صحيفة الاتحاد

الرياضي

مذهلة وأجمل من الأخيلة

إذا سألكم أحدهم لماذا تعشقون كرة القدم لحد الجنون؟ لماذا تهيمون حباً بها لحد الوله؟ فليكن جوابكم، ما تغنى به فنان العرب محمد عبده في رائعته «مذهلة».. كل شيء في كرة القدم أجمل من الأخيلة، وكل معجزة مرت بهذا الكون لها بها صلة، كل شيء فيها تظن أنك تعرفه تجهله، كل لا معقول فيها ورغم هذا تعقله؟ وإذا ما طلب منكم أحدهم مثالاً، لهذا المعجز واللا معقول والأجمل من الأخيلة الذي يحرك براكين الجنون والوله في كرة القدم، فدلوه على مباراة بلجيكا واليابان التي كانت بمطلق الأمانة أرقى وأجمل ما شاهدناه، ليس فقط في دور الستة عشر، بل في المونديال كله، على الأقل حتى الآن، فيها ما يعطينا كل الحق في أننا أحببنا فيها شقوتها وجنونها.
ولو أنا بدأت في رصد معالم الجنون والوله في هذه المباراة، أبدأ بطبيعة الحال بالشجاعة التي أبداها المنتخب الياباني في مقارعة منتخب بلجيكي رفعته الترشيحات إلى مستويات لا يطالها الجدال، منتخب قدم لنا كعرب درساً في التواضع، وفي العمل المؤسس على البراجماتية، وفي الانتقال التدريجي من استيراد الكفاءات إلى توطينها، بطريقة لا مزايدة ولا شعبوية فيها، وطبعاً بعد ذلك سيأتي السيناريو المضحك والمبكي للجولة الثانية، للتقدم الياباني الذي أبهر من أبهر وصدم من صدم، وللعودة الأنطولوجية لشياطين بلجيكا في الخمس عشرة دقيقة الأخيرة من عمر المباراة، بدخول المغربيين الأصل مروان فلايني وناصر الشاذلي، والتي أعطت ثلاثة أهداف بلجيكية، هي التي عطلت كل رموز وشفرات الكمبيوتر الياباني، وللإيقاع المرعب الذي سارت به مباراة الجنون من أولها لآخرها، وللمرتد الذي سجل منه منتخب بلجيكا هدف الفوز، هدف التأهل في الوقت القاتل، والذي يستحق أن يدرس في المعاهد العليا لتخريج كبار التكتيكيين العالميين، وقد كان نهاية الشهد والدموع، تلك الصورة الجميلة والمشبعة بقيم الإنسانية والوفاء، عندما اصطف لاعبو اليابان بقلوب موجوعة وبأعين دامعة، وانحنوا تقديراً واعتذاراً لجماهيرهم التي ضربت كعادتها في هذا المونديال أروع الأمثلة على الحب الملتزم الذي لا تطرف فيه ولا انحراف، ومن تلك الأمثلة الرائعة، ما شاهدناه بعد ساعة من المباراة وأحد اليابانيين يجمع ما لفظته الجماهير من أوعية فارغة في مدرجات ملعب روستوف أرينا.
في مباراة بلجيكا واليابان، صور إبداعية أنقذت مونديال روسيا من بعض الرتابة التي أصابت كثيراً من مبارياته، وقد تعمدت منتخبات تحنيط دفاعاتها ونصب الخرسانات في مشهد تكتيكي يصيب بالملل، وبالغت أخرى في استنساخ ما تشوه في فلسفة «التيكي تاكا»، وفي مباراة بلجيكا ما يقول أحببناك يا كرة القدم، فافعلي بنا ما يحلو لك.