الاتحاد

تقارير

2009: عام الانكشاف الاقتصادي العربي

الأزمة المالية العالمية وتراجع أسعار النفط أثَّرا سلباً على الاقتصاديات العربية

الأزمة المالية العالمية وتراجع أسعار النفط أثَّرا سلباً على الاقتصاديات العربية

على رغم أنّ التداعيات المباشرة للأزمة المالية العالمية على الدول العربية لم تكن ذات وقع كبير (إذا ما اعتمدنا على البيانات الرسمية الصادرة) قياساً بما حصل في الدول المتقدّمة، إلاّ أنّ ذلك لا يعني أنّها تجنّبت الأسوأ، أو أنها استطاعت أن تحيّد نفسها عن التداعيات المحتملة اللاحقة· فقد شهدت الدول العربية في المرحلة الأولى من الأزمة المالية العالمية خسائر مباشرة تمثّلت في:
أ- الدول النفطية: خسائر ضخمة ناجمة عن الانخفاض الكبير الذي شهدته أسواقها المالية، إضافة إلى تعرّض مصارفها لمشكلة الشح في السيولة مصحوبة ببعض الخسائر لدى بعض المؤسسات الكبرى التي تعاملت في المشتقات المالية والتي كانت سبباً في اندلاع الأزمة المالية العالمية· وتشير التقديرات أيضاً إلى أنّ بعض الصناديق السيادية لهذه الدول ربما تأثرت في حدود معينة·
ب - الدول غير النفطية: كانت التداعيات المباشرة للأزمة المالية العالمية عليها أقل من الدول النفطية وذلك اعتماداً على درجة انفتاحها على الأسواق المالية وارتباطها بالاقتصاد العالمي، ولوحظ أنّ المصارف في معظم هذه الدول تلافت نسبياً الوقوع في خسائر مالية نظراً للسياسة المتشددة التي كانت تتّبعها المصارف المركزية فيها، وابتعاد القطاع المصرفي ككل عن التعامل في المشتقات المالية ولعدم ارتباطه بشكل واسع بالخارج· وقد اقتصرت الخسائر المباشرة على الانخفاض الذي تعرّضت له الأسواق المالية·
ومع تضييق أوضاع الائتمان وانخفاض مستوى تقبل المخاطر، من المرجح أن يتقلص نمو الاستثمارات في بلدان العالم النامية ومنها بلداننا العربية بطبيعة الحال من 13 في المئة في عام 2007 إلى 3,5 في المئة في عام ،2009 وهي نسبة كبيرة للغاية بالنظر إلى أن ثلث نمو إجمالي الناتج المحلي يُعزى إليها· كما أنه من المتوقع كذلك تقلص حجم التجارة العالمية بنسبة 2,1 في المئة في عام ،2009 وهي المرة الأولى منذ عام ،1982 وأن تشهد دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا انخفاضاً في معدّل النمو من 5,8% إلى حوالي 3,9 في المئة في عام ·2009
ومع انخفاض أسعار النفط بالشكل الذي حصل فاقدة أكثر من 70% من قيمتها خلال 5 أشهر فقط على أبواب عام ،2009 يبدو واضحاً أنّ العام الجديد سيُخضع الاقتصاد العربي لامتحان عصيب، حيث ستبدأ التداعيات الحقيقية وغير المباشرة في الظهور، وستبرز عندها قدرة أو عدم قدرة الدول على تحمّل هذه الأعباء· وقد تنقلب المعادلة في هذه المرحلة على الأرجح، حيث ستعاني الدول العربية غير النفطية كثيراً إذا لم تحسن إدارة اقتصاداتها، في الوقت الذي قد تتعرض فيه دول نفطية لخسائر كبيرة ليس أقلّها نتيجة انخفاض أسعار النفط، وستنكشف قدرة وحجم العوائد على امتصاص الصدمة في حينه·
وعلى أية حال، فإن المؤشرات الأولية تعطينا فكرة عن معالم التداعيات التي قد تتعرض لها الدول العربية في المرحلة الثانية، وهي تتمثّل في:
أ- الدول النفطية:
1- تراجع حاد في العوائد النفطية: إذ عمّقت الأزمة المالية من الانخفاض الحاد في أسعار النفط، مما من شأنه أن يؤدي إلى تراجع العوائد النفطية بشكل كبير، حيث تشير أرقام صندوق النقد الدولي، إلى أنّ خسارة كل دولار واحد من سعر برميل النفط تؤدي إلى أن تخسر الدول النفطية مقابله ملايين إن لم يكن مليارات الدولارات من دخلها العام·
2- تراجع معدلات النمو: قد تضطر الدول النفطية إذا استمر انخفاض أسعار النفط إلى ترشيد الإنفاق نظراً للضغط الذي سيتولّد على الميزانيات لديها التي قد تدخل حالة عجز كما يبدو، وهو ما سينعكس سلباً على معدّل النمو الاقتصادي فيها، وعلى المشاريع التنموية وتالياً على الوضع الاقتصادي ككل·
3- تراجع حجم التجارة الخارجية: سيتراجع حجم الصادرات التي تتكون من النفط في معظمها، وذلك بسبب انكماش اقتصادات أكبر الدول المستهلكة للنفط في العالم وعلى رأسها الولايات المتّحدة، واليابان وأوروبا، كما سيتقلّص بالضرورة حجم الواردات حينها بسبب تباطؤ النشاط الاقتصادي·
4- تراجع في حجم الاستثمارات الأجنبية: سواء المباشرة الواردة إلى هذه الدول أو المباشرة الصادرة منها، إذ سيتم التركيز على عودة الاستثمار الخارجي لهذه الدول في هذه المرحلة لتحصين الداخل، وللمساعدة على تلافي التداعيات الأسوأ الممكن حصولها لاحقاً·
ب - الدول العربية غير النفطية:
1- على رغم أنّ وقع التأثيرات المباشرة للأزمة المالية العالمية على هذه الدول يفترض أن يكون أخف من غيرها في المرحلة السابقة، إلاّ أنّه من المنتظر أن تدخل في نفق التداعيات غير المباشرة، وهذا يعني أنّ الصورة قد لا تبقى وردية على المديين المتوسط والبعيد، إذ من المتوقع أن يطال تأثير الأزمة المالية العالمية اقتصادات هذه الدول وتحديداً القطاعات المرتبطة بالطلب الخارجي مثل السياحة والعقار السياحي والصادرات، والتي من المفترض أن تشهد تراجعاً في ظل الكساد·
2- كما أنّ هذه الدول ونتيجة اعتماد اقتصاداتها في جزء كبير منها على تدفقات الدول العربية النفطية المالية وعلى استثماراتها، فمن المتوقع أن تتضرر هي أيضاً جراء انخفاض أسعار النفط إلى هذا الحد، وأن ينخفض حجم التحويلات القادمة إليها من الدول النفطية أيضاً· ولذلك فإن التحدي الأكبر لهذه الدول سيتمثّل في الحفاظ على معدّل نمو اقتصادي إيجابي، وعلى الاستمرار في مسيرة الإصلاح الاقتصادي، وتأمين مناخ استثماري آمن وجاذب لتحويل أكبر قدر من الاستثمارات إليها في القطاعات المهمّة والمنتجة خاصّة، لتساعد على خلق فرص عمل وتنمية اقتصادية حقيقية وزيادة في الإنتاجية من شأنها أن تحد من آثار أي انكماش قد يضرب حركة الاقتصاد الكليّ·

علي حسين باكير
كاتب ومحلل سياسي
ينشر بترتيب خاص مع خدمة منبر الحرية

اقرأ أيضا