صحيفة الاتحاد

الرياضي

العاصفة الإنجليزية

على عكس كل مشاركاته في نهائيات كأس العالم، تبدو مشاركة المنتخب الإنجليزي في مونديال روسيا مختلفة تماماً، سواء من ناحية الأداء الفني، أو التعاطي الإعلامي، وكذلك من جهة الحضور الجماهيري، إذ يسيطر الهدوء عليه بطريقة تدعو للانتباه، بل والدهشة كذلك، وهو المنتخب الذي ظل عنواناً من عناوين الصخب في كل بطولات العالم التي حضرها.
من الناحية الفنية سيطل منتخب «الأسود الثلاثة» اليوم، من شرفة دور ثمن النهائي، حين يواجه منتخب كولومبيا، وهو الذي عبر لهذا الدور بعدما حلّ ثانياً بعد بلجيكا في مجموعته التي ضمت إلى جانبهما منتخبي تونس وبنما، إذ كسبهما في بداية مشواره، قبل أن تتعثر قدماه أمام المنتخب البلجيكي بخسارته بهدف نظيف، فرض عليه الحلول ثانياً في المجموعة، غير أنه وعلى الرغم من ذلك كان لافتاً في تكامل صفوفه، والانضباطية التي بدت في أدائه، والقيمة النوعية للاعبيه الذين يتقدمهم مهاجمه المميز هاري كين، وديلي ألي، ورحيم ستيرلينج، وماركوس راشفورد.
أمور كثيرة تميز الأداء الفني لمنتخب إنجلترا، أبرزها صغر معدل أعمار لاعبيه، إذ يعد ثالث أصغر منتخب يشارك في المونديال، وهي ميزة تحسب للمدرب جاريث ساوثجيت، والذي بدا واضحاً أنه يدير اللاعبين كضابط إيقاع، إن في طريقة فرض أسلوبه على الأداء بشكل عام، أو من جهة فرض شخصيته، وهو ما جعل المنتخب يظهر بشكل يخالف الشكل الكروي الإنجليزي الرتيب الذي كان عليه في كل حضوره السابق في المونديال، حيث بدت الجماعية في الأداء، والسلاسة في التعامل مع الكرة سمة واضحة فيه.
وبمثل ما كان المنتخب الإنجليزي لافتاً فنياً فقد كان كذلك من الناحية الجماهيرية، وعلى الرغم من الحضور الجماهيري الكثيف في المباريات، إلا أنه لا يبدو كذلك في الساحات والشوارع، إذ لم تشكل الجماهير الإنجليزية المعروفة بجنونها الكروي حالة لافتة في المونديال الروسي، كما هي الحال مع الجماهير الأخرى للمنتخبات الأوروبية والأميركية الجنوبية، بل حتى المنتخبات العربية التي فرضت نفسها في الساحة الحمراء، وعلى الرغم من أنني لا أجد تفسيراً واضحاً لهذا الهدوء اللافت، إلا أنني أعده ميزة انعكست بصورة أو أخرى على منتخب بلادها.
الانضباط الذي عليه المنتخب، والهدوء الذي تلبسته الجماهير، صاحبهما التزام لافت من الإعلام الإنجليزي المعروف بإثارته وشغفه في كسر كل الحواجز، إذ باستثناء الصور التي سربها لتشكيلة المنتخب قبل مواجهة بنما، والتي كانت حديث وكالات ووسائل الإعلام العالمية، وهو ما أغضب المدرب ساوثجيت، إلا أن ثمة هدنة تبدو واضحة بين المنتخب وإعلامه، وهو ما جعل الهدوء يخيم على الأجواء الإنجليزية، ولعله الهدوء الذي يسبق العاصفة، وأي عاصفة تلك التي ستقتلع كأس العالم من موسكو لتحمله إلى لندن ليعود بعد غياب لنصف قرن، وهنا سأترك الأمور لمخيلتكم!