الاتحاد

عربي ودولي

كوندوليزا رايس أوتار ومطارق


السعد عمر المنهالي – العالم إمرأه:
Als_almenhaly@emi.ae
يعلم جيدا من يعزف على آلة البيانو الموسيقية، أن الأصابع الخشبية الميكانيكية سواء البيضاء أو السوداء المصنوعة من الخشب واللباد، ما هي إلا مجموعة مطارق تضرب الأوتار المشدودة على لوح نحاسي، فيصدر الصوت الذي اتفق أغلب المبدعين بأنه أكثر أصوات الآلات الموسيقية تعبيرا عن العاطفة، إذا فالعملية برمتها ترتكز على إجادة استخدام المطارق للحصول على ردة صوتية توافق الوقع اللحني المطلوب، وهو ما يجيده عازفو هذه الآلة الساحرة·
ولأن 'كوندوليزا رايس' وزيرة الخارجية الأمريكية وعازفة البيانو التي لم تتردد في العزف بحضور كبار عازفي البيانو العالميين، تعلم تماما أن الأمر لا يعدو عن قرقعة مطارق على أوتار حساسة، فقد قررت أثناء شهادتها أمام لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب الأمريكي يوم الخامس عشر من فبراير الجاري 2006 استخدام أصابع البيانو دفعة واحدة لإحداث أكبر تأثير على أوتار أكثر مناطق العالم حساسية في كل إيران وفنزويلا، بعد تصريحها الذي قالت فيه: بأن الخطر الإيراني لا ينحصر في البرنامج النووي بل يتعداه إلى دعم الإيرانيين للإرهاب في العالم، واتهامها لهم بأنهم في الواقع المصرف المركزي للإرهاب، وأنها تتصرف مع شريكتها سوريا في زعزعة الاستقرار في كل من لبنان والأراضي الفلسطينية وجنوب العراق·
هذا ما يخص منطقة الشرق الأوسط، أما على مستوى أمريكا الجنوبية فقد عزفت لحنا قد يروق للاتينيين أكثر من رفقائهم في الشرق الأوسط -اللذين لا يبالون بالتهديدات المبهمة-، فقد صرحت أن العلاقة بين كوبا وفنزويلا تشكل مشكلة لواشنطن، ودعت المجتمع الدولي إلى تشكيل جبهة موحدة ضد الرئيس الفنزويلي 'هوغو شافيز' لكونه -ليس مصرفا للإرهاب كما هو حال النظام في إيران، إنما كونه يمثل تحديا للديمقراطية وخطرا على أميركا اللاتينية!·
ومن العزف الشرقي ثم اللاتيني، إلى الإيطالي الذي جاء منه اسم وزيرة الخارجية الأمريكية 'كوندوليزا رايس'، فكلمة 'دوليزا' المشتقة من الموسيقى الإيطالية تعني العزف بنعومة، وهو الاسم الذي اختارته لها والدتها 'انجليانا' مدرسة الموسيقى عندما ولدت في الرابع عشر من نوفمبر عام 1954 في 'برمنجهام' بولاية ألباما الأمريكية لرجل الدين المسيحي والموجه الأكاديمي في 'جون ويزلي رايس'، في كنف هذين الوالدين ترعرعت 'كوندوليزا' الطفلة الوحيدة لإحدى الأسر البرجوازية ذات الأصول الأفريقية·
تلقت 'كوندوليزا' تعليما رفيعا، بسبب الخلفية الثقافية المتميزة التي ترعرعت بها، والوضع الاقتصادي الجيد الذي استطاع والداها تحقيقه، فبجانب تعلمها العزف على البيانو وهي في الثالثة من عمرها، استطاعت أن تحصل على شهادتها الجامعية في العلوم السياسية من جامعة 'دنفر' قبل أن تكمل عقدها الثاني عام ،1974 وبعد عام واحد حصلت على الماجستير في نفس التخصص من جامعة 'نوتردام'· توجهت في تلك الفترة للعمل في وزارة الخارجية في عهد الرئيس الأمريكي السابق 'جيمي كارتر' عام ،1977 وذلك في الوقت الذي كانت تكمل فيه دراستها العليا، فحصلت على الدكتوراه من كلية الدراسات الدولية في جامعة 'دنفر' عام ·1981
كان التحصيل العلمي المبكر والمتميز الذي حظيت به 'كوندوليزا' مخططا له منذ سنوات حياتها الأولى، وهي الحياة التي ظلت 'كوندوليزا' بسببها بعيدة تقريبا عن كل التأثيرات الاجتماعية التي كان يعانيها بطبيعة الحال السود في الولايات المتحدة الأمريكية في تلك الفترة على وجه الخصوص، فظلت في موقع المراقب وغير المشارك منشغلة بدراستها كوسيلة لتغيير محيطها الاجتماعي المحيط بها كامرأة سوداء·
بعد حصولها على درجة الدكتوراه في العلوم السياسية استلمت 'كوندوليزا' مهام عملها الجديد كأستاذ مساعد في جامعة 'ستانفورد' بكاليفورنيا وذلك لست سنوات حتى عام ،1987 ثم كأستاذ مشارك حتى عام 1993 بعدها ارتقت لتصبح أستاذة حتى يوليو عام ·2000 اختلطت مهام 'كوندوليزا' الأكاديمية مع وظائفها السياسية، سيما وأن تخصصها المميز في الشؤون السوفييتية وإجادتها الروسية قد فتح لها أفقا تبعد كثيرا عن جدران الجامعة· فارتقت حتى في وظائفها السياسية في عهد جورج بوش الأب منذ أن عملت كمديرة مسؤولة عن الشؤون السوفييتية وأوروبا الشرقية في مجلس الأمن القومي منذ عام 1989 وحتى عام ·1991 ثم توجت عندما عينها الرئيس 'جورج بوش' الابن مستشارة في الشؤون السياسية أثناء حملته الانتخابية عام ،2000 فاستدعاها لتكون مستشارته الدبلوماسية قبل الانتخابات، ثم عينها رئيسة للأمن القومي بعد فوزه في نوفمبر عام ·2000
تخصصت 'كوندوليزا' بالشؤون الروسية وذلك منذ الحرب الباردة، ولها مؤلفات عديدة في هذا الشأن، مثل 'ألمانيا الموحدة وأوروبا المتغيرة'، 'حقبة غورباتشوف'، 'ولاء مشكوك بأمره: الاتحـاد السوفييتي والجيش التشيكوسلوفاكي'، وغيرها من المؤلفات· ورغم انتهاء الحرب وسقوط جدار برلين ظلت تتعامل بنفس روح المتابع المترقب والمستعد للانقضاض على العدو، في أي حركة يقوم بها، وهو ما توافق مع مجريات الحادي عشر من سبتمبر عام ،2001 فقد كانت أكثر المحيطين بالرئيس الأمريكي تبنيا لأفكاره وتوجهاته، ووقفت بجانبه بجسارة في حربه على أفغانستان وثم العراق، لدرجة أنها توصف بأحد أهم راسمي عقيدة 'بوش' المثيرة للجدل والداعية 'للتحرك استباقياً ضد الدول التي يعتقد أنها تشكل خطراً على الولايات المتحدة'، وهو ما تناسب مع ما صرحت به قبل حرب العراق بأنه 'لطالما احتفظت الولايات المتحدة بحق محاولة تقليص أو درء الخطر قبل وقوعه'·
سياسة محل جدل
عندما أعيد انتخاب الرئيس الأمريكي 'جورج بوش' لولاية ثانية في نوفمبر عام 2004 لم يكن اسم 'كوندوليزا' المطروحة بقوة لمنصب وزيرة الخارجية 'كولن باول' المستقيل، سيما بعد الانتقادات الحادة التي شهدتها إدارتها بسبب تقاعس إدارتها في التنسيق بين البيت الأبيض وأجهزة الاستخبارات -وهو عملها الرئيسي-، وإخفاقها في اتخاذ اللازم قبل إحداث تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر رغم ورود معلومات -حسب ما صدر عن 'ريتشارد كلارك' أحد أعضاء إدارة الأمن القومي السابقين الذي قال إنها أهملت معلومات كان من الممكن أن تقي بلادها أحداث 11 سبتمبر-، غير أن الأهم هو الطبيعة الصارمة الحاسمة في منهجها التي قد لا تتوافق مع منصب وزير الخارجية الذي يحتاج إلى شخصية مرنة ومناورة في أحيان كثيرة·
غير أن هذه الشخصية الحازمة التي استطاعت خلال السنوات الماضية التعبير عن مواقف بوش في سياسته الخارجية بجاهزية كاملة وصياغة محكمة -ولما لا وهي أكثر أعضاء الحكومة الأمريكية خبرة أكاديمية!- كانت تقدم باستمرار ككتاب مفتوح الشكل الذي ستبدو عليه السياسة الخارجية الأمريكية بدون أي مناورة· وهذا ما تأكد عندما في يناير عام 2004 بتعبيرها عن الأمن القومي 'لن يسمح جورج دبليو بوش بابتزاز أميركا أو حلفائها مطلقاً· وعلينا ألاّ نخطئ في هذا المجال؛ فالابتزاز هو ما تفكر فيه الدول الخارجة عن القانون'·· وإن كانت هناك تتحدث عن الدول التي تسعى للحصول على صواريخ باليستية، إلا أن مبدأ الابتزاز بكافة أشكاله مرفوض لدى إدارتها، بل وتسعى مسبقا إلى العمل على منع الآخرين حتى للتفكير به، وهو ما توافق مع توجهها كذلك بعد وصولها لمنصب وزيرة للخارجية الأمريكي في نوفمبر عام ·2004
ليست المرة الأولى التي تقف فيها 'كوندوليزا رايس' أمام لجنة العلاقات الخارجية، غير أنها المرة الأولى التي تأتي فيها لتخاطب أعضاءه وتناقشهم لوضع ميزانية لسياسة بلادها الخارجية حتى عام ،2007 وفي تعزيز لمطالبها المالية لم تتوان في تذكير النواب بمدى خطر الدول التي تريد أن تواجهها بسياسة منهجية تحتاج الدعم المالي، وبالتالي تحتاج موافقة المجلس عليها، فكان فتح النيران هذه المرة بالجملة على الدول عدد من الدول طالما بدا استهجان الولايات المتحدة لسلوكها واضحا·· ولكن فرادى!
استحوذت إيران على الجانب الأكثر بروزا في حديث الوزيرة أمام اللجنة، والتي أكدت فيها على أن سياسة بلادها ستستمر في العمل على زيادة الضغوط الدولية لثنيها عن توجهها في امتلاك الأسلحة النووية، غير أن هذه السياسة لن تحتاج إلى الدعم المالي، ولذا كان اتهام طهران بأنها المصرف المركزي للإرهاب في العالم· وهو المطلب الذي يجيز المطالبة بزيادة 75 مليون دولار لبرنامج وزارة الخارجية للتطويرو للتغيير الديموقراطي في إيران· فالهدف عظيم بالتأكيد، ويؤثر على -حسب ما ذكرته الوزيرة- الأجيال المقبلة التي يجب أن نوفر حالة السلام والأمن لها، وهي الحالة التي لن تتحقق طالما أن هناك نظما ترعى الإرهاب في العالم·
أما فنزويلا فقد فوجئ العالم بسهام 'كوندوليزا رايس'، وتدابير حكومتها نحو كراكاس، وذلك عندما أشارت إلى تحركاتها على مستوى دول الاتحاد الأوروبي وتحذيرها لهم مما يجري في فنزويلا، كونها -من وجهة نظرها- تشكل تحديا للديمقراطية وخطرا على أميركا اللاتينية· سيما وانه لا علامات مادية تأكد تشكيل فنزويلا خطرا على الولايات المتحدة، سوى ما تردد حول إمكانية قيامها من قطع امدادات النفط عن أمريكا، وهو في ذاته وإن أنكرته فنزويلا فيما بعد، إلا انه يشكل للوزيرة ولإدارتها استفزازا تجعل من العمل الاستباقي مشروعا في نظرها·
لم تتردد إطلاقا وزيرة الخارجية الأمريكية في لقائها أعضاء لجنة العلاقات الخارجية في مجلس النواب في الخامس عشر من نوفمبر الجاري، من التأكيد على عقيدة التحرك السياسي الاستباقي، حتى لو لم تتوافر معلومات مادية عن النية، وهذا خاصة ما يجعل سياستها في التعامل مع من تسول له نفسه بالمجاسرة أمام بلادها تتحول حسب درجة هذه الدولة في تصنيفات عقلية بوش وإدارته، فمثلا هناك دول مزعجة، وأخرى مارقة وغيرها خطيرة جدا، ولكل حالة هناك سياسة خارجية على الولايات المتحدة اتباعها، كحرب الأفكار أو ضرب المصالح أو استخدام القوة العسكرية، وذلك كالعزف على أصابع البيانو، هناك نغمة تستحق اللعب بأكثر من إصبع للحصول على تردد الأوتار اللازمة، وهناك نغمة لا تحتاج لأكثر من لمسة على أحد الأصابع ذات الوزن الخفيف في التردد، وبين هذا وذاك تخرج معزوفة نشاز يدركها الكثيرون، أهمهم بلا شك المتابعين لأسواق النفط العالمية!!

اقرأ أيضا

مصر: 17 جريحاً جراء انفجار استهدف حافلة سياحية بالجيزة