الاتحاد

دنيا

في هدأة النفس

مقامة الفأس
قال الراوي، قال ابن الهندي، قالت أم زيدون: ولم أعرف القصد من الجس والطبر، فاستوضحت الوالدة فوضعت يدها على قمة رأسها شارحة: إن الطفل يولد بجمجمة مستطيلة ولينة خاصة في قمتها، وقد تعودنا أن نضع هذه العمامة والمشط بهذه الطريقة تحت رأسه حتى تنجس وتستدير وتنخسف في وسطها، وإذا لم نفعل ذلك والرأس طرية يصبح الرأس مستطيلا حاد القمة مثل الطبر··· ولم توضح ابعد من ذلك·
قال، قالت أم زيدون: دهشت، واتسعت عيناي حتى أوشكتا أن تخرجا من محجريهما، وسألت الوالدة: وما العيب في الطبر؟ قالت الوالدة بلهجتها العامية مشوحة بيمناها كمن يطرد ذبابة: أخ لا··· مب زين···!
قالت أم زيدون: وبدون إدراك واع رميت بغضب بالعمامة ومشط الخشب خارج المهد، وقلت للوالدة: دعي طفلي ينمو كما خلقه الله، وإذا رأيت هذا الشيء مرة أخرى في مهده لن ادعك تلمسينه أبدا·
قال ابن الهندي: وارتسمت الدهشة والحيرة على وجوه الجالسين، يترقبون إيضاحا من أم زيدون التي- استغرقت في صمت قصير- عن سبب غضبها من سلوك موروث· وفجأة تناولت ام زيدون يد ابن الهندي ووضعت كفه على قمة رأسها، وقالت له: هل تحس بهذا المنخفض في قمة رأسي؟ قال: بلى· قالت في المنخفض هذا يكمن سر غبائي المزمن· قال الراوي قال ابن الهندي ولم افهم شيئا، وبدوت اشد غباء مما ادعته من غبائها، وحين رأت حيرتي قالت: بسبب منخفض الغباء هذا الذي أرادت والدتي أن تحفره في قمة رأس ابني، منعتها مما تعودت ممارسته ولم أجد له أي مبرر علمي إلى اليوم، وتركته ينمو طبرا، ليقطع كل ما يعترض مسيرة حياته الطبيعية، ويحد من ذكائه، وكل من يسعى إلى (جس رأسه!)·
قال ابن الهندي، ورحنا نتحسس بجدية أولا ثم بهزل، قمم رؤوسنا لنرى إن كانت مجسوسة أو طبر·
قال وقضينا ذاك المساء في ضحك وانبساط نادر، وكنا كلما دخل احد ممن نعرف وجلس إلى طاولتنا امتدت يدي إلى رأسه أتحسسه، بينما ينتظر الباقون صدور الحكم عليه، إن كان مجسوسا أو طبرا، وهو في دهشته لا يعرف السبب ولا السياق· وبينما كنا مستغرقين في ضحك وتأويل واستدرار للطرائف، واستعراض من مروا بنا من بشر اتسم بعضهم بالغباء أو سمة الخنوع أو الذكاء والتمرد، جاءت صديقة لنا عرف عنها الذكاء والثقافة والإبداع والاجتهاد الذي تحسدها الكسالى- مثلنا - عليه· وما أن ألقت التحية علينا وجلست حتى امتدت يد ابن الهندي إلى قمة رأسها تتحسسه، بينما كتم الآخرون ضحكة توشك أن تنفلت· فسألت بدهشة: ما الأمر؟ ردت أم زيدون: فقط أردنا أن نعرف إذا كان رأسك مجسوسا مثلنا أم أن··· ولم تكمل جملتها حتى بدا النفور والاشمئزاز على الصديقة، ونطقت بنبرة حادة ومفاجأة: لا أحب هذه اللفظة السوقية! ثم نهضت مستفزة وغادرت· الأمر الذي أثار دهشة الجالسين، وتأويلاتهم·
بعد ذلك جاءت امرأة من معارف أم زيدون وجلست معنا وحين تساءلت عن سبب ضحكنا وابتهاجنا شرحنا لها الأمر، فقالت: لكنكم لا تعرفون عن 'جس الجبين'· فغرنا أفواهنا دهشة وقلنا لها وكيف ذلك؟ قالت: حين ولدت طفلتي الأولى، تركتها في عهدة عمتها أثناء عودتي للعمل· وكان أن عدت يوما فرأيتها تفرك براحة خشنة، جبين طفلتي وقد احمر وجهها كله من الفرك· لدهشتي واستيائي سألتها: ماذا تفعلين؟ قالت أجسّ جبهتها· قلت لماذا؟ قالت: هو تقليد درجنا عليه· غضبت وتناولت ابنتي وحذرتها من فعل ذلك مرة أخرى· بصوت واحد سألناها، وكيف صارت ابنتك الآن؟ قالت: هي أذكى أولادي وبناتي جميعا!
فغرنا أفواهنا مرة أخرى، وتساءلنا في صوت واحد: هل ثمة فرق بين جس الجبين وجس الرأس في النتيجة؟
حين تفرقنا وذهب كل منا إلى مأواه، لعلنا تساءلنا:
إذا كانت جملة (جس الرأس) تقع في خانة السوقية، وربما مثلها جس الجبين، استعارة ودلالة· ففي أي مجتمع نلد أحفادنا، ليبقى رأسهم طبرا مسنونا، يقطع كل عائق، وكل سياج يسور حريتهم الإنسانية؟
حمدة خميس

اقرأ أيضا