صحيفة الاتحاد

الملحق الثقافي

عنقود العنب

د·محمد لطفي اليوسفي

د·محمد لطفي اليوسفي

في مطلع القرن العشرين التقوا في مقهى يحاذي سور مدينة تونس ويتماسّ معه· كانوا جميعا من المشتغلين بالأدب والفكر والفنّ· روائيون وقصّاصون وشعراء ومفكّرون وموسيقيون· وسرعان ما تحوّل المقهى إلى منتدى ثقافي يشار إليه بالبنان· وعلى عجل أيضا سمّي هؤلاء المبدعون ''جماعة تحت السور''· ومنهم أبو القصّة التونسية علي الدوعاجي، والشاعر مصطفى خريف، والمفكر الاجتماعي الطاهر الحداد، والشاعر الصحفي بيرم التونسي، والشاعر أبو القاسم الشابي وأبو الموسيقى التونسية خميّس الترنان· والثابت تاريخيا أن لهذا المقهى ولهذه الجماعة الفضل كلّه في وضع أسس نهضة ثقافية حوّلتهم جميعا إلى رموز في الوجدان المغربي· كان أغلبهم من العصاميين· يكفي هنا أن نتذكّر أن علي الدوعاجي صاحب المجموعة القصصية الرائدة ''سَهرتُ منه الليالي'' كان يفاخر بأنه ليس من الذين مزّقوا سراويلهم بالجلوس على مقاعد الدرس والتحصيل· والثابت تاريخيا أن علي الدوعاجي كان يحتل من الجماعة قلبها· كان يمتلك دكّانا يبيع فيه الأقمشة نهارا ويرتاد المقهى ليلا· كان ميّالا إلى اللهو· فالحياة في نظره مزحة مرّة ولا شيء كالسخرية يمكن أن يجعل المرء قادرا على تحمّلها· لذلك أصدر جريدة ''السرور'' وهي جريدة هزلية سرعان ما حوّلها إلى منبر للنقد السياسي الساخر· فلم تسلم من رسومه الكاريكاتورية ومقالاته الساخرة أيّة سلطة· حتى لكأن الجريدة كانت تسطّر ثارات الفئات الشعبية المسحوقة التي انتقى منها المؤلف شخصيات أقاصيصه ومسرحياته·
ولعله من أوّل الكتاب العرب الذين نادوا بتقليص الفجوة بين الفن ومنتجه· فالأدب المنشقّ، في نظره، لا يمكن أن يصدر إلا عن كاتب يختار الإقامة في منطقة الخطر· لذلك حين ضجر من المكان شدّ الرحال إلى خارج البلاد التونسية وألّف كتابه الشهير ''جولة بين حانات البحر المتوسّط'' حدّث فيه عن حانات إيطاليا وإسطنبول وفرنسا وغيرها··· إنه أوّل كتاب في الرحلة اختار أن يؤرّخ لعوالم سفلية ليلية· لن يكون مصير الدوعاجي أقلّ شراسة ووحشية من مصير الشابي والطاهر الحداد فلقد توفي مسلولا وهو في الأربعين· وتوفي الشابي وهو لم يتخطّ الخامسة والعشرين بعد رحلة مروّعة مع المرض· أما الطاهر الحدّاد فتوفي ولم يتخطّ السادسة والثلاثين إذ حالما أصدر كتابه ''امرأتنا في الشريعة والمجتمع'' وقع اتهامه بالزندقة وحورب حربا بدون هوادة انتهت بوفاته كَمَداً· عديدة هي المرّات التي عبّر فيها الشابي عن ضجره وضيقه بمجتمعه· وعديدة هي المرّات التي تحدّث فيها الطاهر الحدّاد عن محنته· أما الدوعاجي فكان على يقين من أنه وصحبه سيتحوّلون بعد الموت إلى رموز· لذلك كتب قصيدة باللهجة العامية التونسية استنكر فيها مصير المبدع في الثقافة العربية، فألحّ على أن المبدع يقضي عمره حالما بحبّة عنب واحدة وعندما يتوفّى يعلّقون على قبره عنقودا كاملا من العنب:

عاشْ يتمنّى حبّة عنبْ .. ماتْ وهبوه عنقودْ·