صحيفة الاتحاد

دنيا

الممثل العراقي جواد الشكرجي: مهما حدث سيبقى المسرح أباً للفنون

دفعة من الشحنات العاطفية والشجن ترافق دائماً الممثل القدير جواد الشكرجي، تنتقل معه من خشبة المسرح إلى أرض الواقع أو العكس، تتدفق وتنحني دائماً للتراجيديا على الرغم من تجربته الكوميدية الأخيرة مع شخصية ''أبو حقّي'' في مسلسل عُرض في رمضان على قناة ''الشرقية'' العراقية· ثارت عاصفة على ''أبو حقي''- الشخصية الكوميدية وعلى جواد نفسه من قبل ''الانتهازيين'' بحسب جواد، ومن الأحباب والأهل والأصدقاء الذين تفاجأوا بربيب التراجيديا يطرق باب الدراما من باب الكوميديا الواسع مغيراً في شكله وطلّته ومشيته، لكنهم الأحباب الخائفون على جواد في ابتعاده وإن لبرنامج- مسلسل واحد عمّا ألفوه في اختياراته في التمثيل·

التقينا به في أحد غاليريات الرسم والنحت في أبوظبي، جاء المكان وغادره بعد أن أطلّ على الجمهور في المجمع الثقافي عارضاً لتحليل شخصي لمسيرته الفنية والإنسانية، وألقى قصائد كان لها تأثير كبير في نفسه فتفاعل معها كما يتفاعل مع الشخصيات التي تلبّست به على الخشبة·
وكما في اسم جواد ألف ممدودة، كذلك في وطنه حيث العراق معه تختلسه بألفها وتبكيه فيرتجف صوته وتتساقط دموع من حزن وحنين وقهر وعذاب، وهو في غربته حالياً في دمشق مقيم ثائر لا يستكين بحيث يتابع التفاصيل، ويقوم بمهامه المعنوية في محاربة المسرح التجاري ''التافه'' بعد أن قام بذلك حين تولى إدارة الفرقة القومية للتمثيل خلال عامي 1997 و·1998
''كانوا يخافون مني حين أحضر فيخفّفون من الكلام البذيء المستهلك في النص'' يقول جواد بحرقة، ويضيف :''قالت لي زوجتي يومها أنه عليّ إبلاغها إذا اضطررت أو اضطررنا للعمل في هكذا أعمال تافهة كي تتركني وترحل''· ويشدّد في معرض دفاعه عن شخصية ''أبو حقّي'' الكوميدية :''حاربت طيلة مسيرتي الفنية التفاهة والتجارة في المسرح ولا أزال، و''أبو حقي'' كوميديا غير تافهة وشخصية شخصت وجودها في العراق منذ العام 1963 حتى يومنا هذا·· وبعض من انتقدني يشبه هذه الشخصية الانتهازية الوصولية··''·
يقول إن ''الناس أحرار في تشخيص عمله في ''أبو حقّي'' لأن العمل مثل الإبن يأخذ مرحلة الحمل الطبيعية إلى أن يولد ويرى النور ويراه الناس''، ومع أنه تنبّه مسبقاً لردود فعل المعجبين من أحباب وخلّان وأهل، والتي جاءت معارضة في البداية، يصل إلى أساس المشكلة واختصارها ''اعتبار الكوميديا فناً رخيصاً وعادياً''، و''هذه نظرة خاطئة''، ومن جهة ثانية يعبر جواد عن مفاجأته بالنقاد الذين تلونوا سياسياً وتبدلوا ليصبحوا موالين للحكومة الحالية، رافضين أي انتقاد لها، وهم كانوا موالين لنظام صدام في الوقت الذي كان فيه ضد النظام، وضد ديكتاتورية صدام···''·
جيل جواد هو جيل الحرب الدائمة، ومن هنا ألحق بعد أن كان في فرقة اتحاد الفنانين بفرقة المسرح العسكري، ليدرس أدواره التراجيدية ويتوحد أو يتماهى مع شخصياته حافظاً للأدوار في الخنادق ملتمساً عطفاً للعودة لأيام معدودة إلى بغداد من الجبهة كي يتدرب وكي يعرض المسرحيات من عام 1982 إلى عام ،1989 مقدّماً أفضل الأدوار مع ''ثورة الفلاحين'' و''أوديب ملكاً'' و''القاعدة والاستثناء'' و''جلجامش'' و''الشهداء ينهضون'' و''الجنة تفتح أبوابها متأخرة'' التي صارع بعدها ولمدة طويلة شخصيته أو دوره فيها فراح يأمر ''حمادي بأن يخرج مني لكثرة تماهي مع شخصيته إلى درجة استمرت فيها معي حتى بعد العرض''·
ومن أدوار مشبّعة بالتراجيديا التي التصقت به، جاء أوان مسلسل ''أبو حقي''، آوان التمتع بالشخصية من بعيد، من الخارج وكما يقول :''وضعتها أمامي، فالتماهي عندي مع شخصيات راقية ونظيفة، أما مع أبو حقي فأنا أنظر إلى الشخصية أمامي''·
ويضيف: ''أنا لم أخض العمل الكوميدي في أي من المجالات في السابق، إن في المسرح أو في التلفزيون أو السينما، وليس لأني كنت آنف دخول المجال الكوميدي وحسب، إنما لأنني أرى أن للكوميديا رجالاتها''·
وكان لدى جواد الشكرجي في ''أبو حقي'' رسالة يريد ايصالها، فهو لم يحدّد وجود هذه الشخصية في العراق تاريخيا وسياسيا منذ 1963 وحسب، إنما حاربها في حياته ولا يزال برأيه، هي الشخصية المناقضة لإسمها فأبو حقي من الحق فيما الشخصية انتهازية منافقة، سارقة لحقوق الآخرين، يضعها في إطار المقارنة مع شخصيات كبيرة مثل شخصية ''غوار الطوشي لدريد لحام، شخصيات ''طاش ما طاش''، شارلي شابلن الذي يعتبره من أهم من أوجد فن الكوميديا في القرن العشرين·
ينتقد جواد القنوات العراقية ويقول: ''لمست استلاب حقوق الفنانين العراقيين معهم على المستويين المادي والشخصي، وأعني على مستوى كرامة الفنان العراقي بالتعامل معه بالأخذ بيده ولا سيما أنه في مناطق الغربة والمنفى إذا جاز التعبير''·
ويتحدث أنه اتهم مع ''أبو حقي'' بأنه مفلس مادياً ليخبر عن أجره الذي تلقاه، وهو بلا شك أجر رمزي، متحدثاً عن أدوار مهمة جداً عرضت عليه ومنها دور ''نوري السعيد'' وسواها وقد رفضها، وقبل التحدي في الكوميديا الساخرة السوداء مع ''أبو حقي'' ليؤكد أنه لم يسقط ولم يفلس· وأكّد أنه كان يحمل تذكرة سفر كان قد حجزها إلى لندن غير أنه لم يذهب من أجل المسلسل، وكان قد زار سابقا لندن رافضاً أن يتقدّم لنيل لجوء سياسي والبقاء هناك·
ومن شجون التلفزيون، إلى عالم الخشبة وبدايات كانت مشرقة وباعثة للأمل في مختلف أنحاء العالم العربي، يقول جواد: ''بدأ المسرح العربي في العشرينيات، في لبنان ومصر والعراق متأخراً عن اليوناني مثلاً الذي كان قد تشكل وراكم تجاربه منذ 500 سنة قبل الميلاد''، ويخلص إلى القول :''لا يزال المسرح العربي يعاني من اشكاليات كبيرة، ولذلك هناك بحث دائم عن هوية وعن ملامح''·
تحدث عن تجربة المسرح التونسي المتواصلة المستمرة، وهو عاينها مباشرة خلال إقامته في تونس لمدة 4 سنوات منذ 1993 حين ترك العراق، مشيراً إلى أن تونس استمرت في مراكمة التجربة والتقدم بسبب الاستقرار السياسي الذي نعمت به والدولة الحضرية المدنية التي ساعدت في إنشاء مناخات الاستقرار للخشبة، فيما عانت البدايات المبشرة في المسرح في كل من العراق ولبنان، ومما قال :''انطلق المسرح في كل من لبنان والعراق وسوريا كأنه حركة سياسية واعية باتجاهات الجمال وباتجاهات الانسان، وعلى الرغم من ظهور الحركة المسرحية مع الايديولوجيات إلا أنها لم تؤدلج أو لم تجيّر ما خلا القليل القليل منها''·
ويضيف: ''شاءت الأقدار والظروف السياسية أن يغادر العراق مثلاً كبار الأسماء في الحركة المسرحية منذ عام 1976 وخلت الساحة، وهذا ما حدث في عدد من الدول العربية، مع أن المسرح كان قد قفز قفزات هائلة، وكانت هناك مشاريع مهمة انطفأت''· وقال: ''إن الطاقات المبدعة والشموع النيرة تنتهي بسرعة لربما بسبب الحَضن السيء لها، وتنتظر الحركة المسرحية مبدعين حقيقيين للنهوض بها''؛ ليشير إلى أن الحركة المسرحية في العالم في تراجع أو نوع من المراوحة لأن أشياءً كثيرة أخرى طغت على المسرح، مشدداً على أن المسرح يبقى على الرغم من كل ما يجري أباً للفنون حيث تشترك فيه جميعها، ويبقى لأنه مواجه ومباشر''·
وكما بكى دموعاً حارقة خلال المقابلة وهو يستذكر القصيدة التي أثرت به لبدر شاكر السياب عن العراق والغربة ولازمته، تحدث عن بكائه حين حضر عرض ''البؤساء'' لفيكتور هوجو في لندن، وقال: ''بكيت لعدة أسباب، بكيت بمرارة على الرغم من أنني لا أفهم جيداً اللغة الانجليزية، للتقليد الموجود لهذا الجمهور النظيف والأنيق والمستمع أي الجمهور المتلقي الحقيقي، ولأن العمل أنجز بشحنة عاطفية مكلّلة بشحنات من الجمال والتوليف الذي يدفعك إلى انبهار كامل، وبكيت لسبب آخر وهو أننا إلى أي مدى تراجعنا، وأين أصبحنا من هذا كلّه''·
ويضيف: ''ما رأيته، شهدته عربياً وعراقياً في السبعينات ولو استمرينا لكنا وصلنا إلى مراتب أفضل لكننا تراجعنا خمسين أو مئة عام إلى الوراء· وأنا متأكد أن الإسلام بريء من الحركات والأفكار التي تريد تحنيط الحياة وإيقافها والتي أثّرت بشكل مباشر بالإضافة إلى ظروفنا السياسية الأخرى في العالم العربي على الثقافة والفنون ومنها المسرح''·
ويستفيض في تعبيره عن الفن والمسرح بشكل خاص، المسرح الذي حضنه بكل شخصية لعبها، إلى درجة أنه يعتبر الحياة خارج المسرح كذباً ومسايرة فيما الحقيقة بالنسبة إليه هي الخشبة، ويقول: ''الفن وظيفة أخلاقية، الفن فكر، الفن قضية وهمّ· الفن يحاول أن يحرك السكون والجمود، أن يحطّم التحنيط والفن دياليكتيك حقيقي وأكثر من دياليكتيك ماركسي· أنا دائماً أردد أن المسرح تحديداً هو الحياة مختصرة، يختزن كل الحياة الحقيقية، وخارجه حياة النفاق والدجل والكذب والتجميل· أنا على المسرح جواد الشكرجي الحقيقي انساناً وفناناً· لذا أنا احترق في كل عمل فني، في كل لحظة فنية أعيشها في بيئتي أو على المسرح، ولي طقوسي عندما أدخل العمل المسرحي، لي صلاتي لله أشكره وأطلب منه مساعدتي لأقدّم أجمل ما يمكن لأني أعتقد أنها أمانة أن ننقل صورة إلى الناس، وتصل طقوسي أحياناً إلى إغلاق الباب على نفسي في المنزل وتسمعني زوجتي أجهش بالبكاء''·
في الفترات الفاصلة بين الأعمال التلفزيونية والأفلام السينمائية والمسرح، يركن جواد الشكرجي إلى الشعر الذي أحبّه وكتبه لكن الممثل فيه طغى على الشاعر في مسيرته كما طغى على موهبته في الغناء، لكن كل تلك المواهب الفنية ساعدته في رسم شخصية جواد الشكرجي على المسرح، ويشار إليه في شاعريته المسرحية·
يقرأ للأصحاب من شعره ومن قصائد لشعراء أحب كلمتهم وتأثر بها، وهو حالياً بين العالم الشعري وفي صدد التحضير لمشروعين، أحدهما مسرحي مع المخرج جواد الأسدي سيعرض في دمشق في البداية، والثاني مع المخرج نفسه سيعرض في جنوب لبنان·