الاتحاد

دنيا

المونولوجيست ديب أبو شاله: المونولوج ضمير الناس


بيروت - غادة تميم:
بعلمي سوا تربينا··· تصافينا وتخاوينا
مبيّن صرت كبير كتير··· ما عدت تردّ علينا
كله من غدر الايام ··· ما بتخلّي الحر ينام
ضلّت فيك تشد طلوع ··· وتخلّي أمرك مسموع
لو بدنا نعمل مثلك ··· اغنى العالم صفّينا
على طريق رامز أبو ظهر، وشاعرالشعب عمرالزعني ، وتتكررالأسماء وتعدد الأشخاص، لكن عمر الزعني يقول المونولوجيست ديب ابو شاله الذي يتابع السير على منوال هؤلاء : كلمة مونولوج لم نعرفها في بيروت إلا بعد انتهاء الخلافة العثمانية، وقد جاءتنا مع الانتداب الفرنسي على بلادنا، وهي كلمة لاتينية تعني الأداء المنفرد ' مونو - لوج' كما تعني ' ديالوج ' الأداء الثنائي ' ديو - لوج ' ومن قام بأداء هذا النوع من الغناء لقّب بالمونولوجيست تماماً كما اشتق من كلمة فن 'آرت 'صفة ' ارتيست' أي فنان ، وهذا اللقب شمل كل الذين قاموا بأداء الأغنيات القصيرة الساخرة على المسرح بدون مشاركة من الآخرين، ولذلك فإنه كما دخلت أعمال شكسبير وأبسن وموليير وبرنارد شو إلى مسارحنا دخل المونولوج ، وقبله كانت خيمة كراكوز المشتقة من الكلمة التركية ' قره- قوز' التي كانت الدمية التي يحركها شخص على الخشبة من الخلف ويضمّن حواره نصاً انتقادياً اجتماعياً ساخراً ·
وعندما ابتدأ المونولوج في بلادنا اشتهرت به مجموعة من الفنانين كان منهم الياس المؤدب، ويقال إنه سوري الجنسية عاش في لبنان ثم انتقل إلى مصر حيث أدى المونولوج مع افلام اسماعيل ياسين، وعبد الله المدرس، وداود قرانوح ، ورامز ابو ظهر، ولكن فن المونولوج الذي ركز على الانتقاد الوطني والسياسي ابتدأ به الفنان عمر الزعني الذي عُرف بشاعر الشعب لأنه كان يؤلف ويلحن ويغني للتعبير عن سخط معيّن أو عن قضية معيّنة ضد الانتداب وضد السلطة· كما عرفنا في فن المونولوج الاجتماعي الفنان سامي الصيداوي الذي اعتمد الأغنية الانتقادية الشعبية التي يمكن ادراجها ضمن هذا الفن، وحتى أم كلثوم غنّت المونولوج مثل أغنية 'غنّيلي شوي شوي' ولحّن الفنان زكريا احمد ومحمد القصبجي بعض اعمال المونولوج·
تميزالزعني
لكن عمر الزعني تميّز عن الجميع لأنه كان يقدم أعماله في حفلات عامة ، ولوحده ، على المسارح ، أو قاعات السينما، وحفلاته لم يشاركه فيها أحد لا من المطربين ولا راقصات ، وكان شاعراً وطنياً يعتمد على الأغنية المونولوج ليحرك ضمائر الناس ضد تصرفات الاحتلال الفرنسي الذي لطّفوا تسميته فدعوه الانتداب ومع الايام ظهر شخص اسماه الشاعرسعيد عقل بظريف لبنان وهو الفنان نجيب حنكش، وكان مقدماً للبرامج الفنية اعتمد النكتة وتقديمها بأسلوب ظريف ثم المونولوج وهكذا من حيث لا يدري حول المونولوجيست إلى مقدم للبرامج ·
قبله كان عريف الاحتفال يلقي ما يشبه الخطاب بجدية وبالعربية الفصحى، أما هو فاعتمد في التقديم الطرفة ثم الأغنية البسيطة فاعتاد الناس على ان من يطلق النكات بين الفقرات الغنائية هو مونولوجيست، ومن مونولوجاته ' حاكيني عالتليفون ولوّ مرّة ··· دخيل الله كل يوم مرّة ' ، ومع ان هذا الأسلوب لا يدخل ضمن المونولوج، أي اطلاق النكات، فقد تحوّل الخطأ إلى واقع جديد فصارت الدعايات تذكر ان حفلة للفنانين فلان وفلان والراقصة فلانة يقدمها المونولوجيست فلان ، وكان على المونولوجيست ان يقطع وصلته المنفردة عدة مرات ليقدم في كل مرة فناناً أو يمهّد له·
وكما ذكرنا فإن فناني المونولوج أمثال الياس المؤدب الذي لعب التمثيل والمونولوج مع اسماعيل ياسين ونعيمة عاكف، ساهم في تحوّل السينما المصرية إلى استخدام فناني المونولوج في الافلام الكوميدية وكانوا يأتون بهم من كازينو بديعة مصابني، وقد عرفنا منهم اسماعيل ياسين وثريا حلمي ومحمود شكوكو وفكري الجيزاوي وغيرهم· وكان الفنان منهم يشارك بمونولوجاته في الاعمال الاستعراضية ومثلما تحوّل المونولوجيست إلى ممثل كوميدي في مصر تحوّلت لدينا فنانات مونولوج مثل الفنانة جاكلين إلى الغناء العادي ، كما تحوّلت المونولوجيست فريال كريم إلى ممثلة كوميدية ، كما عرفنا في لبنان المونولوجيست المصري خميس الذي قضى حياته في لبنان ·
تطور وتبدل
ومع الوقت تطور دور المونولوجيست في لبنان، من الحفلات العامة المنفردة مع عمر الزعني ، إلى الأداء في المسارح مع رامزابو ظهروداود قرانوح وعبد الله المدرس والياس المؤدب ، إلى الغناء في الإذاعة والتلحين كسامي الصيداوي، إلى تقديم المونولوج مع النكات في التلفزيون كنجيب حنكش، إلى ان دخل إلى فن المونولوج التقليد فعرفنا جورج حريق الذي كان يقلّد الآلات الموسيقية بصوته، ثم تقليد المطربات كباسم فغالي حالياً ولكن غاب المونولوج الأساسي الذي اشتهر به شاعر الشعب عمر الزعني وأنا أحاول جهدي ان استعيد هذا الدورقدر الإمكان ، واذكر هنا انه كانت هناك اعمال مونولوج يتيمة ظهرت خلال الحرب لزياد الرحباني فناننا الكبير الذي لحّن لجوزف صقر هذا النمط من الأغاني ، وسامي حواط الذي قدم بعض المونولوجات من خلال برنامج اذاعي اسمه ' شوية طراطيش ' وغسان الرحباني ·
تمثيليات المدرسة
بالنسبة لي فقد بدأت في عالم الفن في البيت أولاً فكنت اغتنم فرصة زيارة البعض لنا فأقوم بتقليدهم بعد خروجهم لأضحّك العائلة ، ثم صرت اشارك في تمثيليات المدرسة فأضمّنها أغان انتقادية، ولما وجدت ان هذه الهواية متمكنة مني درست المسرح ، ثم دخلت الكونسرفاتوارودرست النغمات والايقاعات والأورغ وصرت أؤلف وألحّن وأغني ولكن جاءت الحرب وكسرت أوحطمت كل طموحاتي فتوجهت للعمل الإذاعي فصرت أكتب برامج إذاعية انتقادية ساخرة وعمل معي ثلاثة أرباع نجوم التمثيل في تلك المرحلة مثل آمال عفيش ، وفيلمون وهبي ، وناديا حمدي ، وهند طاهر ، وآماليا ابي صالح ، وصرت أؤلف وألحّن فوازير رمضان ، فأقلب كلمات الأغاني المعروفة وآتي بنفس المطرب ليؤدي اغنياته بكلمات اكتبها من عندي ، إلى ان جاءني صاحب أحد الملاهي الليلية الراقية وطلب ان اعمل كمونولوجيست، اعترضت لأني غير معتاد على السهر، فدعاني إلى سهرة كتجربة واذكر يومها انني نمت طيلة فترة بعد الظهر لأنني خفت ان أغفو اثناء السهرة ، وهكذا قدمت أول سهرة كضيف فقدمت البرنامج الفني لمايز البياع ، وفريال كريم ، وراغب علامة ، وألقيت بعض النكات التي أحفظها ، ومن يومها بدأت تردني العروض ، فصرت أؤلف الاسكتشات والأغاني الانتقادية ·
في تلك المرحلة سجلت أول شريط كاسيت يتضمن اغنيات انتقادية مع بعض النكات واسميته ' اضحك دولياً ' فنجح ، فاتبعته بأشرطة ' اضحك بالقوة ' و' اضحك على كيفك ' و' دلعونا ديسكو ' واخيراً ' على شكلو شكشكلو' ، ولكنني توقفت عن اصدارالأشرطة بعدما تبين لي ان بعض الزملاء كانوا ينتظرون ظهور الكاسيت فيحفظونه غيباً ثم يقدمونه في الحفلات ويدعونه لأنفسهم ، أنا أحببت ان أسدّ ثغرة في هذا المجال في لبنان، على أساس ان إصدار مثل هذه الأشرطة في مصر أمر معتاد عليه ، لكن في لبنان كنت أول من أصدرمثل هذه الأشرطة عام ·1986
' زعنّيات '
الآن أحاول التركيز على المونولوجات، بعد ان تجولت كمونولوجيست في نصف الكرة الأرضية، فابتدأت ببرامج إذاعية منها ' زعنّيات ' الذي قدمت من خلاله أعمال شاعر الشعب عمر الزعني بصوته ومنها اغنية 'بدنا بحرية يا ريّس' التي اقتبسها الفنان محمد عبد الوهاب وأعطاها للشاعر ميشال طعمه فعدّل في كلماتها وادّعى عبد الوهاب أنها من ألحانه وقدمها للفنان وديع الصافي الذي غناها ' عندك بحرية يا ريّس ' وهذه الأغنية ألّفها عمر الزعني كأغنية انتقادية للرئيس شارل دباس اثناء الانتداب الفرنسي في الثلاثينيات، فيما عبد الوهاب قدّمها بعد خمسين عاماً وهي مسجلة وموجودة لدي بصوت عمر الزعني·
اذكر أيضا ان البعض انطلقوا في المونولوج مع التلفزيون وبداياته في لبنان كالفنان صلاح تيزاني الذي كان يضمن تمثيلياته بعض المونولوجات مثل 'مجلخ مجلخ ' وغيرها ، وحالياً هناك الفنان طوني مسعد الذي يحاول تقديم المونولوج· باب التنويع
قد تعاونت خلال سنوات الحرب مع الشاعر عبد الرحمن كريدية في اطلاق مجموعة من اغاني المونولوج ، مع اني اكتب وألحن وأغني أيضاً وذلك من باب التنويع ، ولكنني لم اكتف بالمونولوج بل كتبت ولحّنت العديد منم الأناشيد الدينية للشيخ مصطفى الجعفري وصدرت في اشرطة عنه·
ضمير الناس
ويبقى أن أقول ان فن المونولوج لم يأخذ حقه الكامل كفن إلا مع شاعر الشعب عمرالزعني ، ونحن نتمنى ان تعود لهذا الفن اصالته ودوره الوطني والاجتماعي يوماً لأن المونولوج الوطني والسياسي هو أفضل تعبير عن ضمير الناس وسخطهم وعدم رضاهم عن الواقع الذي يعيشونه ·

اقرأ أيضا