي.
ويحدث هذا التبديد لمال الخزانة العامة، مقابل توقعات بفصل ما يقارب نصف مليون من موظفي وعمال القطاع الحكومي خلال السنوات الأربع المقبلة، أي ما يعادل سدس إجمالي القوة العاملة في هذا القطاع. وفي الوقت نفسه سوف تخفض ميزانيات معظم الدوائر الحكومية بنحو 19 في المئة، باستثناء خدمات الصحة الوطنية، والعون الخارجي، في حين يتوقع خفض الموازنة الدفاعية خلال الفترة نفسها بنحو 8 في المئة.
وتأتي كل هذه الإجراءات في سياق خطة حكومية تهدف إلى خفض مبلغ 81 مليار جنيه استرليني من الإنفاق الحكومي خلال السنوات الأربع المقبلة، بهدف السيطرة على عجز الموازنة العامة. ولمن لا يزال يعتقد أن الولايات المتحدة تواجه مشكلة تضخم في إنفاقها الحكومي، عليه أن ينتبه إلى أن موازنة بريطانيا للعام الحالي تعادل ربع حجم الموازنة الأميركية، مع العلم أن الاقتصاد البريطاني لا يساوي إلا سُبُعٍاً واحدٍاً من حجم الاقتصاد الأميركي.
أما من الناحية التشريعية، فإن النظام البرلماني البريطاني يسمح للحكومة باتخاذ القرارات والتحرك نحو تنفيذ الخطط المجازة على نحو أسرع من نظامنا بكثير. وعلى سبيل المقارنة، فقد اقترح رئيسا "اللجنة الرئاسية الثنائية الحزبية المختصة بالمسؤولية والإصلاح الماليين" في أميركا تبني بعض الإجراءات المالية التقشفية الهادفة إلى خفض الإنفاق الحكومي، لكنها لا تزال أقل تقشفاً من الخطة البريطانية. وخلافاً لما هو عليه الحال في بريطانيا، فمتى ما اقترحت خطط وبرامج تقشفية، فإنه يتعين إخفاؤها وإلباسها مسميات أخرى مثل تسمية "المجتمع الكبير" التي أطلقها كاميرون على خطته. وقد واجه كاميرون نفسه صعوبة كبيرة في شرح المراد بهذه التسمية، أكبر مما واجه من صعوبة في تمريرها وبدء تطبيقها عملياً. بيد أن الخطة تهدف فيما يبدو إلى أن تنشئ الحكومة البريطانية عدة شراكات بينها والمنظمات المجتمعية والخيرية والأفراد، كي تقوم هذه المنظمات والمؤسسات بالأدوار والمهام التي كانت تتولاها الحكومة.
وبعد شهور قليلة على تسلمه منصبه في 10 داوننج ستريت، قال كاميرون "إن فكرة المجتمع الكبير معنية أساساً بتغيير هائل في الثقافة الإدارية السائدة".
والمقصود بالفكرة ألا يلتفت الناس في حياتهم اليومية، وفي بيوتهم وأحيائهم السكنية، وكذلك في أماكن عملهم، إلى المسؤولين أو السلطات المحلية أو الحكومة المركزية بحثاً عن إجابات عن الأسئلة المتعلقة بالمشاكل، وأن يتمتعوا بقدر أكبر من الحرية والقدرة على مساعدة أنفسهم ومجتمعاتهم على حد سواء. لكن السؤال: كيف لهذا التغيير أن يتم؟
الفكرة هي أن يتلقى "المديرون المبتكرون الاجتماعيون" تمويلاً من الحكومة لبدء أنشطتهم المقصود لها أن تعود بالخير على المجتمع كله. وسيكون بوسع الخيرين الذين يتصدون لمشاكل المشردين تلقي مساعدات مالية حكومية تعينهم على توسيع جهودهم حتى تعم عدداً أكبر من هذه الفئة الاجتماعية. وسيتسنى للذين يحرصون على خفض معدلات الجريمة في أحيائهم السكنية، الاطلاع على تقارير الشرطة المتعلقة بالجرائم، فضلاً عن السماح لهم بإنشاء مجموعات للحراسة ومكافحة الجريمة المحلية. وبالمثل يمكن للآباء الذين يرغبون في افتتاح مدرسة في حي سكني ما، الحصول على منحة مالية حكومية من "بنك المجتمع الكبير" لبدء مشروعهم وإنجاحه. وعموماً فالمتوقع أن تتكفل الحكومة بدفع رواتب نحو 5 آلاف من الناشطين والمنظمين الاجتماعيين وفقاً لتصور التغييرات الاجتماعية هذه.
بيد أن الكثيرين -بمن فيهم أعضاء في حزب المحافظين الذي يتزعمه كاميرون- يتشككون في مدى حماس المواطنين البريطانيين العاديين للمشاركة في تنظيم أنشطة اجتماعية كهذه.
وبما أن هذا هو شعور المحافظين، فمن الطبيعي أن يعارض الخطة وينتقدها خصومهم. فهؤلاء يعتقدون أن الخطة التي تبناها كاميرون تحت المسمى المذكور، ليست سوى محاولة منه لإخفاء حقيقة التخفيضات الهائلة في الإنفاق الحكومي، التي تبنتها الخطة. وعليه يأمل حزب العمال أن يتمكن من العودة إلى سدة الحكم مجدداً، وذلك باستثمار السخط الشعبي العام الذي أثارته خطة كاميرون التقشفية هذه.

كيفن هوريجان
كاتب أميركي متخصص في الشؤون الاقتصادية

ينشر بترتيب خاص مع خدمة
«إم. سي. تي. إنترناشونال»

اقرأ أيضا