الاتحاد

دنيا

الآباء يخطئون والأبناء يمرضون


صلاح الحفناوي:
ما الذي يصيب الطفل عندما يبدأ الحياة المدرسية لأول مرة؟··· لماذا تطارده الأمراض كل يوم تقريبا حتى تتراجع صحته ويتعثر نموه ويفقد انطلاقه وحيويته؟· تساؤلات غريبة في توقيت طرحها، فقد انتصف العام الدراسي وأصبح الحديث عن أمراض بدايته ومتاعب أيامه الأولى سواء بالنسبة لأولياء الأمور أو بالنسبة للأبناء غير منطقي· ولكن الكثير من أولياء الأمور لهم رأي آخر ومنهم صاحب رسالة طويلة جدا يستغيث فيها من انهيار صحة طفله بعد سلسلة متواصلة من الأمراض المعدية الصعبة ما جعله يفكر جديا في منعه من الذهاب إلى المدرسة·
يقول صاحب الرسالة: على أيامنا لم نكن نسمع عن دور الحضانة ولا 'كيه جي وان' أو 'تو'، وكان أول عهدنا بالدراسة يبدأ بالصف الأولى الابتدائي في سن السادسة وأحيانا السابعة··· فلماذا أفرض على طفلي الصغير والوحيد والذي لم يتجاوز الشهر الرابع بعد عامه الثالث كل هذه المعاناة التي لا تتوقف مع المرض·
بعد أسبوع من التحاق الطفل الصغير بدار الحضانة لأول مرة أصيب بالتهاب حاد في اللوزتين، وتم استدعاء ولي أمره إلى المدرسة بعد أن ارتفعت حرارة الطفل بشكل كبير ولم يعد قادرا على الوقوف، وبالفعل تم تشخيص إصابته بالتهاب اللوزتين ووصف له الطبيب المعالج نوعين من المضاد الحيوي الأول حقنة واحدة لتخفيف حدة الأعراض بسبب تأخر العلاج كما أكد الطبيب، والثاني شراب لمدة 8 أيام· تغيب الطفل عن المدرسة أسبوعا كاملا، ولم ينتظم فيها سوى خمسة أيام ليصاب بارتفاع شديد في الحرارة مرة أخرى بسبب أنفلوانزا حادة، ومرة أخرى اخضع للعلاج بالمضادات الحيوية ومنع عن الذهاب إلى المدرسة··· وتكرر ذلك مرات ومرات، ربما كان أصعبها عندما أصيب الطفل المسكين بنزلة معوية حادة وتم إدخاله إلى القسم الداخلي بالمستشفى للعلاج المكثف بالمحاليل والمغذيات، وعلمنا انه أصيب بفيروس وان الإصابة كانت شديدة وحالته كانت خطيرة· وباختصار وبعد مرور حوالي 5 اشهر من العام الدراسي لم ينتظم الطفل الصغير في المدرسة أكثر من شهرين وأمضى باقي المدة في العلاج من الإنفلوانزا والتهاب اللوزتين والإسهال والنزلات المعوية··· يتساءل صاحب الرسالة: هل هذا معقول وهل كل الأطفال يعيشون هذه المعاناة، وأين يكمن الخلل؟·
هجوم فيروسي
خلال الأيام القليلة الماضية عاش الكثيرون من أولياء الأمور معاناة إصابة أطفالهم بعدوى الفيروس الذي أصبح شهيرا 'روتا فيروس'، والذي يسبب نزلة معوية حادة وخطيرة، ومع بداية فصل الشتاء الإماراتي الدافئ انتشرت الإصابة بالأنفلوانزا الحادة بين الأطفال الصغار فيما تعاني أعداد كبيرة منهم من متاعب الالتهابات المتكررة في اللوزتين··· كيف نحمي أطفالنا من هذه السلسلة من الأمراض والتي تتابع وتتوالى على فترات متقاربة لتنهك صحتهم؟··· طرحنا السؤال على الأستاذ الدكتور علي هنداوي مستشار طب الأطفال في منظمة الصحة العالمية ومدير مركز الهنداوي الطبي بأبوظبي·
في البداية يؤكد الدكتور علي هنداوي أن الإسهال الشديد أو النزلات المعوية والتهابات الجهاز التنفسي السفلي أو الالتهابات الشعبية والرئوية وهي من المضاعفات المحتملة للإصابة الحادة بفيروس الأنفلوانزا يصنفان ضمن اخطر 6 أمراض تهدد حياة الأطفال دون سن الخامسة وفقا لتقرير منظمة الصحة العالمية حول صحة العالم العام الماضي··· والتهابات الحلق واللوزتين لا تقل خطورة عن أمراض الإسهال والجفاف والالتهابات التنفسية حيث يؤدي علاجها بشكل خاطئ إلى إصابة الطفل بالحمى الروماتيزمية التي تؤثر على سلامة القلب· وتكرار إصابة الطفل بهذه الأمراض على فترات متقاربة يؤدي إلى إصابته بالإجهاد ويضعف صحته بشكل عام ويقلل مقاومته ويؤثر على نموه·
الحصاد المر
ومن واقع الخبرة العملية فإن تكرار إصابة الأطفال الصغار في مستهل حياتهم المدرسية يرجع في جانب كبير منه إلى أخطاء أولياء الأمور، أي أن فلذات أكبادنا يجنون حصاد تصرفات الآباء··· وفي مقدمة هذه الأخطاء إصرار الكثير من أولياء الأمور على إرسال أطفالهم إلى دور الحضانة في سن صغيرة تقل أحيانا عن العامين بالنسبة لمرحلة ما قبل سن الدراسة وفي سن ثلاث سنوات بالنسبة للسنة الأولى من الرياض والتي تعرف بـ 'كي جي ···'1 وفي هذه السن المبكرة تكون القدرات المناعية للطفل غير مكتملة، ولأنه يجد نفسه فجأة محروما من نطاقه الأسري الحافل بالدفء والطمأنينة ولا يفهم سبب دفعه إلى الانخراط في مجتمع جديد لا يوفر له ما اعتاده من اهتمام ورعاية، فإن حالته النفسية في الكثير من الحالات تتدهور، وهو ما يؤثر على شهيته وعلى مجمل حالته الصحية·
والخطأ الثاني والاهم هو أن الكثير من أولياء الأمور يرفضون فكرة منح أطفالهم إجازة عند تعرضهم لإصابة بمرض معد أو يؤخرون الإجازة حتى تتفاقم حالته ويصبح غير قادر على الذهاب للمدرسة، وهو ما يؤدي إلى نشر عدوى الأمراض المعدية بين جميع أطفال الحضانة، وتكرار العدوى بالأمراض المعدية يؤكد هذه الحقيقة·
والخطأ الثالث الذي يقع فيه أولياء الأمور هو إهمال تغذية الطفل، فنجد أن معظم الأطفال يغادرون بيوتهم دون تناول وجبة الإفطار ونسبة كبيرة منهم يحملون معهم إلى دار الحضانة أغذية معلبة ومحفوظة وأغلبهم لا يتناول أي طعام صحي طوال الأسبوع المدرسي وهو ما يؤدي إلى الإصابة بمشاكل سوء التغذية وفي مقدمتها الأنيميا وضعف النمو ويؤدي كذلك إلى ضعف مقاومة الطفل للأمراض المعدية·
التهابات متكررة
يضيف الدكتور هنداوي أن هذه الحقائق يمكن تطبيقها على كل المشاكل الصحية التي يعاني منها الأطفال الصغار عندما ندفعهم مبكرا إلى الخروج من نطاق البيت حيث السيطرة على عوامل الوقاية من الأمراض إلى المدرسة أو الحضانة حيث المجتمع المفتوح الذي يصعب تطبيق قواعد الوقاية عليه بشكل صارم وفعال، وعلى سبيل المثال تكثر الإصابة بالتهاب اللوزتين نتيجة تواجد الطفل في محيط مزدحم، حيث يتجمع عدد كبير نسبيا من الأطفال في حجرة الفصل الواحدة أو في فناء المدرسة، وهو ما يمثل بيئة مناسبة لانتقال العدوى· وتكمن خطورة الالتهاب المتكرر للوزتين في انه يمكن أن يؤدي إلى التهاب الأذن الوسطى، والعلاج الخاطئ يمكن أن يعرض الطفل إلى الإصابة بالحمى الروماتيزمية والتي يمكن بدورها أن تؤثر على القلب·
ومن الحقائق المؤلمة انه في الوقت الذي انحسرت فيه تماما الإصابة بالحمى الروماتيزمية في جميع الدول المتقدمة، لا تزال معدلات الإصابة بها مرتفعة جدا في المجتمعات العربية بسبب إهمال علاج التهابات اللوزتين أو علاجها بشكل خاطئ·
ومن أكثر أخطاء علاج التهاب اللوزتين شيوعا، تكرار مضاد حيوي سبق استعماله خلال نوبة إصابة سابقة· حيث نلاحظ أن بعض أولياء الأمور يشترون النوع الذي يعرفونه من المضادات الحيوية لعلاج الطفل كلما أصيب بالتهاب اللوزتين، وهذا خطأ كبير لان حساسية الأنواع المختلفة من البكتريا للمضادات الحيوية تختلف، ولان المضاد الحيوي الذي يكون فعالا في علاج إحدى نوبات الإصابة بالتهاب اللوزتين قد لا يكون كذلك في النوبة الثانية·
توقف مرفوض
والخطأ الثاني الشائع والأكثر خطورة، هو عدم إكمال البرنامج العلاجي الموصوف بواسطة الطبيب· فالبعض يتوقف عن إعطاء الطفل المصاب بالتهاب اللوزتين المضاد الحيوي بمجرد تحسن حالته اعتقادا بأنه قد شفي، أو بسبب المخاوف الشائعة من مضاعفات استخدام المضادات الحيوية، وتكمن خطورة هذا التصرف في أن عدم إكمال برنامج المضاد الحيوي الموصوف للطفل يجعل شفاءه غير كامل ومن ثم يتعرض لنوبة التهابية جديدة خلال فترة قصيرة، وبما أن المضاد الحيوي لم يقض تماما على البكتريا المسببة للالتهاب، فانها تكتسب القدرة على مقاومة النوع المستخدم من المضاد الحيوي· فإذا ما تعرض الطفل لنوبة التهاب تالية يصبح هذا النوع عديم الفاعلية في علاجه· وبتكرار ذلك تصبح البكتريا المسببة للالتهاب اللوزتين مقاومة لمعظم أنواع المضادات الحيوية المعروفة، ويصبح العلاج شديد الصعوبة·

اقرأ أيضا