الاتحاد

دنيا

حكاية الأب الذي فقد ظله أمام الزوجة الثانية

عمان- توفيق عابد:
الحياة مدرسة هذه حكمة متوارثة لم تأت من فراغ ودائما هناك أناس يعطوننا دروسا في الإيثار والتضحية وقناديل تضيء نفوسنا المعتمة· وما نقوله قصة حقيقية بطلها ما يزال على قيد الحياة يشم الهواء ويتنفس يعمل بكد ويحرم نفسه من أشياء دنيوية كثيرة حفاظا على المبادئ التي تربى عليها والمسؤولية الكبيرة التي حملها طوعا وحتى يكمل مشواره في الحياة رغم أن الشيب يزحف على رأسه ولحيته بسرعة البرق·
بطل قصتنا صحفي 'ع· أ' وجد نفسه أمام موقف إنساني يخص ثلاثة أطفال (فتاتان وطفل) لأخيه وقعوا ضحية تجربة زواج دامت خمس عشرة سنة انتهت بالانفصال كمخرج للخلافات الزوجية المتفجرة دوما على مرأى من براعم متفتحة تقبل على الحياة بأمل وتفاؤل·
استأذنته في الكتابة فوافق شريطة أن لا أذكر اسمه الكامل على الإطلاق بل اكتفى بالحروف الأولى لأن ما أقدم عليه من وجهة نظره ليس بدافع الدعاية أو لأن يتحدث الناس عنه رغم أن حكايته معروفة للجيران والأقارب بقدر ما يريد فضح ما أسماه جرائم الزوجة الثانية وظلمها وجبروتها وتعاملها غير الإنساني مع أطفال لا يعرفون من الحياة غير وجهها البراق·
جلس أمامي يروي حكايته بعد أن أشعل سيجارته وقال: لم أكن أتصور أن يصدر عن سيدة تدعي أنها متخصصة في تربية الطفل (امرأة أخي الثانية) تصرفات غاية في القسوة والوحشية فمنذ غادر الأبناء بيت الجد الذي توفي حتى بدأت تفتعل المشاكل والخلافات مع أطفال الزوجة الأولى وهم بالمناسبة لا يؤذون حمامة كما يقول المثل الشعبي وتؤلب قلب أخي عليهم لتعطي نفسها المبرر في التصرف معهم وفق طريقتها وخطتها التي ستؤدي حتما لتشريدهم وتطفيشهم والانضمام إلى أطفال الشوارع·
كنت أشاهد يوميا تأنيبهم وضربهم وتقريعهم بل ومنعهم من الدراسة بحجة القيام بأعمال المنزل وأصمت في بادئ الأمر على اعتبار أن والدهم (أخي) أولى بالرعاية والحماية وحتى لا تتفجر مشاكل جديدة لأخي ولكنه للأسف كان يسمع ويرى ويطنش ولسان حاله يقول لهم وهم يشكون له 'أنا لا أسمع ولا أرى ولا أتكلم'·
لم أتدخل في بداية مأساة الأولاد وآثرت السلامة تبعا للقول المأثور 'من تدخل فيما لا يعنيه لقي ما لا يرضيه' وشخصيا كنت أود أن يرتب أخي أوضاع بيته من جديد وينصف أبناءه الثلاثة ويحميهم ويحفظ حقوق زوجته ويوفر لها حياة مستقرة وسعيدة دون تدخل من جانب الأهل أو الجيران لكن لم يفعل·
الوضع يزداد سوءا وتفاقما لدرجة لم أستطع الصمت فقد حدثت واقعتان تهزان الضمير الأولى أثناء دعوتنا على غداء منسف ولمّا اجتمعنا حول طاولة الطعام لم ألحظ حضور الأطفال وعندما سألت عنهم تنطحت زوجة أخي للإجابة وقالت انهم يستذكرون دروسهم؛ شككت بالأمر فالوقت ليس موعدا للدراسة فتسللت إلى غرفتهم وصعقت من هول المفاجأة وخرجت عن قواعد الضيافة ولو كانت في بيت أخي وقلت بأعلى صوتي كيف 'نتسمم' منسفا والأطفال يأكلون حبتي بندورة ورغيف خبز! هذا ظلم يجب وقفه·
والثانية عندما استدعيت في ساعة متأخرة من الليل من قبل الجيران لأجد الطفلتين محبوستين وقد استسلمتا لسلطان النوم ودموعهما لم تجف بعد·· أيقظتهما من غفوتهما واصطحبتهما إلى شقتي الخاصة وسألتهما عن سبب حبسهما بهذه الطريقة لأسمع عجبا عجابا فقد طردتهما من البيت بعد أن أشبعتهما ضربا وشتما لكسر كوب زجاجي وقع من يد الطفلة بالخطأ·
ويضيف: ناقشت أخي بهدوء ودون انفعال رغم البركان الذي يغلي في داخلي حتى لا أفقده ويتهمني بالتدخل في شؤونه وحياته الخاصة أو إفشال زواجه لكنه لم يستمع لحديثي ولم يفعل شيئا يذكر ورغم حساسية الموقف قررت أن أكون حاضنا للأولاد منذ تلك اللحظة·
أنا ضعيف أمام الطفولة وأتألم حتى من صور الأطفال الذين يعانون من الجوع والمرض وأشاهد صورهم أثناء عملي الصحفي وأتحيز لنشر تقرير عن أطفال فلسطين أو أفريقيا أو أفغانستان وغيرهم ويصل الحد في بعض الأحيان إلى البكاء بصوت مسموع واردد أمام زملائي عبارة 'ما ذنب هؤلاء ليذهبوا ضحية لأخطاء الكبار وسلوكهم' فكيف الحال إذا كان هؤلاء أبناء أخي الذين ظلمتهم زوجته الثانية!·
وخاطبني بالقول: لم أتزوج رغم أنني تعديت ألـ 46 من العمر 'لقد ترهبنت' وطردت فكرة الزواج من أجندتي وأكتفيت بتربية البنتين والولد والإنفاق عليهم وتعويضهم عمّا فات من تعاسة وتعذيب وانتهاك لطفولتهم وحقوقهم وهم الآن على أبواب التخرج من الجامعة·
وحول موقف أخيه قال: أنه سعيد مع زوجته ولا يفكر بهم وقد تستغرب كثيرا إذا قلت إنه لا يمد يده إلى جيبه ليساعد في نفقات معيشتهم وحياتهم على الإطلاق وأقساطهم الجامعية ولم يقدم لهم على سبيل المثال هدية في عيد ميلادهم أو في الأعياد الدينية، نسيهم تماما ربما حتى لا يغضب زوجته، لكنه بكل تأكيد مسكون بالألم إذ يصعب أن يتخلى أب عن أبنائه بهذه الصورة لولا حجم الضغوط الهائلة التي لم يستطع مقاومتها أو الصمود أمامها·
ومن الحوادث المؤلمة أنه كما تعرف تمر على الإنسان فترات إفلاس 'طفر' ففي إحدى المرات لم يكن في جيبي سوى 50 دينارا كنفقات حتى آخر الشهر رغم أنني أشتغل عملين في آن واحد ومن ثم أتقاضى راتبين لأعيش وهم بحاجة إلى ملابس جديدة مع بداية العام الدراسي فما العمل؟ عقدنا اجتماعا رباعيا وناقشنا الوضع بروح ديمقراطية وواقعية وأبدى كل واحد رأيه بحرية كاملة وخرجنا بحل معقول يرضي كل الأطراف كما يقولون بأن نذهب إلى سوق شعبي في صويلح غرب عمان ونشتري بنصف المبلغ ونعيش على الباقي بالحلوة والمرة وأن لا نستدين من أحد أو يشعر أحد بالحالة المالية الصعبة التي تخيم علينا·
لست نادما على شيء فقد تحملت مسؤولية أبوية دون أن أكون أبا حقيقيا وضحيت حتى بإسمي الذي يخلده الأبناء الذكور في العادة و'ترهبنت' رغم أن هذا غير مقبول في شريعتنا الإسلامية، فلم أبن بيتا ولم أشكل أسرة أو عشا زوجيا كما يحلم الشباب ولكن هناك سؤالان مؤرقان يفرضان نفسيهما على تفكيري في الوقت الحاضر هما: لماذا يفقد الرجال ظلهم أمام الزوجة الثانية؟ وهل سيذكر أبناء أخي عمهما بالخير ويقدرون ما أقدمت عليه بعد أن يخرجوا للحياة العامة ويتزوجوا أم سيطويني النسيان ومشاغل الحياة؟

اقرأ أيضا