الاتحاد

دنيا

سعد جمعة حطّاب العزلة


قراءة - شهيرة أحمد:
سعد جمعة يشغل مساحة تخصه في المشهد الشعري الإماراتي، ويشيد نصه بعيداً عن الثرثرات و'المسائيات الثقافية' التي يحب المثقفون قضاءها بين 'أخذ ورد'، لقد اختار الشاعر أن ينسحب إلى الداخل، أن يتوغل بعيداً في أعماقه، يحدق، وينقب بحفارة الشعر عن اللآلئ النائمة، يوقظها، يسقيها كأساً من الجنون لتصحو، وتتمطى في القصائد··· القصائد التي تنشغل باقتناص البهي من الكلام، والسفر في الأدغال الأولى، الكثيفة، السرّانية، والمكتنزة بالأحزان، هناك··· في غفلة من الناس، وفي حضور الكلام المباح، يصطاد ما تشاء له لغة أرقته وشغلته مباهجها فظل يغويها حتى استجابت ومنحته أسرارها ودهشتها الطازجة·
يبدو ذلك واضحاً في أسلوبيته التي يبني بها قصيدته، بدءاً من جملته الشعرية وانتهاءً بموضوعاته ونظرته إلى الحياة والموت وموقفه من العالم والكون عبر التفاصيل الأكثر حميمية، والأقرب إلى قول الذات أمام مرآة تكشف وتعري أكثر من المعتاد·
'دون مرآة ولا قفص'، هو عنوان المجموعة الشعرية الجديدة للشاعر الإماراتي سعد جمعة، وهو عنوان ينطبق عليه القول البليغ السائر الذي نردده أحياناً بعفوية، وأعني بها 'المكتوب يقرأ من عنوانه'، فعنوان سعد جمعة يدل على ما فيه، ويؤشر إلى مناخات النصوص، فالمرآة بما هي وسيلة تعكس صورة الذات تحمل في أحشائها مدلولات التبصر إذا ما اعتبرنا أن الشاعر يتعامل مع المرآة لا بوصفها أداة لرؤية الشكل الخارجي كما هي الحال بالنسبة للإنسان العادي، بل بوصفها المعادل الموضوعي للرؤية المغايرة التي يؤسس لها الشاعر، الرؤية التي ترى ما يكمن خلف الشكل الخارجي وما يخفيه من سمات ورموز، أي بوصفها استبطانا للذات في عقمها الإنساني والوجودي· أما القفص فهو يشير إلى الرغبة في التحليق والتحرر من كل ما يقيد ويمنع الطيران·
الحرية والمغايرة
نحن إذن أمام شاعر يريد أن يتحرر من الرؤية القشرية، السطحية للأشياء والتي تتم عادة عبر النظر في المرآة من جهة، ومن تأطيرها أو حبسها في قفص ما، قد يكون قفص اللغة أو التقاليد أو المألوفية أو الوثوقية أو اليقينية··· تلك هي الثيمة الأولى او الأبرز التي يشتغل عليها سعد جمعة في سفره المفتوح في فضاءات الشعر، لا سيما وأن القصائد تحررت على المستوى الفني أيضاً لتشق دربها إلى صور شعرية مدهشة في بعض جوانبها، رغم أن الشاعر في المجمل لا يعير الصورة انتباهه، بل ويميل إلى التحرر من أي إيقاع خارجي مستعيضا عنه بالموسيقى الداخلية التي ينتجها الكلام نفسه، وينحاز إلى قصيدة نثرية خالصة، ويجنح نحو التكثيف والاقتصاد الشعري لتأتي قصيدته ملمومة، متماسكة، لا تشكو الترهل أو الزوائد· واللافت في هذه المجموعة وحدة المناخ الذي يسيطر على جميع القصائد رغم أنها كتبت في فترة زمنية طويلة 1993 3002 -، بيد أن هذا لا يعني التشابه في بنائية القصيدة أو معمارها الفني، حيث أخذت القصائد الأخيرة المكتوبة حديثا شكلا اقرب إلى الومضة الشعرية، قصيرة، مكثفة، ثرية، وعميقة الدلالة، وكأن الشاعر يمسك بروح الشعر، يذهب مباشرة إلى ما نسميه 'بيت القصيد'·
وإذا ما أضفنا إلى دلالات العنوان تلك العين ذات النظرة المحدقة الموجودة في لوحة الغلاف (رسمها حسن شريف) فإننا مدعوون إلى التحديق جيدا في الكتابة، أي أننا نحتاج إلى رؤية ما يحيط بنا بعين أخرى، بعين تحدق ولا تمر مرور الكرام، عين توغل في ما حولها من التفاصيل لكي تتحقق الرؤية التي يريدها الشاعر، ما يجعلنا في نهاية المطاف نفهم ذواتنا ونقترب أكثر من إنسانيتنا·
هل كان الشاعر يقصد كل هذا عندما اختار هذا العنوان، وهذه اللوحة؟
أزعم أن الإجابة: نعم· ويؤكد هذا المنحى الذي ذهبنا إليه في رؤية الغلاف والعنوان الإهداء العميق الذي مهر به الكاتب ديوانه: يقول 'إلى الأشياء الحميمة حين ترقص في العلن'، نحن هنا أمام مؤشر جديد على ثيمة الحرية التي تشترط العلنية في بعض نواحي تحققها، العلنية التي تفضح المتواري والمسكوت عنه والمغيب وغير المرئي عن قصد أو غير قصد، وما دمنا بصدد الإعلان فنحن إذن أمام نوع من البوح، فهو يحكي عن الأشياء الحميمية التي غالباً ما تدور في السر مستترة برداء الخفاء ليخرجها إلى العلن، ولا يكتفي بإعلانها بل يختار شكل هذا الإعلان أو البوح وهو 'الرقص'، والرقص أكثر أشكال التعبير الجسدي تعبيراً عن مكنونات الروح والأعماق، والرقص بما يحمله من ميراث غني في حضارات الشعوب وثقافاتها هو أول أشكال التعبير التي عرفها الانسان حين رغب في إعلان فرحه أو حزنه أو حبه أو حتى مآتمه·
الحرية بمعناها الوجودي والعميق لا تكاد تغيب عن هذه المجموعة، إنها الحبل السري الذي يغذي القصائد والقاسم المشترك الذي يلم عقدها وينظمها في سياق شعري يفضي في حساسيته الإنسانية إلى أمداء بعيدة، حتى الحرية بمعناها السياسي حاضرة على خجل في بعض القصائد، لكن الشاعر إذ يحضرها ربما ليتأسى عليها حينا ويحاكمها حينا آخر، ربما بوصفها نوعا من الطفولة الغائبة (الطفولة الفكرية أحيانا) التي رأى الشاعر حين نضج وحدق فيها أنها لم تكن سوى خدائع أو شراك صغيرة وقع فيها مثل غيره من الحالمين، وأن الذين بدا أنهم آمنوا بها وأنهم رُسُلها سقطوا بطرق عدة فيما ذهب هو إلى عزلته يراقب سقوطهم وينأى بنفسه وبشعره عن الانخراط فيما يجري·
دعوة للتحديق
يقع الكتاب في 100 صفحة، ويضم 41 قصيدة وضعها الشاعر في توليفة بنائية محددة، بحيث وضع كل حزمة من القصائد في مجموعة، وهكذا جاء الديوان في أربع مجموعات تنتظم في مناخ شعري ونفسي متشابه إلى حد بعيد، ولعل الثيمة الثانية التي يشتغل عليها الشاعر والتي تقودنا بالتالي إلى الحرية والمغايرة هي دعوتنا إلى التحديق، فالشاعر يحدق في كل ما حوله، في كل تفاصيل حياته اليومية، المرآة، السرير، الورقة، المنظر، البرواز، القصيدة، الإطار، البيت، الغرفة، الشارع، الكأس، الراقصة، العازف، الأصدقاء، الناس، الوطن، الشاطئ، البحر، الطفولة، والماضي بكل ما يحمله من حنان عتيق أو براءة غائبة· وفي تحديقه هذا يعيد تسمية الأشياء بما يحب هو أن يسميها، يخرجها من قفص الرتابة، من قفص المعاني المكرورة، يمنحها فضاءات جديدة ومعاني مقترحة، يقترحها على قدر روحه وذاكرته مما يمنحها هيئة جديدة، لكنه في فعله هذا يستسلم لنفس (بفتح النون والفاء) خسراني (من الخسارة) يصبغ معظم نصوصه، يدخله في جو من الفقد يفضي به إلى تعداد خساراته: خساراته الشخصية، الوظيفية، اليومية، الحياتية، الروحية، وخسارة الأصدقاء، والأشياء الجميلة التي كانت تمنحه بهجة يفتقدها، ولا ينسى خسارات الوطن··· تلك التي تركته حزينا، مستوحداً، غريباً لا تعرف ملامحه المدينة التي تغيرت كثيراً، وبدلت جلدها وسَمْتها حتى صار مجرد وجه في غابة ملأى بالعيون والوجوه، لكنه أحياناً يستعيد الأمل ويتشبث به ويستولي عليه نزوع لقراءة الحياة من جانبها المضيء·
الكتابة خلاصاً
سعد جمعة يمارس في الكتابة نوعا من الرقص الطقوسي، البدائي، الفطري الذي عرفه الإنسان الأول بفطرته واكتشف لغته، وبحركات الجسد باح بأحزانه وأتراحه وأفراحه وآماله وأشواقه وتوقه إلى الحرية والجمال· الرقص الذي يأتي في بعض النصوص على طريقة 'الطير يرقص مذبوحا من الألم' أو 'من حلاوة الروح' كما نقول في اللهجة العامية، ويأتي أحياناً تعبيراً عن الفرح أو الاحتفاء بالحياة، لكن الرقص في كل الحالات يبقى بالنسبة إلى الشاعر معادلا موضوعيا للحرية والانفكاك من شتى أنواع القيود، للانعتاق، للسفر، للطيران خارج اليومي والعادي والمألوف والرتيب·
الكتابة بالنسبة إلى الشاعر بقيت خيط التواصل الرهيف الذي يربطه بالحياة، الكتابة القادرة على أن تحضر أشياءه إلى طاولته، يتملاها، ويعيد النظر فيها مرة تلو مرة· الكتابة وحدها تستطيع بالنسبة إليه أن تقوله، أن تعطيه من الحرية ما يتيح له أن يرتب أشياءه وفق هواه، أن يهندس عالمه كما يرغب ويشتهي، أن يحيا كما هو يريد لا كما يشاء الآخرون· الكتابة سبيله إلى احتمال قسوة هذا العالم، إنها لحمة الحياة وسداها، وهي التي تكسو التفاصيل لحما وتبعث فيها الحياة التي يحب على النحو الذي يحب· لا يملك الشاعر من متاع الدنيا سوى أن يكتب ويكتب ويكتب··· هنا تغدو الكتابة سلاحا ورؤية وطريقا وحيدا يدفع به الشاعر الموت عن أشيائه وتفاصيله ويحميها من التسرب أو الذوبان·
بهاء العزلة
العزلة هي الثيمة الأشد حضوراً في هذه المجموعة، بل هي سرَّة القصائد، دينها وديدنها لكنها ليست عزلة الغياب أو انعدام القدرة على الفعل والإنجاز، بل العزلة التي يرغبها الشاعر دائماً ليتفكر في الماحول، ليرتاح قليلا من ضغوط الواقع وأعبائه، من ضغطها على أعصابه، العزلة البراقة التي تلمع مثل الماس في عتمة داجية، العزلة التي تعطي وتنتج شعرا جميلاً، عزلة المتأمل المستوحش ينقب في أعماقه ويتدخل في التفاصيل ليرمم روحه بالرقص·
ربما لم يكن من قبيل المصادفة أن يبدأ الشاعر مجموعته بقصيدة تحمل عنواناً دالا على الاغتراب وهي قصيدة 'في غابة العيون'، وينهيه بعنوان يتناغم تماما مع المعنى الافتتاحي وهو 'وحيدا'، وفي البدء والمنتهى وما بينهما يسرد الشاعر عزلة تليق به، عزلة لا يرهقه فيها أحد ولا (يوجع دماغه) بما يشغل به البشر عقولهم، بما لا يعنيه، ولا يخلق في داخله تلك البهجة الحلوة التي يمنحها له الشعر··· لهذا نرى أن جلَّ ما يتمناه الشاعر: أن يتركه الناس وحيدا·
وفي حضور العزلة التأملية لا بد أن يحضر الموت، الموت بوصفه حياة مقترحة في اللانهائي المجهول، الموت صديق الشاعر وظلاله ترفرف على معظم أجواء قصائده، الموت الحقيقي أو المجازي، وإذا لم يرد بلفظته الصريحة الواضحة يورد ما يحيل إليه، الموت يتمظهر في مظاهر شتى، لكن أكثرها حضوراً يتمثل في ذلك الموال الذي رثى به أخاه الذي فقده إلى الأبد عندما سرقه الموت منه، لكنه ظل حاضراً في حياته وتفاصيله التي يسأل الشاعر عن مصيرها·
في هذا الديوان يبدو سعد جمعة مثل حطاب وحيد، يحتطب شجر أيامه في غابة يرسم صورتها بوجعه الخاص، وربما تدفعه الحياة قسرا إلى ممالأتها لبعض الوقت لكنه سرعان ما يؤوب إلى صومعته الشعرية يحنو على عزلته، يربيها ويحرس الحياة بالرقص·

اقرأ أيضا