الاتحاد

الاقتصادي

الشركات الآسيوية تشعل معركة البيزنس الرقمي

إعداد- عدنان عضيمة:
مثلت التوقعات المتعلقة بمستقبل صناعة وتجارة الأجهزة اللاسلكية المحمولة المحور الرئيسي للمناقشات والمناظرات التي دارت في 'مؤتمر الجيل الثالث للموبايل' الذي افتتح في برشلونة في 13 فبراير الحالي واختتم أعماله أمس الخميس وشارك فيه 40 ألف مدعو وخبير· وسجلت كبريات الشركات العالمية العاملة في حقل صناعة وتشغيل أنظمة الموبايل حضورها القوي فيه، وبلغ عددها أكثر من ألف شركة ومنها فودافون وأورانج وأو2 ونوكيا وألكاتيل وموتورولا بالإضافة لعدد من الشركات الناشئة الصاعدة بقوة في شرقي آسيا·
ويعد هذا المؤتمر الحدث السنوي الأكثر أهمية في مجال تدارس تطور صناعة الموبايل وتطبيقاته المتزايدة وخدماته في العالم أجمع، حيث نظمت على هامشه الكثير من الندوات والمعارض والمؤتمرات الصحفية والمحاضرات· وبالرغم من أنه ينعقد في أوروبا فقط، إلا أنه أصبح حدثاً عالمياً· وانعقدت دورة العام الجاري لأول مرة في مدينة برشلونة الإسبانية فيما كانت تنظم سابقاً في فرنسا· وكانت من أكثر الدورات ضخامة ونشاطاً· وشارك في فعالياتها كبار الخبراء العالميين في تشغيل أنظمة الموبايل والمدراء التنفيذيون للشركات المتخصصة بصناعة أجهزة الجيل الثالث للموبايل وتوابعه من الأجهزة المندمجة كالتلفزيون المنقول ومحركات البحث ومشغلات الموسيقى·
وتجمع كافة التقارير على وجود الكثير من القرائن والمؤشرات التي تؤكد أن أوراق لعبة الأسواق سوف تختلط على عمالقة السوق عقب الظهور القوي لشركات آسيوية ناشئة وصفت بأنها ذات 'أنياب حادّة'·
وتحاول معظم الشركات الكبرى في هذا الاختصاص تغيير سياساتها واستراتيجياتها من أجل تدارك الموقف· ومن ذلك مثلاً ما أعلنته شركة موتورولا من أنها تعتزم تصنيع أجهزة موبايل بسعر 40 دولارا فقط للجهاز الواحد تحت شعار 'التعاقد مع مليار عميل جديد'· وبالفعل ارتفع عدد المشتركين في خدمات الموبايل بنظام 'جي إس إم' الى ما يزيد على ملياري شخص، وسط تزايد الآمال بأن يقفز هذا الرقم الى ثلاثة مليارات شخص بحلول عام ·2008 وكان نصيب أسواق دول العالم الثالث من هذه التطورات كبيراً حيث أعلنت شركة اوراسكوم المصرية للاتصالات التي تنفذ مشاريع في أفريقيا والشرق الأوسط انها حققت نمواً في معدل الاشتراكات بلغ 152% في الجزائر و269% في العراق و903% في بنجلاديش· ورغم هذه الآفاق الواعدة فإن الخبراء يحذرون من أن ربط مستقبل الصناعة الرقمية بالأسواق الناشئة ينطوي على مخاطر جمة·
وبالرغم من أن العديد من المحللين يعتقدون أن أجهزة الكمبيوتر المحمول التي ينتظر طرحها في الأسواق العالمية بسعر 100 دولار فقط سوف تمهد الطريق لإعطاء العالم النامي فرصة التعرف على تكنولوجيا الاتصالات والمعلومات التي تتمتع بها الدول المتقدمة، فان أنصار الهواتف المحمولة يرون ان الحل الفعّال يكمن في تخفيض أسعار أجهزة الموبايل أكثر وأكثر، لأن سعر 100 دولار للجهاز الواحد يعد مبلغاً مرتفعاً جداً بالنسبة لحوالي 2,5 مليار شخص ممن يعيشون على دخل يقل عن دولارين في اليوم·
ولا شك أن صناعة أجهزة تكنولوجيا الجيل الثالث للموبايل، بما تضمه من مئات الخدمات المتقدمة التي تتصل بصلب حياتنا اليومية، أصبحت تمثل اقتصاداً قائماً بذاته تقدّر عوائده العالمية الأولى بمئات المليارات من الدولارات· فماذا حول هذا 'البيزنس' الجديد؟·
كانت صناعة الهواتف المتنقلة حتى وقت قريب شبه محتكرة من شركات عرف عنها طول اليد مثل نوكيا وإريكسون وموتورولا، التي سيطرت على هذه الصناعة التي تقدر عوائدها السنوية ببضع مئات المليارات من الدولارات بعد أن أسست لنفسها ما يعرف باسم 'نادي النخبة'· وكتب لهذه الشركات القوية أن تفرض إيقاعها السريع على الأسواق من خلال تقصير دورات المنتج وإطلاق الأجهزة الجديدة من الهواتف المتنقلة حتى قبل أن يستوعب الزبائن خصائص وميزات الأجهزة التي سبقتها إلا أن الكثير من القرائن والمعطيات الجديدة التي ظهرت في الأسواق مؤخراً أصبحت تشير بقوة إلى أن عهود الرخاء هذه يبدو أنها لن تطول كثيراً· فلقد ظهرت مؤخراً مجموعة كبيرة من اللاعبين الأقوياء في هذا الميدان وخاصة في الصين وتايوان وكوريا الجنوبية· ولا يشك الخبراء المتابعون للأسواق في أن يشكل هؤلاء قوة منافسة لا يستهان بها لنادي النخبة· وبالرغم من أن شركات ناشئة مثل 'إتش سي سي' و'بينك' ليست في مستوى نوكيا أو فودافون، إلا أنها تحرز من النجاح والتقدم في هذه الصناعة ما أثار دهشة الخبراء·
وجاء في تقرير نشرته 'فايننشيال تايمز' أن هذا التحول إلى الشرق لمركز ثقل صناعة الموبايل كتب له أن يبرز بقوة خلال 'المؤتمر العالمي للجيل الثالث للأجهزة المنقولة' الذي اختتم فعالياته في مدينة برشلونة الأسبانية أمس الخميس وشارك فيه 40 ألف خبير· وللمرة الأولى في تاريخ هذا المؤتمر، شارك فيه وانج جيانزهاو المدير العام التنفيذي لشركة 'تشاينا موبايل' الصينية إلى جانب آرون سارين المدير العام لشركة فودافون وإيد زاندير المدير العام لشركة موتورولا·
لاعبون جدد
وبدا للمراقبين وكأن القرار الذي اتخذه وانج بالمشاركة في هذا الحدث يعد محاولة من شركة 'تشاينا موبايل' لتلميع صورتها أمام المشاهدين والمستمعين الذين تابعوا جلسات المؤتمر إلى جانب صناع الموبايل والمساهمين والمشاركين في هذه الصناعة· وكان العديد من الخبراء على حقّ عندما استبقوا الأمور وتوقعوا أن يدور حديث الخبير الصيني حول الانطلاقة الكبرى التي حققتها شركته في مجال صناعة الموبايل، وأن يبدأ محاولاته لتشكيل تحالفات وائتلافات مع كبار المشغلين الأوروبيين، وأن تستغل شركته هذه الفرصة النادرة للظهور أمام العالم بمظهر الشركة القوية التي ينبغي أن يحسب حسابها في هذه الصناعة·
وتوقعت إحصائيات أصدرتها مؤسسات مرجعية في هذه الصناعة أن يقفز عدد مشتري الموبايل الصينيين من 335 مليوناً إلى نحو 660 مليوناً خلال السنوات الثلاث المقبلة· ولا شك أن من يمتلك مثل هذه السوق الضخمة لا يحتاج إلى بذل المجهود الكبير حتى يجتذب حديثه اهتمام الناس في مثل هذه المناسبة الحساسة· وتشير المحللة الاقتصادية إليزابيث جودج إلى أن 'الزلزال التجاري' الذي يشهده العالم بسبب هذا الانزياح الشرقي لصناعة الموبايل، لا يتعلق فقط بتشغيل منصّاته والتي اشتهرت بها شركات عالمية ذائعة الصيت مثل 'اتصالات' الإماراتية و'ألكاتيل' الفرنسية وغيرها كثير، بل وأيضاً بصناعة الأجهزة ذاتها وتصميم شبكاتها وهوائيات تقوية موجاتها وتطوير خدمات الجيل الثالث منها·
ومن بين كبريات الشركات الآسيوية التي هزّت الأسواق في هذا الاختصاص، شركة 'سامسونج' الكورية التي سجلت قفزة تطورية واسعة وسريعة، وحققت زيادة كبيرة في عوائدها من صناعة الأجهزة اليدوية حين ارتفع معدل مشاركتها في السوق العالمية من 3 بالمئة عام 1998 إلى 15 بالمئة في الوقت الراهن· ولشركة 'إل جي' الكورية الجنوبية أيضاً قصة أخرى مع استراتيجيات القفز إلى الأعلى في صناعة الموبايل حيث ارتفع معدل مشاركتها في السوق العالمية من 2 بالمئة إلى 6,5 بالمئة خلال الفترة ذاتها·
حرب أسعار
وبالنسبة لعتاة مشغلي أنظمة 'الموبايل' مثل 'فودافون' و'أورانج' و'أو،'2 تبقى تداعيات وتأثيرات هذا الزلزال الآسيوي مرتبطة بشكل أساسي بالأسعار· ويشير المحلل الاقتصادي بين وودز إلى أن الدرجة الحقيقية التي يمكن أن تؤثر بها الشركات الآسيوية المهتمة بصناعة الأجهزة المحمولة على الشركات العالمية تتعلق بأسعارها المنافسة· وقال في هذا الصدد: 'عمد الآسيويون إلى انتهاج سياسة الضغوط السعرية على الأسواق· وكانوا يجيدون لعبة تحريك الهامش الأدنى للأسعار إلى الأسفل أكثر وأكثر كلما اقتضت مصالحهم ذلك· وكان لهذه الاستراتيجية المتقنة أن تخلق تحديات كبرى ودائمة أمام شركات غربية قوية مثل نوكيا التي تواجه مشكلة اضطراب معدل مشاركتها في السوق منذ سنتين'·
وفيما يبدو وكأن شركات قوية مثل نوكيا وموتورولا وألكاتيل ما زالت تمتلك القدرة على الأقل على التعامل مع هذا الوضع الصعب ومواصلة اللعبة، إلا أن اللاعبين الأصغر لم يجدوا مناصاً من الانسحاب من الأسواق· ومن هذه الشركات على سبيل المثال 'باناسونيك' التي كانت رائدة السوق العالمية في هذا الاختصاص في أعوام عقد التسعينات، إلا أنها آثرت الانسحاب من سوق الجيل الثاني للموبايل في كل من أوروبا وأميركا الشمالية 'الولايات المتحدة وكندا' بسبب ما لاقته من منافسة حامية·
ولا يشك الخبراء أبداً في أن معركة 'البيزنس الرقمي' ستحتدم وتزداد ضراوة مع انفتاح الأسواق العالمية على تكنولوجيا الجيل الثالث للموبايل· ومن المتوقع أن لا يكون البقاء في السوق محكوماً فقط بقانون داروين الشهير 'البقاء للأصلح'، بل وأيضاً بمن يمكنه أن يربح حرب الأسعار·

اقرأ أيضا

المنصات الرقمية.. داعم محوري للقطاع العقاري