الاتحاد

منوعات

حاملُ القلم

الاتحاد

الاتحاد

ليس «حامل الهوى» وحده التعِبُ «بل إن الأشقى منه حامل القلمِ» فهو شقيٌ بما يكتب، ومثقلٌ بما لم يكتب، يحطّ رحاله عند مرافئ الكلمات بحثاً عن طائره الميمون، ينتظر الريح ليُطلق أجنحة الحلم باتجاه الفضاء، فضاؤه وحده الذي يعرفه، وذاك الأزرق المتماهي ورقته الأخيرة الأثيرة الوارفةِ العطاء.
صاحب القلم أيُ همٍ يختبئ بين ضلوعه، أيٌ وجعٍ ينزّ من أطرافه حينما يمتشق المدى ويحتضن الريح، كيف لهذا الإعياء أن يُعطله، كيف لهذا القلب أن تخبو رقصاته، كيف لهذا الفجر ألا يشرق، وكيف له أن يكتب كلمته الأخيرة، وما أدراه بأنها الأخيرة، وما أدرانا؟ يترك القلم بحثاً عن محبرة الوقت، اعتاد الكتابة بالأزرق، قصيدته سماء، أطراف حروفه حكايات لا تنتهي، سربه وطنٌ لا يتوقف عن التحليق، أصدقاؤه صوته الطالع نحو الضوء، رسالته الإنسان أينما حلّ وكان، فكيف به لا يكون صاحب شقاء، متعبٌ هو بما يمكن وما لا يُمكن أن يُقال، وذاك اللايمكن نصلٌ ينتصب في روحه حتى الفناء.
صاحب القلم ها قد رحل، دون أن يخبرنا بأنه قد خطّ كلمته الأخيرة في الساعة الأخيرة للغياب، تأبط همّه حتى عطّل قلبه، كنّا ننتظر صوته المزدحم بالكلمات في زاويته الحادةِ المّادة ِبساط الحب للوطن، الذاهبة نحو الأعمق من الوفاء، ومن دهاء الكلمات، ها قد ترجّل فارس الكلمة وقد أحكم وثاق صوته دواوين شعر ٍ تفتح للأمجاد باباً، وتزرع للقلوب واحة من محبة وسلام.
القلم الذي صاغ أعذب البوح رحل، تركنا وحدنا نستدعيه كلما حان موعد ٌ للقاء أدبي يجمعنا معه، ذاك الرجل المكتنز بالأفكار وبالتطلعات، ذاك المسكون بعروبته، وبفلسطينه، وقبلها وطنه، الأستاذ الذي انداحت له الحروف، القلب الكبير الذي لا يعرف القسوة، لكنه يغضب عند الحق، وينافح عن رأيه حتى يستقيم الكلام.
حبيب الصايغ، لن يصوغ حباً بعد اليوم، فقد ذهب الصائغ وبضاعته الثمينة لم يكتمل نصابها، كنّا بانتظار المزيد من تشكيل الكلمات، ونقش الماء على وتر.
رحل صديقنا ذو اللحية البيضاء الكثّةِ المخضبة بالشعر، ذاك الذي حين يخطو نحو الكتاب يأتيه بحب، يداه ملفوفتان إلى ظهره كأنه يتسلل برفق وحنو ٍ كي لا يزعج الكلمات بخطواته الوئيدة، بحنوٍ يمضي وإن كان فكره يركض نحو المستقبل بثقةٍ غادرتنا قبل أوانها.
ستفتقدك الأمسيات والندوات والاجتماعات ومعارض الكتب، سنفتقد إصرارك، حبك، عطفك، وفاءك، تشجيعك، تشبثك بالحياة، إمساكك بالردى الذي فلت من عقاله من بين يديك فأخذك بعيداً هناك حيث لا حلمَ بعد اليوم، ولا قلم، حبيب الوطن عزاؤنا أنك بيننا أخ، صديق، معلم، ديوان َشعرٍ وكلمات ستبقى ضوءاً يُجلي العتمة، رحمك الله أستاذنا الكبير.

اقرأ أيضا

«حمدان للتصوير» تنشر صور «الحصاد» الفائزة