الاتحاد

عربي ودولي

قطر و«حماس».. تحالف مصالح يشق الصف الفلسطيني

أحمد مراد (القاهرة)

تعود جذور تحالف المصالح بين قطر وحركة حماس إلى عام 1999 بعد 4 أعوام على انقلاب أمير قطر السابق على والده، وذلك في أعقاب قرار السلطات الأردنية ترحيل قادة حماس وإغلاق مكتبها في عمان، حينها توسط أمير قطر السابق حمد بن خليفة للمصالحة بين الطرفين. وفي عام 2006، ظهرت العلاقة بين الدوحة وحماس في أقوى صورها، وذلك في أعقاب فوز حماس في الانتخابات التشريعية التي أجريت في شهر يناير من العام نفسه، وفي شهر ديسمبر 2006، استقبلت الدوحة رئيس حكومة حماس إسماعيل هنية في أول زيارة له خارج البلاد، وكانت قطر في ذلك الوقت من أوائل الدول التي أعلنت دعمها ومساندتها لحركة حماس في مشوارها للوصول إلى سدة الحكم، وهو المشهد الذي تكرر مرة أخرى في العام التالي 2007 عندما أعلنت حماس انقلابها على السلطة الفلسطينية، وبسط سيطرتها على قطاع غزة وانفصاله عن الضفة الغربية بسبب خلافات سياسية مع حركة فتح، حيث أيدت الدوحة الخطوة التي اتخذتها حماس، وتعهدت لها بتقديم دعم مالي سخي، وقُدرت قيمة الدعم القطري لحكومة حماس المنشقة بـ 30 مليون دولار شهرياً، الأمر الذي ساهم في تعزيز الانقسام الفلسطيني بين حركتي فتح وحماس، وعرقلة أي جهود لتشكيل حكومة وفاق، وترسيخ فصل الضفة الغربية عن قطاع غزة.

وفي عام 2008، ترسخت العلاقة بين قطر وحماس، وشهدت طفرة كبيرة على مختلف المستويات، وذلك عندما أراد أمير قطر السابق تعزيز مكانة رئيس المكتب السياسي للحركة خالد مشعل، حيث دعت إلى عقد قمة طارئة في الدوحة لبحث تداعيات الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة في هذا العام، وفي هذه القمة جلس خالد مشعل للمرة الأولى بجانب رؤساء بعض الدول العربية والإسلامية، منهم الرئيس السوري بشار الأسد، والرئيس الإيراني أحمدي نجاد، ورجب طيب أردوغان، والذي كان في ذلك الوقت يشغل موقع رئيس مجلس الوزراء التركي، وحينها ألقى مشعل كلمة الشعب الفلسطيني محل أبو مازن، وأعلنت قطر تقديم 250 مليون دولار لإصلاح ما أفسدته الحرب الإسرائيلية ضد قطاع غزة.

وفي عام 2011، ومع اندلاع الثورة السورية، بدأت حماس في البحث عن مقر آخر غير دمشق التي احتضنتها عشرات السنوات، لا سيما بعد أن أيدت حماس الثورة ضد الرئيس السوري الأسد، واختار رئيس مكتبها السياسي خالد مشعل قطر لتكون مقر الحركة الجديد.

وفي عام 2012، زار أمير قطر السابق قطاع غزة، واستقبلته حماس استقبال القائد الفاتح رغم معارضة الرئيس الفلسطيني لأي تعامل مباشر مع حماس، وحينها قدم الأمير دعماً مالياً لحماس قيمته 450 مليون دولار تحت ستار مشروعات إعادة إعمار غزة.

ولم تقف أوجه الدعم التي قدمتها قطر لحماس عند هذا الحد، حيث تكفلت برواتب ما يقارب 16 ألف مقاتل في صفوف الحركة، إضافة إلى توفير الأسلحة والصواريخ التي تحتاج إليها حماس لتطوير قدراتها القتالية، وذلك في ظل صمت إسرائيلي تام للتحركات القطرية عبر رئيس لجنة الإعمار القطري محمد العمادي الذي يقوم بإدخال ملايين الدولارات تحت أعين حكومة الاحتلال الإسرائيلي التي تتغاضى عن دعم الدوحة لحماس وفصيلها المسلح.

وأوضحت دراسة تحليلية أعدتها مي غيث، الباحثة في المركز العربي للبحوث والدراسات بالقاهرة، أن الدعم القطري الحقيقي والقوي لحركة حماس بدأ منذ عقدين، حيث قدمت قطر مساعدات مالية قدرت بـ 50 مليون دولار بعد فوز حماس في الانتخابات التشريعية الفلسطينية في بداية عام 2006 وتشكيلها للحكومة الفلسطينية، وبعد سيطرة حماس على قطاع غزة في منتصف عام 2007، بررت قطر دعمها للحركة بالأزمة الإنسانية في القطاع نتيجة حرمان حماس من المساعدات المالية الدولية، وفي بداية عام 2008، قال أحد مساعدي رئيس السلطة الفلسطينية: إن قطر تعطي حماس ملايين الدولارات في الشهر، يستخدم جزء كبير منها في شراء الأسلحة.

ووصفت الدراسة زيارة أمير قطر السابق لقطاع غزة في أكتوبر 2012 بأنها غير مسبوقة في تاريخ العلاقات القطرية مع حركة حماس، وقد شهدت الزيارة تقديم منح قطرية بقيمة 450 مليون دولار خصصت من أجل بناء ثلاثة آلاف وحدة سكنية تحت بند مشروع مدينة حمد، وبناء مساكن خاصة للأسرى المحررين، بالإضافة لإنشاء مركز للتأهيل.

وأكدت الدراسة أن هذه الزيارة أتت بأثر سلبي على الجانب الفلسطيني الداخلي، حيث كرست الانقسام الفلسطيني، وخدمت المخطط الأميركي الإسرائيلي لجعل الشقاق الفلسطيني مؤسساتياً عن طريق وضع الدعائم الدبلوماسية لكيان فلسطيني يقتصر على قطاع غزة.

وأشارت الدراسة إلى أن أمير قطر خلال زيارته لقطاع غزة، عرض على قادة حماس شروطاً عدة مقابل دعمه للحركة، من أبرزها استئناف المفاوضات مع الكيان الصهيوني من دون شروط مسبقة، والاعتراف بالكيان الصهيوني، إلى جانب وقف الكفاح المسلح، ووفقاً لتقارير بعض وسائل الإعلام الغربية، بما فيها «بي. بي. سي» و«أسوشيتدبرس»، قدر المسؤولون الأميركيون والإسرائيليون مساعي أمير قطر في إطار تحقيق أهدافهم في المنطقة.

وذكرت الدراسة أن يوسف القرضاوي، المقرب من نظام الحكم في قطر، قام بتقديم دعم كبير لحركة حماس، حيث شارك مع رئيس المكتب السياسي للحركة خالد مشعل في حفل الاحتفال بنصر الحركة المقام في قطر، كما استخدم برنامجه بقناة الجزيرة لتدعيم الحركة، وتتسامح قطر مع رؤيته المتشددة وجمعه للأموال لمصلحة حماس، وقد أسس الشيخ القرضاوي في أكتوبر من عام 2000 منظمة تسمى «ائتلاف الخير»، والمعروفة أيضاً بالتحالف الخيري، وتعد تلك المنظمة من أكبر المنظمات الداعمة لحركة حماس، فيما يتعلق بالدعم المادي.

وأشارت الدراسة إلى أن العلاقة بين حماس وقطر تتضح كثيراً من خلال وثيقة التمويل القطرية، والتي هي عبارة عن خطاب صادر من مساعد وزير الخارجية القطري، إلى رئيس الوزراء القطري ووزير الخارجية السابق حمد بن جاسم، يخطره فيه بأنه تم إصدار شيك بقيمة 250 مليون دولار من أموال الطوارئ بوزارة المالية القطرية لرئيس المكتب السياسي لحركة حماس خالد مشعل، وذلك حتى تتمكن حكومة حماس في غزة من تمكين الرئيس المصري محمد مرسي والمحافظة على حياته، واستقرار إدارته للبلاد لأطول فترة مقبلة.

من جانبه، شدد خبير الدراسات الإسرائيلية، الدكتور إيهاب العزازي، مدير مركز السلام للدراسات والتنمية، على قوة ومتانة العلاقات بين قطر وحماس، حيث تعاظم وتنامي الدور القطري خصوصاً في ظل عملية الجرف الصامد التي تقودها إسرائيل ضد قطاع غزة، والرفض الحمساوي الواضح لأي مبادرة مصرية، والقبول لكل فكرة أو طرح أو مبادرة من قطر، وبذلك تحولت حماس من حركة مقاومة ضد المحتل الصهيوني إلى مجرد أداة في يد النظام القطري لتحقيق أحلامه بقيادة العالم العربي، وتصدير صورة كاذبة أن قطر تدعم الثورات وحركات المقاومة في العالم العربي.

وقال الدكتور العزازي: كانت موجة ثورات الربيع العربي أزمة كبرى ومأزقاً حقيقياً لحركة حماس، والتي كانت تعيش في سوريا عبر رعاية نظام بشار الأسد، وكانت تتحرك بحرية، وكانت مقرات مشعل تشبه القصور الرئاسية من حيث الحراسات، وحرية استقبال الوفود، وتداول الأموال في سوريا، ولكن حدث زلزال كبير بعد اشتعال الثورة في سوريا، وهنا بحثت حماس عن مقر جديد لقياداتها المطاردة دولياً، ولم تجد سوى قطر الباحثة عن دور إقليمي تعكس به أحلامها في تكوين إمبراطورية وكيان يدير العالم العربي.

وأضاف: فتحت الدوحة أبوابها لحركة حماس عبر مقرات وإقامات وجوازات سفر لقيادات حماس، فكلاهما قطر وحماس كانا يبحثان عن غطاء لتحركاتهما في الشرق الأوسط، واتحدا واتفقا على تحقيق مصالحهما وأهدافها الاستراتيجية، ويعتبر الدعم المالي البوابة الحقيقية لعلاقة حماس بقطر، خصوصاً في ظل تراجع الدعم العربي بعد ثورات الربيع العربي، وهناك نوعان من الدعم المالي، منها الظاهر عبر التبرعات والهبات، والآخر الأهم وهو الدعم عبر صفقات السلاح والدعم اللوجستي والتدريبات.

وتابع الدكتور العزازي: قطر وفرت لحماس الغطاء الدولي بشكل كبير، وسهلت حركة قياداتها عربياً ودولياً عبر جوازات سفر قطرية وحقائب دبلوماسية، والأهم من ذلك هو محاولة قطر المتاجرة بالقضية الفلسطينية، واستخدام حماس لتصفية حساباتها مع الدول التي تقف عقبة في طريق الحلم القطري، ومن هنا وجدنا الدعم لجماعة الإخوان المسلمين عبر حماس في مصر من خلال فتح السجون وتهريب المساجين في ثورة يناير 2011.

وأشار الدكتور العزازي إلى أن علاقة حماس وقطر علاقة مركبة، فكلاهما في حاجة للآخر، وكلاهما مطارد ويبحث عن دور في المنطقة بعد سقوط الأقنعة ووضوح الحقيقة للجميع، فحماس تبحث عن مقر لتحركاتها ودعم مادي وغطاء سياسي، وفى المقابل قطر تبحث عن تنامي وتعظيم دورها عربياً ودولياً، ولكن في الحقيقة قطر تلقي بأموالها ومستقبلها في البحر، وحماس تنتحر سياسياً لأنها تعادي غالبية الدول العربية لحساب دويلة بلا تأثير قوي وفعال في القضية الفلسطينية.

أما أستاذ الدراسات الصهيونية بجامعة الإسكندرية، الدكتور أحمد فؤاد أنور، فقال: العلاقة بين حماس وقطر تتضح جلياً فيما يقوم به رئيس لجنة الإعمار القطري محمد العمادي، والذي لديه علاقات قوية بالإسرائيليين، ويتردد بانتظام على قطاع غزة حاملاً تمويلاً سخياً للغاية لقيادات حركة حماس في غزة.

وأكد الدكتور فؤاد أنور أن الدوحة خصصت نحو نصف مليار دولار كدفعة أولى لإعادة إعمار قطاع غزة، وتشييد مجموعة عمارات سكنية في مشروع يحمل اسم الأمير السابق، وجعلت من الإخواني القطري محمد العمادي مسؤولاً عن هذا الملف، والمريب أنه لا يكتفي بالمتابعة عن بعد، بل يصر على التردد على القطاع في زيارات طويلة منطلقاً من معبر الملك حسين إلى الضفة الغربية ثم إسرائيل التي أقر في حوار أدلى به لموقع «والاس الإخباري الإسرائيلي» أن له علاقات متميزة بكبار مسؤولي تل أبيب، وأن على رأس هؤلاء الأصدقاء الجنرال «يؤاف مردخاي» المتحدث باسم جيش الاحتلال.

وقال: «أياً كان ما يفعله العمادي في غزة، فلا بد من آلية لضمان أن تلك الأموال تنفق فعلاً على تشييد شقق سكنية، ولا توجه تحت ستار هذه اللافتة الإنسانية لتشييد أنفاق الإرهاب والخراب التي تصب فقط في مصلحة مجموعة من المجرمين، ومهما كان ما تمارسه قطر في القطاع نرى أنه حان الوقت لحركة ورؤية مصرية وعربية في مقابل التحالف القطري الإسرائيلي المشبوه، حيث إن ترك الساحة للتسلل القطري بأجندات مشبوهة إلى قطاع غزة، يحتاج لمراجعة سريعة، مع الأخذ في الاعتبار ضرورة ترتيب الأولويات.

وأشار الدكتور فؤاد أنور إلى أن قطر لعبت دور الوسيط بين إسرائيل وحماس في الاتصالات الأمنية بين الطرفين، والتي تطورت إلى اتصالات سياسية في وقت لاحق، حيث سعى أمير قطر للتوسط بين الحركة الفلسطينية وتل أبيب لتنسيق المواقف المشتركة، وهو ما يؤكد دعم الدوحة لحكم حركة حماس في غزة، واعتبارها ممثلاً للشعب الفلسطيني، وليس فصيلاً كبقية الفصائل الفلسطينية الأخرى.

اقرأ أيضا

عدد النازحين في العالم يصل إلى رقم قياسي عام 2018