الاتحاد

دنيا

الجزائريون يحتفلون بحلول سنة 2961 أمازيغي

شرع ملايين الجزائريين منذ ليلة 12 يناير الجاري في الاحتفال بـ”ينّاير” أي حلول السنة الأمازيغية الجديدة 2961، وتدوم الاحتفالات أياماً عديدة يحيون خلالها عادات وطقوساً توارثوها أباً عن جد منذ نحو ثلاثين قرناً ويجددون بها تمسكهم بجذورهم ووفاءَهم لموروثهم الثقافي والحضاري العريق.

يحتفل الجزائريون كل سنة بشهر يناير تخليداً لذكرى انتصار الملك الأمازيغي شاشناق على الفراعنة في معركة كبيرة دارت على مشارف النيل يوم 12 يناير 950 قبل الميلاد، واتخذ شاشناق ذلك الانتصار بداية للتقويم الأمازيغي الذي يسبق التقويم الميلادي بـ950 عاماً، ومنذ ذلك الوقت إلى الآن والأمازيغ يحتفلون بالمناسبة كل سنة بعادات وطقوس خاصة.
الارتباط بالأرض
يقول الباحث في التاريخ أرزقي فرَّاد إن “الرواية الخاصة بانتصار شاشناق معروفة تاريخياً، وقد ذكرتها مصادر تاريخية عبرية أيضاً، أما الدليل الدامغ عليها فنجده على نقوش مسلاَّت وأعمدة معبد الكرنك بمدينة الأقصر المصرية، حيث أرَّخت للمعركة وذكرت تفاصيل انتصار شاشناق على الفرعون رمسيس وتأسيسه بعد ذلك الأسرةَ الفرعونية الثالثة والعشرين، ليحكم الأمازيغُ مصر وشمال إفريقيا من خلالها ردحاً من الزمن”.
ويضيف “تبدأ السنة الأمازيغية رسمياً بـ”ينَّاير”، وهي كلمة أمازيغية تتكون من شقين وتعني “أوَّل الأشهر” ويقول فرَّاد عنها إنها “مطلعُ السنة الفلاحية، وهي رزنامة فلاحية، لأنها الأساس في حياة الأجداد، وتعكس مدى ارتباطهم بالأرض وخيراتها، وقد ارتبطت في الذاكرة الجماعية بالملك شاشناق”.
أشهى الأطباق
وتختلف طريقة الاحتفال بالسنة الأمازيغية الجديدة 2961، من منطقة أمازيغية إلى أخرى بالجزائر ولكنها تتفق جميعاً على تحضير أشهى الأطباق وتنويع المأكولات للدلالة على الأمل بعام فلاحي خصب؛ وفي منطقة القبائل وسط الجزائر يتم تحضير أطباق شعبية. إلى ذلك، يقول مجيد سي أعْمر، متقاعد، إن “الطبق الرئيس في ينّاير بمنطقة القبائل هو الكسكس بلحم الديك أو الدجاج ومجموعة خضر متنوعة لا يقل عددُها عن سبعة، تيمناً بسنة فلاحية وفيرة الإنتاج”. ويضيف “يتبادل الجميعُ بعدها عبارة “أسُقَّاس أمَقَّاس” وتعني “سنة سعيدة”. ويذكر فرَّاد أن من طقوس منطقة القبائل في هذه الليلة “جلبُ أعشاب خضراء من غابة قريبة ورميها على سطوح المنازل، وكذلك كسر حبات رُمان على المحراث، كله تيمناً بسنة فلاحية خضراء وفيرة الإنتاج”.
تتميز غرداية، جنوب غرب الجزائر، هي الأخرى بطقوسها. إلى ذلك، يقول أحد أبناء المنطقة قدور بن الجيلالي “يقوم الجميع بعد تناول العشاء إلى الصلاة ثم قراءة الفاتحة والتضرع إلى الله بأن يجعل هذه السنة غزيرة الأمطار. ويتمنى الجميع سنة فلاحية خصبة، وتتميز احتفالات السكان أيضاً بتحضير مجموعة أطباق محلية، أهمها رغيفٌ يُطهى على البخار، ويشترط أن تكون ألوان مكوِّناته كلها بيضاء اللون فقط كالسكر والدقيق والحليب والسمن، حتى تكون السنة سنة سلم وأمن وصفاء، وجرت العادة بهذه المناسبة أيضاً تغيير أثاث البيت وأواني الطبخ وكذا الموقد التقليدي المعروف باسم “الكانون” حتى تتجدد حياة السكان نحو الأفضل”.
أكلة بيضاء اللون
وفي منطقة الشرق الجزائري يحتفل السكان بالسنة الأمازيغية الجديدة عبر تحضير مجموعة أكلات تقليدية أمازيغية وأشهرها “الكسكس” و”البركوكس” و”الرفيس” و”تيغريفين” وتمتد الاحتفالات من قسنطينة إلى تبسة وبرج بوعريريج وسطيف ومنطقة “الشاوية” الأمازيغية. كما تمتد جنوباً إلى الصحراء الجزائرية حيث يحيي “الطوارق” الأمازيغ المناسبة باحتفالات خاصة تدوم أياماً ضمن مهرجان كبير يُسمى “مهرجان الأهقار”.
“إيراد” وشاشناق
في الغرب الجزائري، يستقطب المهرجان السنوي الذي يقيمه سكان “بني سنوس” بتلمسان، بالمناسبة انتباه الجميع نظراً لعراقته وخصوصيته، حيث يقوم سكان المنطقة الصغيرة بالخروج جماعياً إلى الشارع لإقامة مهرجان كبير يسمونه “إيراد” أي الأسد بالأمازيغية، يسير فيه المئات وهم يرتدون أقنعة عند حلول ليلة 12 يناير، ويحيطون بشخص يرتدي زي أسد، ويسير الجميع في الشوارع على وقع دقات الطبول وترديد أهازيج الفرح بالسنة الجديدة والتطلع إلى موسم فلاحي خصب، كما تتوسط المشاركين امرأةٌ ترمز إلى اللبؤة، ويقوم “إيراد” أو الأسد بإبعاد مختلف العوائق عنها بعصاه، حتى يفسح لها المجال، وفي ذلك رمز لمكافحة مختلف العراقيل التي تحول دون الرفاهية والخصوبة. وأثناء ذلك، يقوم معاونو “إيراد” وهم “أشباله” بجمع مختلف المواد الغذائية من السكان وإعادة توزيعها فيما بعد على الفقراء.
وتقوم النساء في بيوت “بني سنوس” بتحضير مجموعة من الأكلات الشهيرة بالمناسبة، ومنها “البركوكس” و”المسمَّن” و”السفنج” اضافة إلى تحضير خبزات صغيرات بعدد أطفال كل عائلة. وهذا المهرجان ضارب في عمق التاريخ ويُعتقد أن “شاشناق” هو الذي سنَّه قبل 2961 سنة احتفالاً بنصره، كما يقول سكان بني سنوس أن رحى المعركة بين أجدادهم والفراعنة دارت في هذه المنطقة أولاً قبل أن يتم دحرُهم ومطاردتهم إلى مشارف النيل.
رمزٌ للهوية
عن غنى هذه العادات الاجتماعية ودلالاتها الثقافية، يقول محمد أقرور، أستاذ التاريخ بجامعة بجاية الأمازيغية “يناير هو رمزٌ راسخ من رموز الهوية الأمازيغية، ومع أن تقاليد الاحتفال به تختلف من منطقة إلى أخرى في الجزائر، فإننا شعب واحدٌ في النهاية ونحتفل به جميعاً بغض النظر عن الطريقة أو اختلاف الطقوس”.
أما فرَّاد فيؤكد أن الاحتفالات بـ”ينَّاير” لا تقتصر على الأمازيغ فقط، بل تشمل أغلب سكان شمال إفريقيا، ويضرب أرزقي مثلاً بسكان ولايتي قسنطينة وتلمسان الذين لم يعودوا يتحدثون الأمازيغية تماماً، بل العربية فقط، ومع ذلك فهم أوفياء لأصولهم الأمازيغية وهم من أشدِّ الناس حرصاً على الاحتفال بالمناسبة كل سنة.
عيد وطني
ويأمل الأمازيغ أن تستجيب السلطات لمطلبهم باعتماد “ينَّاير” عيداً وطنياً وعطلة مدفوعة الأجر، على غرار باقي الأعياد الوطنية والعالمية والدينية، ويُحتمل أن تستجيب السلطات لهذا المطلب في السنوات القليلة المقبلة، ويتجلى ذلك من خلال اعتماد المرونة مع الموظفين والطلبة الأمازيغ الذين يتغيبون عن مناصبهم أو مقاعد دراستهم في هذا اليوم الذي يعتبرونه “عطلة مدفوعة الأجر” من تلقاء أنفسهم، دون أن تعرِّض أيا منهم للمساءلة أو الخصم من الأجر بالنسبة للعمال والموظفين.

اقرأ أيضا