الاتحاد

دنيا

ألما وليلى··· خلطة سحرية بين حرية الفكر واحتشام الجسد

القاهرة ـ إبراهيم فرغلي:
يعرف الكثيرون قصة الفتاتين 'ليلى وألما ليفي' اللتين تم طردهما من مدرستهما الثانوية في فرنسا قبل نحو عامين· لكن احدا لا يعرفهما حقا في العالم العربي والاسلامي بل وفي البلد الذي تعيشان فيه 'فرنسا' فقد اجتزأت الصحافة المكتوبة والمرئية تصريحاتهما ولم تفعل شيئا ازاء الشائعات والمعلومات المغلوطة والافكار المسبقة الشديدة الرسوخ عن الاسلام والحجاب اما في العالم العربي فقد قدمت القصة بوصفها محاولة مجتمع لقهر طالبتين مسلمتين· القصة حركت استاذين فرنسيين هما فيرونيك جيرو وايفا سانتومير واجريا مقابلة موسعة على مدى فترة طويلة مع الفتاتين ونشرا وقائعها في كتاب بعنوان 'فتاتان كسائر الفتيات' وقد صدرت الطبعة العربية من الكتاب عن دار الفارابي بترجمة ميشال كرم الذي اختار للترجمة العربية عنوان 'حجابي هويتي·· فتاتان تدافعان عن حجابهما'·
في مقدمة الكتاب يشير المؤلفان ان فائدة هذه الحوارات هي مساعدة القراء على الفهم قبل الحكم فماذا نعرف عن دوافع وممارسات هاتين الفتاتين اللتين تتراوح سنهما بين السادسة عشرة والثامنة عشرة؟
لقد كانت لدينا تحقيقات سوسيولوجية غنية وقوية الاسناد لكن تجاهلها بصورة منهجية المسؤولون السياسيون ومعظم المثقفين الذين تحدثوا الى وسائل الاعلام· وهذا هو هدف الكتاب أي تقديم وثيقة اجتماعية أمينة حول قضية تضاربت حولها الآراء·
لكن ما يزيد من أهمية هذه الوثيقة ان للفتاتين 'ألما وليلى' صفة تمثيلية أوسع بكثير مما قد يتبادر إلى الذهن فوالدهما يهودي الأصل، ومناضل ينتمي إلى اليسار، ومحام، ووالدتهما مسلمة معمدة بالقوة 'بوصف الترجمة حرفيا' ومعلمة ومع ذلك فهما فتاتان كسائر الفتيات·
ويرى مؤلفا الكتاب في موضع آخر ان ارتداء الحجاب في فرنسا يشكل في أغلب الحالات خيارا يجري من خلاله توكيد الشخصية إذ لابد من التحلي بالشجاعة لمجابهة ردود فعل المجتمع الفرنسي ازاء هذا الشعار وخيار 'ليلى وألما' هو خيار شخصي ولا تسعى هاتين الفتاتان إلى فرض نمط عيشهما على الاخريات، وإنما هما تمارسان حق اداء دور القدوة، على خلفية تساهل كبيرة فهما قد استوعبتا بشكل عميق القيم الدستورية لدولة الديمقراطية، وخصوصا منها قيم حقوق الشخص وهما مشبعتان بارث الحركة النسائية وتشهدان على واقع ان ارتداء الحجاب في بلادنا لا يتطابق عموما على صعيد الممارسة مع الخضوع للرجال·
محاولة فهم
وينطلق المؤلفان من محاولة عميقة لفهم المشكلة بشكل موضوعي، ولعلها الخلاصة التي استنتجاها من مجمل هذه الحوارات اذ يشيران في احد مواضع الكتاب الى ان مسعى الفتاتين 'ليلى وألما' مثل أغلب الشابات الفرنسيات المسلمات لا يندرج في حركة طائفية وانه لا يعدو انهما تطالبان بوصفهما فردين بالقدرة على ممارسة حريتهما الدينية بين سائر المواطنين ومعهم·
وإلى جانب المناداة بان دينهما يرتدي معنى شموليا يتعدى النطاق الشخصي فانهما تعلنان أيضا وبكل صراحة رفضهما للاسلام السياسي على اعتبار ان حجابهما رمز ديني ووجودي وليس بيانا سياسيا·
وتقول ألما: بدأت ارتدي الحجاب في المدرسة في بداية يناير 2003 بعد نحو أسبوع من انتهاء شهر رمضان وكنت آنذاك في الصف الثاني الثانوي بمدرسة 'هنري والون' في أوبرفيلييه التي طردتني في تلك السنة·
وتضيف: بدأت ارتدي حجابا يغطي مساحة لا بأس بها ويترك الوجه مكشوفا وينسدل الحجاب على كتفي وهو الذي مازلت ارتديه اليوم عندما اخرج وكان الفرق بين الحالتين هو انني كنت أدسه بدلا من اسداله على الكتفين ولم يسبب هذا الامر مشكلة الا مع استاذ اللغة الاسبانية، الذي قال عندما رأني لأول مرة 'ماذا؟ هل أصبح اليهود يرتدون نفس الحجاب اياه الآن؟' فأجبته 'كما ترى! لم نعد في مأمن من أي شيء··' ثم ادرك انني مسلمة، على عكس ما يوحي به اسمي، ومنعني من دخول الصف مرتين· وأرسلت إلى مكتب المدير وتم استدعاء والدي وبعد ذلك تم قبولي في الصف بصورة طبيعية دون ان أغير شيئا من هندامي وحدثت بضعة استفزازات خلال السنة وعندما كان يطفح الكيل عند المدير كان احيانا يستدعي خمس أو ست فتيات إلى مكتبه كان هناك بضع تلميذات يرتدين الحجاب مثلي في باحة المدرسة، ولكنهن كن ينزعنه في الصف، أو يدفعنه إلى الخلف، أو يرتدين ما يكشف منبت الشعر وشحمة الاذنين ولم يكن عندي اية مشكلة في دروس الرياضة البدنية وكنت احرز نتائج طيبة·
اما ليلى فتجيب على نفس السؤال بقولها: كنت يومها لا ازال اقيم في رانس التي غادرتها ألما إلى أوبرفيلييه وهي في الصف الثالث وارتديت الحجاب حين ارتدته هي تقريبا، وربما بعدها بأسبوع، لكنني في البداية كنت لا أرتديه في المدرسة ولم نقرر معا القيام بتلك الخطوة، في الاسبوع الأول من ارتدائها الحجاب لم أرها ولم تخبرني بالأمر وعندما وصلت إلى أوبرفيلييه في عطلة نهاية الاسبوع اخبرتها انني سأبدأ ارتداء الحجاب وحينها عرفت انها قد سبقتني بقليل وعندما رأتني والدتي محجبة لم تقل لي شيئا سوى ان نساء القبائل لا يرتدين الحجاب، لكنها في اليوم التالي عندما رأتني أمضي إلى المدرسة قالت لي ان عليّ ان انزعه قبل الدخول كي لا اتعرض لمتاعب فذكرتها بأنها هي بوصفها استاذة كانت قد دافعت عن تلميذات يرتدين الحجاب فأجابتني قائلة انني لن أجد بالضرورة استاذا يدافع عني·
كنت في الصف الأول، وفي الثامنة من العمر، ولا ارغب في التعرض للطرد وهكذا كنت انزع الحجاب عند وصولي للمدرسة إلى ان خطر في بالي يوما ان اخاطر بالاحتفاظ به آملة ألا تعلم أمي بالأمر وإنها لم تعلم به على كل حال لانني لم اتعرض لمتاعب وكان المعلمون يبدون عدم ارتياحهم للأمر، ووجهت لي ملاحظات، لا أكثر ولم يطلب مني احد ان انزع الحجاب أو اخرج من الصف وعليّ ان اوضح انني لم أكن ارتديه على طريقة 'ألما' أي كغطاء واسع بل كنت اكتفي بان اعقده خلف رأسي ولم يدرك بعضهم على الفور انه كان حجابا·
تطورات درامية
أما كيف سارت الأمور نحو طرد الفتاتين من المدرسة فهو ما ترويه 'ألما' بانهما كانتا قد أعدتا نفسيهما للمرور بلحظات صعبة، لكن ليس بهذا الشكل وتقول: 'كنت أتوقع ان يتجدد الضغط علينا، لكني لم اتصور انهم سيطردوننا بعد عشرين يوما وعدت إلى المدرسة في يوم 3 سبتمبر وصلت إلى الباب الخارجي وانا ارتدي حجابا يلف رأسي ويغطي شعري، وكنزة ذات ياقة عالية، وسروالا وتنورة قصيرة فاتحة اللون وعند دخولي نزعت حجابي ولم احتفظ الا بالمنديل فقال لي المدير: 'إلى اليسار يا آنسة!· كانت هناك تسع فتيات يوجد شيء ما على رؤوسهن لكن الشعر على الجبهة عند بعضهن كان ظاهرا وكذلك كانت الاذنان والعنق وكان واضحا انني الأكثر تغطية، وانضمت الينا فتيات اخريات حتى أصبح عددنا 14 فتاة ادخلنا المدير مكتبه وتلا علينا المادة الرابعة والعشرين من النظام الداخلي المستقاة من تعميم بايرو: 'ان حمل التلاميذ علامات متحفظة تعبر عن تعلقهم بمعتقدات، بما في ذلك المعتقدات الدينية، مقبول في المدرسة، لكن حمل التلاميذ علامات متباهية هي من حيث طبيعتها عناصر تبشيرية أو تمييزية ممنوع'·
وكانت 'ألما' وفتاة اخرى فقط هما اللتان لم تخلعا الحجاب مثلما فعلت الاخريات قبل ان يدخلن الصفوف·
ومن هنا تفجرت القضية، بعد المحاكمة التأديبية التي تعرضت لها الفتاتان والضجة الإعلامية الضخمة التي أعقبتها، والتي لا ترى فيها ألما غضاضة لانها، على حد قولها، اعطتها الفرصة لان تعبر عن نفسها بصوت عال هي وشقيقتها·
اختيار حر
وينتقل مؤلف الكتاب من هذه الظروف إلى مراحل ارتداء الحجاب ثم يطرحان سؤالا لليلى هو: إلى اي حد أثرت عائلتكما في تدينكما؟ فتقول: والدنا يهودي الأصل ثم اسلم لكنه غير متدين على الاطلاق، لم نتحدث كثيرا عن الدين مع والدنا في سن الطفولة والمراهقة، وهو لم يغرس فينا معتقداته· أما والدتنا فهي مسلمة، لكن هذا يتغير يوما عن يوم ككل شيء مضت فترة من الزمن كان لا يحق لنا فيها ان نخرج إلى المدرسة قبل ان نقبل القرآن لكن لأمنا علاقة غير ثابتة بكل شيء: باصدقائها وأولادها وأسرتها والدين والغذاء والسياسة· قال بعض الصحافيين انها اعتنقت المسيحية، لكن هذا سخافة!
وتوضح ليلى ان شقيقتها الاخرى 'نورا' مؤمنة وتمارس الشعائر اما سامي الاخ الأصغر فليس متدينا· كما تشير هي واختها إلى الطريقة التي كانتا تحاولان بها الحصول على معلومات صحيحة عن الاسلام من الكتب ومن طرح أسئلة على مسلمين واحيانا على أقارب الاصدقاء 'وإذا وجدنا آراء متناقضة نرجعان دوما إلى المصادر'·
كما تشيران إلى ان ردود الفعل في العائلة وبين الصديقات كانت عالية جدا، وحتى بعض أخوالهما الذين يكرهون الحجاب بشكل شخصي أبدوا اعجابهم بهما لانهما تسيران في طريق ايمانهما إلى النهاية·
لكن ردود الفعل في الشارع، ولدى الجيران كانت مختلفة، وبعضها كان سخيفا بالسب أو البصق أو سكب الماء فوق رأس ليلى لكنها ترى انها حاولت ان تضبط نفسها ولا ترد على أي استفزاز لانها إذا فعلت ذلك فان الاتهام سيوجه للإسلام·
وتتراوح الاسئلة كذلك عن مدى فهمهما للإسلام، ومدى وجود آيات تفسر حرفيا من القرآن، واخرى لها معان رمزية أو استعارية، بما يعطي فكرة عن فهم عصري للاسلام كما تفهمه ليلى وألما· وهو ما يتضح ايضا في اجابة على سؤال آخر يكشف كذلك عن انهما اختارتا التدين بمحض الإرادة ووفقا لثقافة حرة تربتا عليها في فرنسا·· فقد وجهت ايف سانتومير سؤالا هو: تقولان دائما ان الدين شأن شخصي بين الانسان وقناعاته الخاصة وانه لهذا السبب لا يقدر احد على ان يفرض عليكما شيئا الا تظنان ان هذه هي نظرتكما انتما إلى الإسلام وان هناك نظرات اقل شخصية وحرية بكثير؟ ألا توجد في البلدان الإسلامية ممارسات تقوم أكثر بكثير على اعراف: أي ان نخضع للقواعد لان الأمر هكذا دون ان نتساءل لماذا؟
وتجيب ليلى قائلة: تحدثت مع صحفيين اعتقد انهم زاروا افغانستان حيث يقال ان الناس هناك شديدو الاستقامة من وجهة النظر الإسلامية: كل النساء يرتدين البرقع، الخ· عثر هؤلاء الصحفيون في آخر الامر على ملهى ليلي سمح لهم بالدخول إليه دون آلة تصوير· كان في الداخل كحول، وبنات غير محجبات وهذا لا يفاجئني كثيرا واعتقد انه منذ ان تتولى الدولة ادارة الشؤون الدينية التي يجب ان تكون شخصية فلابد ان ينتشر النفاق وأظن ان الناس يتبعون العقيدة لان الشريعة تفرض ذلك ولكنهم يفعلون ذلك دون ان يكونوا دائما مقتنعين به إذا كنت لا تخاف الله بل تخاف سلطة دنيوية يكون اسهل عليك ان تتخلص منها إذا كنت بعيدا عن نظرها وفي هذه الحال لا يوجد ما يمنع المخالفة، اما إذا كنت تخاف الله فانك لا تستطيع الاختباء·
وتعود الاسئلة إلى الحياة اليومية في فرنسا وكيف يريانها، وتوجه الفتاتان انتقادات لبعض الممارسات العارية في الشوارع وتستهجنان علاقات الجنس الواحد، لكنهما في نفس الوقت تؤكدان مفهوم الحرية الشخصية حيث تسأل ايفا سؤالا: هل يعتقدان انه لو كانت لهما ابنة غير مؤمنة اعتنقت دينا آخر فهل سيتقبلان الأمر بسهولة؟
فتقول ألما: اذا كنت على يقين بانه في الاسلام توجد الحقيقة فانني اعتقد ان ابنتي لا تختار الطريق الصحيح، لكنني اتركها تمضي ومهما يكن من أمر، فنحن في الإسلام علينا واجبات منذ البداية تجاه أولادنا ان نعلمهم ما نعرف لكننا لسنا مسؤولين عن خياراتهم نحن نؤمن بأن الله يهدي القلوب ولذلك ليس لنا ان نستعين بالاكراه·
وتستمر الاسئلة الشيقة والاجابات المثيرة حول الصداقة بين الفتاة المسلمة والفتى في المجتمع الفرنسي والشذوذ والطلاق والزواج وتقدمان وثيقة وشهادة حية مهمة عن الاسلام لمجتمع يكاد لا يعرف عنه شيئا·

اقرأ أيضا