الاتحاد

عربي ودولي

دراسة إسرائيلية: الشباب قوة ايران وأزمتها


أحمد إبراهيم :
في واحدة من أهم الدراسات الإسرائيلية التي وضعت عن إيران أصدر مركز موشيه ديان للدراسات الشرق أوسطية والأفريقية في جامعة تل أبيب دراسة بعنوان 'الشباب الثائر في إيران' ،وهي الدراسة التي وضعها البروفيسور الإسرائيلي مائير ليتفك الخبير في الشؤون الإيرانية والمتخصص بهذا المجال أخيراً·
وتأتي أهمية هذه الدراسة نتيجة لاعتمادها على العديد من التقارير الاستخباراتية التي وضعتها الأجهزة الأمنية في تل أبيب والتي تعكس وجهة نظر إسرائيل بالتحديد حيال التطورات السياسية الحاصلة في طهران ودور الشباب الإيراني بها ،وهو الدور الذي رأت الدراسة أنه يمثل أهمية كبيرة للغاية خاصة مع قوة هؤلاء الشباب في إيران وقيادتهم للعشرات من التحركات السياسية سواء على الصعيد الداخلي أو حتى الخارجي الإيراني ، الأمر الذي دفع الدراسة لتشبيه هؤلاء الشباب ب' القوة الأزمة' التي تواجه إيران والتي من الممكن أن تؤثر سلبياً عليها في أي وقت ·
بداية توضح الدراسة أهمية الشباب كشريحة قوية وفاعلة في إيران ، حيث تبلغ نسبة الشباب دون الثلاثين عاماً قرابة 63% من عدد السكان وهي نسبة كبيرة للغاية وباتت تقلق قطاعا واسعا من الحكام ورجال الدين في طهران ذاتها خاصة وأن قطاعا واسعا من هذه النسبة ولد بعد الثورة الإسلامية التي اندلعت في طهران مع نهاية السبعينيات وأطاحت بحكم الشاه وأتت بالإمام الخميني على رأس حكومة إسلامية متشددة ، وهو ما يجعل هؤلاء الشباب مغيبين عن الظروف التي نشأت فيها هذه الثورة وبالتالي لا يوجد لديهم ما أسمته الدراسة ب' الولاء الكافي' أو ' المعرفة الكاملة ' للثورة الإسلامية ·
احتجاج الشباب
وتنقل بعد ذلك الرؤية التحليلية الإسرائيلية للشباب الإيراني وهي الرؤية التي تؤكد على رغبة قطاع واسع من هؤلاء الشباب في العيش بحرية بعيداً عن القيود التي تفرضها المؤسسة الدينية في إيران والتي تفرض انتهاج سياسة الحكم بالشريعة الإسلامية على جميع طوائف الشعب خاصة الشباب ·
وتزعم أن هؤلاء الشباب يختلفون عن أي شباب آخر في الشرق الأوسط ممن يدعمون انتهاج 'الشريعة الإسلامية' لتطبيق الحكم خاصة مع قدرة أعضاء الجماعات الإسلامية في المنطقة في انتهاج سياسات وإلقاء خطب موجهة في الأساس لهؤلاء الشباب وتستطيع أن تعالج مشاكلهم المختلفة ·
وتنقل جزءا من تقرير وضعه جهاز المخابرات الإسرائيلي 'موساد' عن التطورات السياسية في إيران ،وهو التقرير الذي نقل غضب الكثير من رجال الدين الإيرانيين بسبب عدم التزام قرابة 85% من الشباب الإيراني بإقامة الصلاة يومياً ، بل وتفضيل أغلبهم سماع الأغاني الشبابية وإقامة الحفلات السرية بعيداً عن أعين الرقابة الإسلامية المنتشرة في إيران·
إلا أن التحول الخطير في عمل هؤلاء الشباب لم يقف فقط عند حد رفض تطبيق الشريعة الإسلامية أو الحياة ب' الأسلوب الغربي' ولكنه أتخذ طابعا احتجاجيا حادا منذ عام 1999 حيث دخل هؤلاء الطلاب في مظاهرات وصراع مرير مع حكومة طهران لاختلافهم معها في العديد من التوجهات السياسية أو الاقتصادية التي ترغب في فرضها في إيران ، وهو ما أصاب حكومة طهران بالقلق الشديد خاصة وأن الثورة الإسلامية قامت في الأساس على أكتاف هؤلاء الشباب الإسلامي الثوري بل وقاد هؤلاء الشباب العشرات من مظاهر التعبير عن الفرحة بهذه الثورة بداية من تدمير العديد من المؤسسات الأمنية الإيرانية التي كانت تحكم طهران من حديد في عهد الشاه وحتى الهيئات والمؤسسات الغربية التي نظر إليها هؤلاء الشباب ك'رمز' للاستعمار والتغلغل الأجنبي الذي كانت الدول الغربية تقوم به في عهد الشاه وعلى رأس هذه المؤسسات السفارة الأميركية في طهران والذي تردد أن الرئيس الإيراني الحالي محمود أحمدي نجاد كان من ابرز الشباب الإيراني الثائر الذي قاد عملية اقتحام هذه السفارة واعتقال الدبلوماسيين الموجودين بها·
المثير أن تقرير المخابرات الإسرائيلية اعتبر أن أغلب الشباب الإيراني وفي قرارة أنفسهم لا يكرهون القوى الغربية المعادية لإيران وعلى رأسها الولايات المتحدة بل على العكس يقدرونها ويهتمون بالأبحاث العلمية والتطورات السياسية التي تلم بها وذلك على عكس ما تسعى طهران إلى تصديره للخارج من أن كل طوائف المجتمع الإيراني تكره الولايات المتحدة الأميركية ·
الشباب·· والتطبيع
وتستشهد الدراسة بالاستفتاء الذي أجراه عدد من النشطاء السياسيين الإيرانيين عام 2002 والذي أعرب فيه 75% من الشباب في طهران عن رغبتهم في أن تطبع الولايات المتحدة علاقاتها مع واشنطن ، الأمر الذي أثار ردود فعل واسعة النطاق في إيران آنذاك وتم اعتقال القائمين على هذا الاستفتاء على الفور وهو الاعتقال الذي أثار ردود فعل واسعة النطاق بين الشباب خاصة وأن حكومة طهران وجهت إليهم اتهامات بالخيانة العظمى وبانتهاج سياسات تتعارض مع النظام الإسلامي الذي ترغب طهران في تطبيقه·
بالإضافة لذلك يمثل هؤلاء الشباب أزمة كبيرة لإيران في ظل الأزمات الاقتصادية التي تواجهها خاصة من ناحية توفير فرص العمل لهؤلاء الشباب ،وعلى سبيل المثال يؤكد المركز الإحصائي التابع للمخابرات الإسرائيلية في تقاريره الشهرية عن الاقتصاد الإيراني أن قرابة 700 ألف شاب إيراني ينضمون سنوياً إلى سوق العمل ويرغبون في الالتحاق بالوظائف المختلفة به ،وهو ما يزيد من حدة هذه الأزمة خاصة مع توفير طهران ل440 ألف فرصة عمل فقط في الفترة من عام 2001 حتى عام 2002 و470 ألف فرصة عمل في الفترة من عام2002 حتى عام 2003 · وعلى الرغم من هذا تزعم حكومة طهران أن نسبة البطالة انخفضت من 14,7% عام2002 إلى 11,2% عام 2004 ، غير أن الإحصاءات الرسمية الإسرائيلية التي تعتمد على مصادر وصفت ب' الموثوق فيها' تؤكد أن نسبة البطالة وصلت إلى قرابة 27% وهي نسبة كبيرة للغاية وتخالف الأرقام التي تعلنها الحكومة الإيرانية باستمرار··بجانب وصول نسبة التضخم لقرابة 17% خلال العام الماضي 2005 ، الأمر الذي انعكس على كافة طبقات المجتمع الإيراني وبالتحديد الطبقات الضعيفة به·
وتزعم أن هناك فسادا اقتصاديا كبيرا في إيران يشمل العديد من المؤسسات بما فيها المؤسسة الدينية ، الأمر الذي جعل العديد من المعارضين للحكم الإسلامي في إيران للتأكيد على أن الحكم الإسلامي في إيران حالياً بات فاشلاً وأن إيران تسير في نفس الطريق الذي تسير فيه مصر على سبيل المثال الآن والتي قامت بها ثورة الضباط الأحرار عام 1952 وهي الثورة التي قامت من أجل تطبيق مبادئ لم تعد موجودة على أرض الواقع الآن·
اللافت أن هذه التحديات الدولية تعد أحد أبرز التحديات والمخاطر التي تواجهها طهران خاصة مع العقوبات الاقتصادية التي تتعرض لها والتي تمنع عنها استيراد العشرات من المواد لخام وقطع الغيار في أكثر من مجال ،وعلى سبيل المثال تواجه طهران تحديا في منتهى الخطورة فيما يتعلق بصناعة الطيران حيث تمنع عنها المؤسسات الدولية الكبرى استيراد قطع الغيار اللازمة لتطوير صناعات الطيران المتعددة وهو ما يسبب الحوادث الجوية بها كل عام ، الأمر الذي يدفع الإيرانيين إلى الاعتماد على العقول العلمية الإيرانية من أجل إعادة تصنيع قطع الغيار القديمة وتطوير العمل بها بل ومنافسة القطع الجديدة لمواجهة هذه العقوبات وهو ما يمثل قيمة ثروة ' العقل ' الإيراني الذي بات هروبه يمثل أزمة كبيرة لطهران·
المخدرات··وتجارة البغاء
وتنقل الدراسة عددا من المشاكل التي تواجه الشباب الإيراني مثل مشكلة تهريب المخدرات وانتشارها بين مختلف القطاعات بداية من الصبية الصغار حتى الشباب دون الأربعين عاماً وهي ظاهرة مقلقة للغاية لحكومة طهران خاصة وأن إيران ملاصقة لأفغانستان التي كانت ومازالت تمتلئ بمزارع المخدرات·
وتعترف بأن الولايات المتحدة مازالت لا تستطيع أن تحكم سيطرتها على كامل أنحاء أفغانستان إلى الآن ، الأمر الذي أدى لاستمرار زراعة المخدرات وبالتحديد زراعة نبات 'الأفيون' وهو ما يمثل مشكلة كبيرة لطهران لعدة أسباب أبرزها أن أغلب الحقول المتميزة والتي يزرع بها الأفيون الوفير والنقي تقع بالقرب من الحدود الإيرانية الأفغانية ،ومن ثم فإن ذلك يؤدي إلى تهريب كميات كبيرة من المخدرات لإيران وبالتالي إدمان العشرات من الشباب للمخدرات خاصة وأن الفحوصات النفسية التي وضعها الأطباء الإسرائيليون حول الشباب الإيراني بصورة غير مباشرة أثبتت أن المخدرات تعتبر وسيلة فعالة لهروب هؤلاء الشباب من الواقع المر الذي يعيشونه خاصة وأن الثورة الإسلامية - والكلام على لسان الدراسة - لم تعد الأمل أو النموذج السياسي الناجح الذي يسعى الشباب في إيران للالتفات حوله وحمايته حيث أثبتت هذه الثورة فشلها في معالجة العشرات من المشاكل التي تتعرض لها إيران ، الأمر الذي دفعهم لتهريب المخدرات·
وبجانب هذه الظاهرة هناك ظاهرة أخطر وأهم وهي مشكلة ' الزانيات' التي بتن يمثلن مشكلة كبيرة لإيران خاصة مع ارتفاع نسبة النساء اللاتي يشتغلن بهذه المهنة لقرابة 635% خلال الخمس سنوات الأخيرة ، وهي نسبة كبيرة للغاية خاصة وأن عدد من يعملن بهذه المهنة في طهران وحدها يبلغ قرابة 84 ألف امرأة وهو الرقم الذي يتصاعد بصورة دورية مع الأزمات الاقتصادية التي تتعرض لها طهران ،اللافت أن عدد الأطفال ممن يولدون في الشوارع نتيجة لانتشار الدعارة في إيران بلغ قرابة 25 ألف طفل ،وهو رقم كبير للغاية خاصة لو أضيف إليه عدد الأطفال الذي يتم احتضانهم في الملاجئ والمؤسسات الإيرانية المختلفة·
الأهم من هذا كله أن التقديرات التي وضعتها المخابرات الإسرائيلية تجاه هذه الظاهرة أثبتت أنها ستستمر في التزايد لسببن ، الأول : وجود مافيا قوية تعمل في الدعارة وتستخدم هذه المافيا العديد من الوسائل لتسهيل انتشار عملها بداية من توثيقها للعلاقات مع أصحاب الفنادق وسائقي سيارات الأجرة في طهران وحتى أصحاب الفنادق والبنسيونات في جميع أنحاء طهران بل وتصديرها للخارج حيث تعمل حالياً العشرات من الإيرانيات في نشر الدعارة بالعديد من الدول العربية بل والأوروبية ،وهو ما تعترف الدراسة بأن الأجهزة الأمنية في تل أبيب تعرفه عن ظهر قلب بل ويوجد لها عشرات الملفات للإيرانيات اللاتي يعملن بالدعارة بل وصور لهن وملفات لكل واحدة منهن ،وهو الأمر الذي كشفته الدراسة بدون أي تعليق عليه واكتفت بأن تل أبيب تهتم بهؤلاء الفتيات وتقوم بإعداد ملفات لهن بصورة دورية ·
السبب الثاني وهو الأهم : يتعلق بضعف الإمكانيات الاقتصادية للإيرانيين، الأمر الذي يجبرهم على اللجوء للدعارة كوسيلة لإشباع رغباتهم الجنسية الثائرة التي لا يستطيعون أن يروضوها فيما أسمته الدراسة ب' الحلال الإسلامي' ·
وتتطرق الدراسة بعد ذلك للحديث عن استخدام الشباب الإيراني للإنترنيت حيث وصل متوسط عدد هؤلاء الشباب وحسبما يشير الاتحاد العالمي لمستخدمي الإنترنيت لقرابة 7 ملايين الأمر الذي اعتبرته الدراسة مؤشراً متميزاً للغاية خاصة وأن الإنترنيت سيساهم في تواصل الشباب الإيراني مع العالم الخارجي بما فيه إسرائيل بالإضافة إلى اطلاع هؤلاء الشباب على وسائل الإعلام العالمية وذلك على الرغم من المحاولات التي تقوم بها طهران من أجل منع هذا التواصل وإغلاق الباب أمام أي شكل من أشكال الإطلاع الإيراني على شبكات الإنترنيت العالمية·
' شو أحمدي نجاد
وتزعم أن الإطلاع على الإنترنيت بات هاماً للغاية بالنسبة للعشرات من الشبان الإيرانيين خاصة مع إغلاق إيران لقرابة 150 صحيفة خلال السنوات الخمس الأخيرة ، الأمر الذي أكسب استخدام الويب أهمية كبيرة للعشرات من الشباب الإيراني ·
اللافت أن الدراسة تزعم في نهايتها أن هؤلاء الشباب يقودون حالياً ثورة على الثورة الإسلامية ، الأمر الذي دفع بالسلطة الحاكمة في إيران إلى ضرورة إلهائهم بأي شيء وهو ما جعلها تفجر مشكلة السلاح النووي في العالم وهي المشكلة التي تطلق عليها الدراسة اسم ' شو احمدي نجاد ' أو ' العرض المسرحي لاحمدي نجاد ' وهو العرض الذي يرغب نجاد وكبار أعضاء المؤسسة الإسلامية في إيران من ورائه إلهاء طوائف الشعب وبالتحديد الشباب عن أي عمل أخر باستثناء طهران وحماتها والتمسك بالمشروع النووي كوسيلة للدفاع عن طهران ضد أي خطر ·
وترى أن الرئيس نجاد يدرك وهو ابن المؤسسة ' الشبابية ' الإيرانية خطورة الكبت الذي يتعرض له الشباب في بلاده ، الأمر الذي دفعه للقيام بشن حملة السلاح النووي الإيراني في العالم كله والتلويح باستخدام السلاح النووي الإيراني من أجل تحقيق هذا الهدف بالتحديد بالإضافة لعدد من المكاسب سواء الداخلية أو الخارجية الأخرى·
وتنقل بعد ذلك مقتطفات من آراء كبار المسؤولين الإسرائيليين عن إيران مثل رئيس الوزراء المريض إرئيل شارون الذي وصفها بالأفعى الكبرى أو رئيس هيئة الأركان العسكرية دان حالوتس الذي اعتبرها بمثابة ' الشيطان الأكبر' الواجب التخلص منه·
وبالتالي تعكس هذه الدراسة النظرة الإسرائيلية لإيران ،وهي النظرة التي اعتمدت على التقارير التي تضعها الأجهزة الأمنية والاستخباراتية الإسرائيلية عن طهران والتي تحذر من قوة الشباب كقوة من الممكن أن تسبب أزمة في أي وقت لإسرائيل ، الأمر الذي يعكس أهمية هذه الدراسة مع مناقشتها للعديد من النقاط الحساسة المتعلقة بالشباب الإيراني ·

اقرأ أيضا