الاتحاد

دنيا

راهب أصم يبحث عن الخلاص

قارئ كتاب حسين ابراهيم جرجي زريق 'بحثا عن اورور' الذي وصف بأنه رواية قد يجد نفسه في عالم غريب من حيث المحتوى ومن حيث فهمه المألوف للعمل الروائي، فهو هنا في عالم رومانسي خالص وامام افكار فلسفية وحالات صوفية وروحانية غريبة· ومما تتسم به هذه الرواية من الناحية الفنية انها تكاد تكون دون مكان او زمان محددين وذلك في ما بدا سعيا من الكاتب الى جعلها ذات اطار انساني عام· وهذه اللعبة الفنية خطرة لان المألوف في ما يسمى انسانيا في العمل الروائي هو الانطلاق من ازمنة وامكنة محددة سواء في الذهن او في الواقع لا العكس· فالرواية التي تبتعد عن ان يكون لها مكان وزمان محددان ولو كانا من صنع الخيال قد تواجه خطر الخروج من دائرة العمل السردي الفني الناجح لتقع في عالم العمل الفكري الذي يتخذ من الشكل الروائي مركبة تكاد لا تحمل سوى افكار الكاتب بوضوح وبشيء من 'الوعظية' احيانا·
ومع ذلك وعلى رغم بعض 'بواكير' الملل التي تسببها الافكار الواضحة والمستعادة فقد استطاع الكاتب اجمالا ان يعبر هذه المنطقة الخطرة بقدر من النجاح بسبب روح ولغة شعريتين اكيدتين استطاع مترجم الرواية خليل احمد خليل ان يحافظ عليهما بعربية دافئة ملونة، وقد جاءت الرواية في 154 صفحة متوسطة القطع·
هذه الرواية تدخل القارئ عبر 'عالم حديث' الى عالم قديم متجدد باستمرار، الى عالم الرومانتيكية والبهجة الصوفية والى تخطي العالم اليومي·
اما مدخلها الحديث فهو عالم 'الانترنت' الذي يأخذك الى عزلة تمتصك من جهة لكنه من جهة اخرى ينقلك الى عوالم تكاد تكون دون نهاية·
اسم الرواية هو 'بحثا عن اورور'· وأورور هي الحبيبة التي تخلت واختفت متخلية عمن احبها لانها كالحياة لا يمكن ان تسجن في قمقم ولو كان اسمه هو الحب، ومن هنا تبدأ معاناة من احبها·
واذا تذكرنا ان كلمة اورور الفرنسية تعني 'الفجر' يصبح العنوان 'بحثا عن فجر' وهو يعبر بكثير من الوضوح عن المشكلة والمعاناة·
حمل الغلاف اختصارا لصلب موضوع الرواية حيث جاء فيه: 'في حوار بالمصادفة على الانترنت تكتشف 'اكسيل' شخصا غريبا (جوناثان)، اجتذبها عالمه الغامض فراحت تبحث عن معرفته على نحو اعمق ولاحظت ان عالم جوناثان مقام كليا حول ولعه الجنوني بأورور (فجر)؟ بادئ الامر كانت اكسيل منزعجة لكنها سرعان ما وجدت نفسها منجذبة الى جوناثان حتى صارت اسيرة عالمه، فسعت على امتداد هذه الرواية المترعة بالمفاجآت الى الكشف عن سره'·
مناخ جبراني
الرواية توزعت على عشرين فصلا· الصفحة الاولى حملت كلمات لجبران خليل جبران 'واذا خاطبتكم المحبة فصدقوها· وان عطل صوتها احلامكم وبددها كما تجعل الرياح الشمالية البستان قاعا صفصفا'·
ويبدو ان القارئ لم يكن يحتاج الى هذا التقديم الواضح ليلمس الاثر الجبراني تصورات وافكارا وصورا وحتى لغة· انه حاضر في طريقة انسياب اللغة الملونة المموسقة وتقطيعها -وان مترجمة- وحاضر في الافكار و'التعالي' والايمان بالتحول وبأن الموت والتغير ظاهريان فحسب· وفي ما يختصره عنوان جبراني هو قصته 'رماد الاجيال والنار الخالدة'·
بطلة الرواية تبدأ بشكل يشرح الكثير عن ايمانها السابق بالفردوس الارضي وحده فتقول: 'كان يتراءى لي في تلك الازمان ان الايمان بوجود فردوس خارج الارض هو اكبر نكسة في حياتنا· ففي سنوات شبابي لم اكن اعرف سوى عدن واحدة· عدن بقعتي الارضية·
كنت على يقين من تحقيق ذاتي في تلك العشيرة'·
تضيف عن جوناثان الذي يحمل اسم احد طيور النورس فتقول انها التقته على 'الوب' في دردشة غير مقصودة من ندوات النقاش على الانترنت· انه مخلوق موسوس مكتئب كان مجازفا ولكنه ينم عن روح حساسة ومعذبة· ' تقول له 'والحال· عما تبحث؟ ' فيجيبها ' بلوغ الدوار· سبر اغوار المجهول الذي تخفيه شاشتي·
رومانتيكية أسطورية
في الرواية مع سماتها الرومانتيكية الكثيرة اجواء من اساطير قديمة واخرى 'غرائبية' و'روحانية' وايمانية غيبية تنعكس في اشكال مختلفة من اشكال الحياة ومن الاشياء·
الكاتب يغرق سرده برموز وبكثير من المطلقات·
يقول 'كان جوناثان قد التقى 'اورور' في زاوية شارع يدعى 'حياة' صدفة في ممر يدعى قدر· كلاهما كان يجتذب الاخر بلا رحمة· تحت تأثير سمفونية رائعة ربما كانت متخفية فيه منذ نعومة اظافره اذ استولت عليه الاصوات السحرية لموسيقى داخلية صادرة من اعماق وجوده·
رأى جوناثان ان كل وعود عالم طالما حلم به وانتظره قد ظهرت مع اورور· كان لعناقهما طعم المطلق· عندها رفع اورور عن الارض فدار معها وراقصها رقصة الهية'· ولم تلبث ان تخلت عنه ففتش عنها دون جدوى وبقي يعيش مع نفسه الجريحة·
في كل الرواية ليس هناك اسم بلد او مدينة او شارع وليس ثمة تاريخ باستثناء مرتين في اخر الرواية وذلك اضطرارا للتدليل على ان جوناثان الشخص الذي عايشته البطلة اكسيل طوال سنة عبر الانترنت وفي مدينته التي سافرت اليها لم يكن موجودا فعلا اذ كان قد مات·
يصف الكاتب بطله في بحثه الطويل المؤلم فيبدو الامر اشبه باجواء اسطورة قديمة 'على امتداد رحلته كانت البلدان، المدن، الاثار والمخلوقات تستدعيه بتنوعها· التقى مئات الكائنات· كانت احلامهم شتى وحقائقهم مختلفة لكن خيباتهم وعذاباتهم كانت واحدة'·
اكسيل التي اولعت بجوناثان الفاتن فكريا ونفسيا وشكلا استدرجته الى ان عرفت مدينة سكنه فذهبت اليها سرا وراقبته اياما الى ان تبين لها انه اصم يتكلم بلغة الاشارات· نشات بينهما صداقة وشبه حب ثم اكتشفت انه يدعي الصمم· ابلغها انه مرض واصيب بالصمم فعلا ثم عاد اليه سمعه بعد مدة لكنه استمر في ادعائه لان ذلك اراحه في علاقته مع الناس·
وكما يفعل رهبان الصمت الذين ينذرون انفسهم لعدم الكلام تحول جوناثان الى 'راهب صمم'، بعد ان امضى عدة ايام 'في الصمت والسلام· كان قد صار نوعا من شيء· ما عادوا يطلبون منه اي شيء· ففي صممه كان قد صار كائنا خفيا· لم يعد محيطه يكلف نفسه عناء وضع نفسه بعيدا عن اذنيه· والان بعد ان استعاد السمع صار الشاهد الالزامي على صغاراتهم ولعبة اكاذيبهم ومخاتلاتهم الخالدة، فاستمرفي اللعبة واستمر في التظاهر· وبعد ان افترقا وعادت الى مدينتها لم تعد تستطيع العيش دونه فرجعت اليه ليقال لها انه عاد الى مدينته الاصلية· قصدتها باحثة عنه فابلغت ان الرجل كان قد مات قبل سنة· يعني ذلك انها عايشت شخصا هو ميت - حي·
سألها رجل عجوز ادرك عمق ما هي فيه فقد مر بمثله اذ كان جوناثان يظهر عليه كذلك·
قال 'انه يراودك انت ايضا؟' عادت اكسيل الى مدينتها لتحاول ان تكمل حياتها دون ان تستطيع ان تنسى لقاءها 'الرائع' معه·
ختمت الرواية بقولها 'في بعض الايام ذات اليقظات الحزينة والداكنة كنت اتحول الى صماء او بكماء· هكذا كنت استعيد الامان· انظر الى العالم المحيط بي مثل فيلم هادىء وصامت·

اقرأ أيضا