الاتحاد

الاقتصادي

الاقتصاد الأميركي حائر بين واشنطن ونيويورك


نيويورك - أحمد كامل:
كان من المتوقع أن يطلب الرئيس جورج بوش من قادة الحزب الجمهوري في الكونجرس التركيز على الأوضاع الاقتصادية الجيدة التي تمر بها الولايات المتحدة الآن في مواجهة المخاوف من تراجع شعبية الإدارة ومن احتمالات انعكاس ذلك سلباً على أداء مرشحي الحزب في الانتخابات النصفية للمجلس التشريعي في نوفمبر المقبل· ذلك ان الاقتصاد الأميركي يبلى الآن بالفعل بلاء حسناً على كل الأصعدة تقريباً، عدا صعيد العجز المزمن في الميزان التجاري·
ويبعث ذلك على التفاؤل في نيويورك، إلا ان حسابات واشنطن تأخذ مساراً مختلفاً، إذ أنها تدرس انعكاسات الأداء الاقتصادي على أصوات الناخبين ومدى الدعم السياسي الذي سيقدمونه لهذا المرشح أو ذاك، وهو دعم لا يستند فقط الى الأسباب الاقتصادية· أما نيويورك فإن حساباتها من الألف الى الياء تعتمد على رقم واحد: معدلات الربح الحالية والمتوقعة، ومن ثم فإنها تعني قبل كل شيء بتأثير السياسة على الاقتصاد وليس العكس·
فكيف تتناول نيويورك الآن مؤشرات الاقتصاد المتوقعة؟ ثمة شعور عام بالتفاؤل، الا أنه تفاؤل يشوبه بعض الحذر· ويرجع هذا الحذر الى عدد من الملفات المفتوحة الآن دون حسم واضح على المائدة المالية للولايات المتحدة إن جاز التعبير·
اول هذه الملفات يتعلق بالنقاش الدائر - دون نتيجة حتى الآن - حول السياسة التي ينبغي اتباعها لتحديد أسعار الفائدة: ويتلخص الخلاف عند تناول هذا الملف في المواجهة بين منطقين، الأول هو منطق الحاكم السابق للاحتياطي الفيدرالي آلان جرينسبان الذي رفض السياسة الأوروبية بوضع سقف مسبق لنسبة التضخم - وهو 2% في حالة المصرف المركزي الأوروبي - وتحريك كل المفاتيح المالية الأخرى للإبقاء على التضخم عند هذه النقطة·
أما الحاكم الجديد للاحتياطي الفيدرالي بن برنانكي فإنه يرى أن اللحظة قد حانت لتقليد الأوروبيين والبريطانيين أيضاً الذين أبقوا على مصرفهم المركزي ولكنهم طبقوا في الوقت ذاته السياسة الأوروبية في هذا المجال· ويلقى هذا المنطق استحساناً لدى بعض الدوائر المالية الأميركية المؤثرة، إذ أنه يتيح لها إجراء حساباتها المستقبلية على ضوء توقعات مضمونة مسبقاً من الاحتياطي الفيدرالي، أي بوضوح ودون مفاجآت·
أما جرينسبان - الذي لقي دعماً من بعض أعضاء الكونجرس المؤثرين أيضاً، فإنه رفض أن يتخلى عن ورقة مهمة تساعد على ضبط الأداء المالي على إجماله· وتلخص منطق الحاكم السابق في أن جعل التضخم عنصراً ناظماً لكل المؤشرات الأخرى يؤدي الى حرمان الاحتياطي الفيدرالي والوضع المالي من أي هامش للمرونة، وانه بالتالي قد يؤثر سلباً على موشرات مهمة أخرى مثل إنعاش الاستهلاك أو خفضه، وزيادة البطالة أو خفضها حسبما تقتضي اعتبارات النمو·
والواضح أن الفارق بين المنطقين يتركز في مسألة أساسية هي علاقة السياسة بالاقتصاد· ففي أوروبا الموحدة اتفق المؤسسون على الفصل بين الأمرين بسبب تباين الحكومات واختلاف الأحزاب التي تتوالى على تشكيلها في الدول الأعضاء· إذ أن 'فتح الباب' بين القرارات المالية والحكومات المختلفة التي لا تستقر في جعبة حزب واحد سيؤدي الى تقلبات لا نهاية لها· لذا كان من السهل الاتفاق على إغلاق الباب وتحديد سقف مقبول من الاقتصاديين والماليين في الدول الأعضاء لنسبة التضخم، واعتبار هذا السقف هو الناظم لكافة الأمور الأخرى، حتى لو أدى الى زيادة البطالة في بلد ما وهدد الحزب الذي يؤلف وزارتها، أو أدى الى تباطؤ نسبي؟ في بلد آخر ليدعم معارضي الحزب الحاكم فيها·
غير أن هذا 'العمى السياسي' الذي اختارته المؤسسات المالية لأوروبا الموحدة تحت ضغط استحالة النظر الى خصائص وضغوط المؤسسات السياسية في كل الدول الأعضاء في نفس الوقت ليس موجوداً بعد في الولايات المتحدة بميراثها المركزي القديم نسبياً· ويعني ذلك ان الإدارات المتعاقبة تريد الاحتفاظ بالباب مفتوحا، أو موارباً في أسوأ الأحوال - بينها وبين البنك المركزي، أو بالأحرى الاحتياطي الفيدرالي في هذه الحالة· إذ يتح ذلك استشارة الاحتياطي الفيدرالي قبل اتخاذ قرارات مالية مؤثرة مثل خفض الضرائب أو زيادة الإنفاق في مجال معين· فإذا كانت الإدارة تريد مساعدة الاحتياطي الفيدرالي على خفض نسبة الفائدة مثلاً حتى ينتعش الاقتصاد ومن ثم ينتعش وضعها في صفوف ناخبيها فإنها تسأل: هل لو فعلنا كذا أو كيت سيؤدي ذلك الى خفض نسبة الفائدة؟ ويقدم الاحتياطي الفيدرالي رده، ويصبح بوسع الإدارة أن تدفع بالأمور برفق في اتجاه حمل القائمين على الاحتياطي الفيدرالي على اتخاذ القرار الذي تريده· والخلاف بين منطق السقف واللاسقف لنسبة التضخم خلاف قديم، إلا أنه عاد الى الواجهة مع تولي برنانكي مسؤولية الاحتياطي الفيدرالي، إذ أن هذا الأستاذ القديم في جامعة برنستون العريقة الذي لم يدخل الى 'قلعة' الاحتياطي الفيدرالي إلا في يونيو الماضي يحمل منذ زمن نظرية السقف في جيبه· وهو يعلم بطبيعة الحال ان سلفه الشهير كان يعارض هذه النظرية كلما فتح النقاش حولها، إلا أن من يمسك بالدفة الآن هو مدافع قديم عن السقف بحكم أنه سيساعد كثيراً المؤسسات المالية والاقتصادية على تحقيق قدر أكبر من الاستقرار بما سيتيحه لها من وضوح حول المستقبل· وفي كل الأحوال فإن هذا الملف فتح الآن على مصراعيه، إذ لا تزال واشنطن متحمسة لمنطق جرينسبان برفض وضع سقف للتضخم، فيما تبدي نيويورك حماساً موازياً لمنطق برنانكي رغم أن النقاش لا يزال في مراحله الأولى·

اقرأ أيضا

"موديز" ترفع تصنيف الاقتصاد المصري وتشيد بالإصلاحات