الاتحاد

عربي ودولي

تهدئة متوقعة بين القوات الأميركية والمقاومة العراقية هذا الصيف

نيويورك ـ أحمد كامل:
رددت واشنطن مؤخراً توقعات متواترة عن قرب حدوث 'تحول جوهري' في المواجهة بين القوات الأميركية وفصائل المقاومة العراقية، وترجع تلك التوقعات على الأرجح إلى ما تسرب عن 'تقدم' المحادثات التي تدور بين ممثلين عن القوات الأميركية ومجلس لقادة عشائر الأنبار ومندوبين عن فصائل المقاومة في قاعدة عسكرية بوسط العراق، وعن امتداد هذه اللقاءات إلى أماكن أخرى حيث عقد بعض منها في عمان وبيروت ودمشق·
بعد ذلك نشرت صحف أميركية تقارير عن موافقة الجانبين على تشكيل قوة أمنية من أبناء الأنبار تضم نحو 15 ألف رجل وتتولى هي ـ وليس قوات وزارة الداخلية أو وزارة الدفاع في بغداد ـ حماية المنطقة ومواجهة عوامل عدم الاستقرار فيها·
وأوردت تقارير التي تناولت الخطوط العامة للاتفاق الذي يجري بحثه في اللحظة الراهنة ـ أي أنه لم يعتمد بعد ـ أربع نقاط أساسية، النقطة الأولى أن تكون وحدات الأمن 'الانبارية' الجديدة جزءا من قوات الأمن العراقية من حيث المظهر والتبعية الإدارية، أي أنها تتقاضى رواتبها من الوزارات المعنية في بغداد وتلتزم بما يمكن الالتزام به من قواعد التبعية الإدارية، بعبارة أخرى ألا تعتبر نفسها 'ميليشيا' مستقلة·
ويعني هذا ـ إذا صح أنه احدى النقاط التي تتعامل معها القوات الأميركية ـ أن الشرط القديم بتفكيك الميليشيات المسلحة قد وضع على الرف لاعتبارات عملية، إذ من كان يستطيع اقناع الأكراد مثلاً على البشمرجة، ومن كان يمكنه حمل المجلس الأعلى للثورة الإسلامية على وحدات فيلق بدر؟
أمر واقع
ويمكن لذلك أن يتحول إلى قبول بأمر واقع نجم في الأصل عن الاحتلال، أي 'تقسيم' قوات الأمن العراقية على أساس طائفي يتسق مع المناطق التي تعمل بها، ذلك أن سنة الوسط برهنوا بعشرات الأدلة على أن بعض وحدات 'مغاوير' وزارة الدفاع التي يقال انها مستمدة من قوات فيلق بدر تحركت في الأنبار على أساس طائفي، ولم يعد بوسع الحكومة العراقية ذاتها أن تنكر ذلك بعد تكرره وبعد تدخل القوات الأميركية للإفراج عن معتقلين من السنة احتجزوا وعذبوا في وزارة الدفاع·
والنقطة الثانية في الاتفاق هي أن ينسحب الجنود الأميركيون إلى مناطق غير مأهولة بالسكان، وطبقاً للتقارير الأميركية فإن هذا الانسحاب سيكون محسوبا في ضوء مدى قدرة قوات الأمن الانبارية الجديدة على مواجهة من يخلون بالأمن، وأن من الأفضل ـ على الأقل في البداية ـ أن تظل القوات الأميركية على مقربة من تلك القوات الأمنية الجديدة لكي تدعمها إذا استدعى الأمر·
فضلاً عن ذلك فإن القوات الأميركية طلبت إبقاء خطوط الاتصال مفتوحة بينها وبين قوات الأمن الانبارية الجديدة، وذلك لتسهيل مهام الدعم والاسناد وامكانيات التدخل الجوي إذا لزم الأمر، أو إرسال وحدات أميركية مدرعة لمساعدة تلك القوات إذا ما تطلب الأمر·
أما النقطة الثالثة فإنها تلخصت في ضرورة تركيز الجهود على مواجهة تنظيم قاعدة بلاد الرافدين الذي يقوده أبومصعب الزرقاوي، وكانت احتكاكات واسعة النطاق قد حدثت بين عشائر من الأنبار وجماعة الزرقاوي لأسباب كثيرة أبرزها أن سنة وسط العراق كانوا يرفضون استهداف المدنيين، وأن بعض عمليات الزرقاوي ضد عدد من أبناء تلك العشائر أساءت اليها كثيراً، فضلاً عن أن أتباع الزرقاوي باتوا يسيطرون على مناطق بأكملها لاسيما في غرب العراق مما أسفر عن تحولهم ـ كرهاً أو طوعاً ـ إلى طرف في العلاقات المعقدة أحياناً بين عشائر تلك المناطق·
ويحقق هذا الشرط للقوات الأميركية إنجازاً مهماً، إذ أن القلق الأمني الأساسي، من الزاوية الاستراتيجية على الأقل، كان يتلخص في توسع تنظيم القاعدة في وسط العراق وتمكنه من تحويل تلك المنطقة إلى قاعدة اطلاق اقليمية لمهاجمة دول تعتبرها الولايات المتحدة حليفة ومن ثم زعزعة استقرار المنطقة بأكملها·
وقد أدركت القوات الأميركية منذ وقت مبكر أنها لن تستطيع مواجهة أنصار الزرقاوي في وسط محيط يتعاطف معهم، أو كما قال أحد الجنرالات الأميركيين أن 'القاعديين يشبهون السمك الذي يسبح في مياه مواتية ونحاول نحن الامساك به بأيدينا، علينا بدلاً من ذلك أن نجفف المياه التي يسبحون فيها وساعتها سيصبح القضاء عليهم أمراً سهلاً' ويبدو أن 'القاعديين' جعلوا من تجفيف هذا الماء أمراً متيسراً بعد أن أثاروا حفيظة قبائل وسط العراق أو بعضها على الأقل·
وأما النقطة الرابعة فقد كانت اسقاط أي صفات من قبيل 'البعثية' أو عضوية قوات الأمن العراقية في عهد صدام وإصدار عفو عام من كل المعتقلين باتهام الانتماء إلى المقاومة العراقية أو القيام بعمليات ضد هذه القوات ماعدا أولئك الذين ينتسبون إلى تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين·
ويعني ذلك من الوجهة العملية اغلاق الملفات القديمة على أساس أن قوات الأمن الانبارية ستتشكل أساساً من جنود وضباط الجيش العراقي السباق ومن أعضاء في أجهزة الأمن خلال عهد صدام حسين، إذ بوسع هؤلاء وحدهم تولي مهمة ضبط الأمن في تلك المنطقة· كان هذا هو الجانب 'الفني' ـ كما عرض في الصحف الأميركية ـ للقضايا التي تناقش الأمن بين القوات الأميركية وفصائل المقاومة العراقية، بيد أن هذا ليس نهاية القصة، فقد ترك ممثلو المقاومة للقيادات التقليدية للطائفة السنية مهمة التعامل مع الجوانب السياسية التي تبدأ بإعلان جدول زمني للانسحاب وبتحديد موعد صدور العفو العام والإفراج عن السجناء وبآليات إعادة مناقشة قضايا الخلاف الأساسية حول صيغة حكم العراق·
رهان أساسي
وكان الرهان الأساسي في واشنطن هو أن تسفر الانتخابات الأخيرة عن حكومة وحدة وطنية تبدأ على نحو جماعي مهمة التعامل مع الحلقات الشائكة بروح الرغبة في الاتفاق، ويبدو أن هذا الرهان كان راهناً رابحاً، فقد وعد ابراهيم الجعفري الذي اختير رئيساً للحكومة الجديدة باعتماد منطق حكومة الوحدة الوطنية بما يعنيه ذلك من مشاركة السنة في الحكومة الجديدة·
أما الرهان الأساسي التالي فقد تمثل في عقد مؤتمر المصالحة الوطنية ربما في مايو أو يونيو القادمين حيث ستطرح الأمور الخلافية علناً تنتهي بقرارات تتعلق بأمور جوهرية، من قبيل طلب خروج القوات الأميركية، وكل القوات الأجنبية ـ أي من يقال انهم جاءوا من إيران ومن تسللوا للانضمام إلى مجموعة الزرقاوي من العراق، ثم التقدم نحو الملفات الأخرى مثل الفيدرالية وكركوك وانقسام عوائد النفط وما إلى ذلك من أمور شائكة لا تزال معلقة حتى الآن· وتأمل واشنطن أن يسفر ذلك المؤتمر عن بدء 'مرحلة جديدة' من وجودها في العراق وذلك على نحو يسمح ببدء خفض عدد قواتها هناك وإخراج 'أغلب' ـ وليس كل ـ هذه القوات في نهاية ،2007 إذ يبدو أن هناك حديثاً ـ مفتوحاً أحياناً ـ عن احتياج هذه القوات لأن تبقى في العراق 10 سنوات أخرى·

اقرأ أيضا

وفاة أسير فلسطيني في سجنه ودهس طفل في الخليل