الاتحاد

دنيا

ما لا تفعلون

اتصل بي صديقي الطبيب مذعورًا ليطلب مني أن أقدم له خدمة مهمة، هو مرتبط بحديث في الإذاعة على الهواء مباشرة، ولا يمكنه أن يذهب للموعد لأن ابنه مريض بشدة، هكذا طلب مني بإلحاح أن أذهب بدلاً منه.
لم أستطع الرفض فقبلت على مضض. وذهبت إلى موعد البرنامج أقدم رجلاً وأؤخر رجلاً، لتقابلني مذيعة غاضبة توشك على نسفي لأنني تأخرت.
ـ«لكني لست المطلوب منه أن....»
ـ«ش ش ش ش !، صمتًا.!»
وأجلستني في ستوديو صوت، ووضعت أمامي مكبر الصوت بينما أغنية تدوي من مكان ما، ثم تناولت المكبر لتقول بصوت رخيم إن ضيفهم في الاستوديو اليوم هو الدكتور فلان – وذكرت اسم صديقي طبعًا - الذي سيخبر المشاهدين ببعض العادات الصحية السيئة.
ثم أنها نظرت لي نظرة نارية وسألت بصوت رقيق:
ـ«ما رأيك في عادة شرب الماء أثناء الأكل ؟»
نعم ؟، أنا أحب شرب الماء أثناء الأكل، لكني أدركت من نظرتها أنها توجهني في اتجاه معين، كما نفعل مع الكلاب عندما نطلب منها مهاجمة شخص ما. كان جو البرنامج خفيفًا لا يسمح بالجدل العلمي، هكذا انطلقت في حماسة أنتقد عادة شرب الماء أثناء الأكل، أسوأ شيء في العالم شرب الماء أثناء الأكل، لا شيء أبشع من شرب الماء أثناء الأكل..
ـ«وماذا عن التدخين ؟»
هذه المرة معها حق، نظرت لأناملي التي اصفرت من النيكوتين وتذكرت أنني فشلت في الإقلاع عن تلك العادة اللعينة عدة مرات، من الصعب أن تعظ بشيء وأنت لا تقدر عليه، لكني على كل حال رحت أنتقد التدخين وكل هؤلاء الذين عجزوا عن الإقلاع عنه.
ـ«وما رأيك في الذين يشاهدون التلفزيون من موضع قريب ؟»
لا خطر عليهم، يرهقون العين لكن لم يضعف بصر أحد في التاريخ لهذا السبب، لكنها تنظر لي في تحفز؛ لذا رحت أصب جام غضبي وحقدي وكراهيتي على من يشاهدون التلفزيون من وضع قريب، الويل لهم،
ـ«والأطفال الذين ينزلون للماء بعد الأكل مباشرة، ؟»
هؤلاء الأوغاد، لو كان الأمر في يدي لوضعتهم على سفينة في قلب المحيط الهادي ثم أحرقتها بصاروخ نووي، عرفت طفلاً ينزل إلى الماء بعد الغداء، وهو في قبر الآن!
لماذا لم يخبرني صديقي بأن هذا موضوع البرنامج ؟، كنت أحسبهم سيسألونني عن مرض معين. لكن يبدو أن مهمتي التصديق على كلام المذيعة، وقد قضيت ساعة كاملة أرد على أسئلة على غرار: بعض الناس يشربون المياه الغازية مع البيتزا المحشوة وبعد هذا يحلون الكلمات المتقاطعة في الصحف، نرجو أن تقول لهم رأيك، عندها أرد: هذا خطأ صحي فادح، الكلمات المتقاطعة بعد البيتزا المحشوة انتحار بمعنى الكلمة.
أخيرًا تهلل وجهها وقالت بصوت رخيم إذاعي جدًا:
ـ«نشكر الدكتور (فلان) على هذه النصائح الطبية الغالية»
لما عدت لداري اتصل بي صديقي ليشكرني على ما قمت به، وكان يضحك حتى أوشك على أن يفقد وعيه.
ـ«لم أعرف أنك نصاب إلا الآن.»
قلت له في غيظ أن يصمت!
جلست أتناول غدائي محاولاًُ أن أنسى البرنامج، سأشرب بعض أكواب الماء أثناء الأكل وأنا أشاهد التلفزيون من مكان لصيق. بعد هذا سأدخن سيجارة وربما أشرب المياه الغازية وأحل الكلمات المتقاطعة في الصحف. عندما يتهمني صديقي بأنني نصاب أقول ما لا أفعل، فأنا أحب أن يكون اتهامه صحيحًا ودقيقًا.

د. أحمد خالد توفيق

اقرأ أيضا