الاتحاد

دنيا

الخزف··· حديث الطين والنار

بيروت ـ غادة تميم:
لا بد من التأكيد بداية على ان الانسان هو الانسان في كل زمان ومكان، وان الحرف الفنية التي نراها اليوم في الدور والقصور ولدى الاثرياء والميسورين كما في المتاحف والمواقع الاثرية، انما كانت نتاج جهد بشري هدف في الاساس الى انتاج مادة تساعده على انجاز حياته اليومية وتأمين حاجياته فيها، كما في صناعة الفخار الذي احتاجه لوضع طعامه وحفظ الماء والزيت والحبوب· والخزف الذي لجأ اليه الانسان لتزيين مائدته وتقديم طعامه في صحون مزهوة بألوانها، والسجاد الذي حاكه بسطاً تحفظه من الرطوبة وبرودة الارض، وغير ذلك من المنتجات الحرفية التي انتجها لقضاء حاجياته في البداية ثم تحولت الى اشكال جمالية متنوعة الاهداف لتزيين داره او مواقع عبادته، فتطورت مع الوقت لتتحول الى جماليات للزينة والتباهي والتفاخر·
والخزف كما يقول الباحث الدكتور محمود شاهين، مثله كمثل بقية المواد والخامات، شكّل منه الانسان حاجات وادوات بسيطة في البداية، ثم تفنن وابتكر واضاف الى هيكليتها وتشكيلاتها وطرائق استخدامها، وما اضافه اليها من زخارف وخطوط وتزيينات ونحت وتشخيص وتلوين وصلت الى ما هي عليه اليوم من قيمة مادية وفنية رفيعة·
فالفخار هو الطين المشوي الذي يتحول الى خزف بعد تزجيجه وادخاله مرة ثانية الى الفرن، وهو احد فنون النار التي بدأت حرفة انثوية ثم تطورات لتشمل الرجل، وهو يرى ان مصر وبلاد ما بين النهرين كانت اهم مراكز انتاج هذه المشغولات ومنها الفسطاط وسامراء والرقة والري ثم انتقلت الى ايران وتركيا والمغرب العربي واسبانيا وآسيا الصغرى وغيرها مثل سلطان اباد وصاوة وقاشان وتونس والاندلس· ومن المؤكد ان الخزف كان مزدهراً جداً في مصر الفاطمية كما كانت اهم مراكز الخزف في تركيا هي بلدة اسنك وهي نفس البلدة البيزنطية نيكابا· اما في سوريا فيعود ظهور الالواح الخزفية الاسلامية الى العهد العباسي ثم الايوبي والمملوكي·
الخزف الصيني
ويقول الباحث الصيني هواي يي، ان اقدم ما يجسد حضارة الصينيين القدامى هو الفخار الملون واقدم ما يمكن رؤيته منه ذلك المكتشف في اطلال ثقافة 'لاوقون تاي' ويرجع تاريخه الى ثمانية آلاف سنة·
وقد ظهرت الاواني من الفخار المزخرف في عهد أسرتي تشين وهان فيما الفخار لم يظهر الا في العصر الحجري الحديث، وكان من الوان الرسوم او الخطوط فوق الفخاريات الملونة استعمال المعزة الحاوية للحديد للصبغ البني والتربة الحمراء الحاوية للحديد الوافر للون الاسود والكاولين الابيض المذاب للون الابيض·
اما في مصر فيقال بأن صناعة الخزف والزجاج بدأت في عصر الملك اخناتون الشهير بفرعون التوحيد، حيث انشئت معامل ومصانع لهاتين الحرفتين وقد كشفت اعمال الحفر عن مصنعين كبيرين لصناعة الخزف المطلي، وقد ظلت صناعة الفخار والخزف راسخة ومتواترة في تتابع اسلوبي متوارث نظراً لثبات تقاليدها ووظائفها مع بعض التنويعات لبصمة كل عصر حيث تفرد العصر الروماني في مصر بعجينته الحمراء وزخارفه البارزة السوداء، اما في العصر القبطي فقد عمل الرهبان بأنفسهم في هذه الصناعة داخل الاماكن الخاصة بجوار الاديرة·
وقد مال فنانو الخزف المصريون الى استخدام سيليكون الرمل وطبقة زجاجية شفافة وكانوا يفضلون الطلاء باللونين الازرق والاخضر، اما في العصر الفاطمي فقد ازدهرت صناعة الخزف القيشاني 'الفيانس' الذي كان يحمل رسوماً وزخارف رائعة بأشكال البشر والطيور والحيوانات والنباتات الى جانب الاشكال الهندسية والخطوط الكوفية الفنية المتقنة ومشاهد الرقص والموسيقى والصيد وبعض الانشطة الاجتماعية اليومية·
انواع الخزف
وتعيد الباحثة فطوم بالوش الخزف الى ثلاثة انواع وهي:
ü الخزف الطيني الذي يصنع من الطين ويطلى باللون الزجاجي ويحرق في درجة حرارة منخفضة·
ü الخزف الحجري ويصنع غالباً من مزيج الطين الحجري وهذا النوع يوضع في درجة عالية من الحرارة التي تجعل سطح الخزف الحجري مصقولاً وهو أكثر صلابة وثقلاً من الخزف الطيني وهو احمر وغير شفاف ولا يمكن للنور ان ينفذ من خلاله·
ü الخزف الصيني وهو الاكثر صفاء ورهافة، منه ما يصنع من عجينة صلبة ويحرق بدرجة حرارة عالية، ومنه ما يصنع من عجينة ناعمة من الصوان ومعدن يسمى الفلوسبار وكمية من الطين الابيض الناعم المعروف بالكاولين ويمكن للضوء ان ينفذ من خلال هذا الخزف·
وتضيف فطوم بالوش بأن صنع الخزف ايام مصر القديمة كان يتم عبر دفن الاناء في الفرن مع الابقاء على فوهته خارجه او مقبضه، ولهذا كان لون الفوهة اسود ومغايراً للون الاناء الذي يكون احمر لان الفوهة تتعرض للأكسدة· وفي هذا السياق تذكر ان درجة الحرارة 750 درجة مئوية تشوي الفخار، اما عندما تصبح 1200 درجة مئوية فهي تجعل الاناء اكثر صلابة وافضل جودة بما اكتسب من حرارة وحسب نوع الطين وما يضاف اليه من مسحوق العظام·
أسرار الصنعة
ولصناعة الخزف طرق شتى الا ان الخزّاف صلاح درويش يشرح الطريقة التالية لصنعه في سوريا:
أولاً: اعداد القوالب المصنعة من الجبصين كنسخة عن القطعة المراد صنعها وغالباً ما تكون هذه النماذج مستوردة·
ثانياً: يؤتى بتربة الكاولين فتوضع في الماء لمدة اربع ساعات مع اضافة بعض المواد الملينة لها لاعطائها النعومة واللزوجة وتقلل كمية الماء، ثم يوضع الخليط في خلاط ليمزج خلال نصف ساعة حتى تصبح المادة ناعمة جداً كون الحبيبات خشنة وبعدها يصفى المزيج لازالة الشوائب منه·
ثالثاً: يسكب المزيج في القوالب المعدة له ويترك في القالب لمدة ساعة او اقل ثم يتم تفريغ الخليط الزائد وتترك المادة في القالب بعدها لمدة يوم كامل ثم يتم فتح القالب وتوضع المادة المقولبة في الانتظار حتى تجف·
رابعاً: في اليوم التالي تجرى عملية الرتوش على القطعة وازالة الزوائد منها وتوضع في الفرن لمدة ست ساعات على حرارة 1050 درجة مئوية ولا تخرج من الفرن الا بعد 24 ساعة وبعد اخراجها تكسى بالالوان المناسبة بواسطة فرد تظليل ثم تعاد للفرن وتأخذ نفس الحرارة ونفس المدة تقريباً، وبعدها تخرج لتغطس في مادة الليستر لثوان لتدخل الفرن للمرة الثالثة بحرارة اقل من 600-700 درجة مئوية وبزمن اقل حوالي 4 ساعات لتكسب اللمعان وبعدها يضاف اللون الذهبي اليها وتلصق فوقها الصورة الحرارية المستودة حسب الطلب والتي تكون قد نقعت في الماء لتنفصل قبل الصاقها ثم تدخل الفرن للمرة الرابعة لتصبح الصورة من اصل القطعة·
الخزف في لبنان
عرف لبنان صناعة الخزف بصورة مترافقة مع صناعة الفخار ولا زالت هذه الصناعة قائمة وانما بخجل، وكان آخر ما عرفناه عنها على على الصعيد الاعلامي مشاركة الخزافين اللبنانيين في معرض 'خزف اللواز وتونس ولبنان' في مدينة بوميه الفرنسية حيث تمثل لبنان من خلال اعمال 'تعاونية صناعيي الخزف في راشيا الفخار'· وكانت المرة الاولى التي يطلع فيها الرأي العام الفرنسي على هذا الفن اللبناني حيث ضم جناح لبنان أوانٍي من مشغل هاني اسير واولاده حازت على الاهتمام بسبب الاساليب الحرفية القديمة المستخدمة في صناعتها، وقد سبقت هذا المعرض دورة تدريبية وجولة قام بها حرفيان من راشيا الفخار هما جهاد اسبر ونظير عبد الله في معامل اللوازوبوميه الفرنسية·
وربما تستند الحرفة عادة الى التجار الذين يقومون بترويج البضاعة وهم في العادة يفضلون البضاعة الخارجية المنشأ كون التكلفة الحقيقية لها تكون غير معروفة مما يمكنهم من مضاعفة اسعارهم، فقد كادت هذه الحرفة تغيب تماماً عن اسواقنا ومع اننا نادراً ما نرى لبنانياً يخلو منزله من قطع خزفية صغيرة او كبيرة فاننا لا نرى موسراً مستعداً لتوظيف رأسماله في هذه الحرفة لتصبح في مستوى الصناعات الحرفية الصينية المستوردة·
هنا لا بد من الاشارة الى ثلاثة امور سياسية تنتج عن هذا الواقع المؤلم:
اولاً: ان الخزف المزخرف يصور الحياة الاجتماعية ومستوى رقيها في الامة بحيث يمكن اعتماده كمصدر للمؤرخ وعالم الاجتماع لدراسة اسلوب حياتها وتغييبه يعني فك الارتباط ما بين الماضي والمستقبل·
ثانياً: ان الاسلام وضع طابعه من خلال الرسوم والتزيينات والزخارف على اطار الحياة اليومية للانسان صابغاً اياها بصبغته ومانحاً اياها الخصائص اللازمة التي ترتبط به وبغياب الصناعة الحرفية المحلية فاننا نأتي بثقافات الآخرين لنتباهى بها في دورنا وقصورنا وكأننا عاجزون عن صنع هذه الثقافة·
ثالثاً: ان الحرفة وسيلة من وسائل العيش، وبتغييب اي حرفة فإننا ندفع بابنائنا الى مهن اخرى قد لا تؤدي الى رقي المستوى الفني في بلادنا وهذا يشكل حالة انتقال من الابداع والعطاء الى التلقي والاستعراض·

اقرأ أيضا